محمد مزيد - امرأة الهور الغاضبة...

[HEADING=3]برز وجه المرأة الاربعينية، بلونه الحنطي، وعينيها العسليتين، أشد صرامة، في هذا الفجر، أكثر من أي وقت مضى، وهي تلف الجرغد على رأسها. لم تنم ليلتها، ليس بسبب الحر الخانق الذي يعصف بالهور، ولا بسبب قبائل البعوض المقبلة من جهة الشرق، ولا بسبب نباح كلبها " عفريت " الأسود الذي أزرقت عيناه، من عوائه المستميت للتكاثر فلا مجيب. بل بسبب آخر.[/HEADING]
شدت خرقة الحزام السوداء حول خصرها، ووضعت خنجرها بين طياته، وخزتها نبالته من ظهرها، أرادت أن تخرج متوثبة من الصريفة بثوبها الأسود الوحيد ، الذي لبسته حزنا على فقيدها، الا انها تذكرت، لم تخبر أختها المراهقة النائمة في باحة الصريفة، بخروجها المبكر في هذا اليوم، وعزمها ركوب مشحوف سعدان زوجها، التي لم تمتطه منذ يوم الفاجعة، قبل ستة اشهر ولحد اليوم، دست أصبعها بزند أختها، ففتحت الصبية الجميلة عينيها بصعوبة ، قالت لها " انا راشدة " ثم خرجت. سارت بخطوات ثابتة، رأت عباءة الليل جاثية في الجهة البعيدة من الهور، همّ كلبها " عفريت " اللحاق بها، فالتفتت اليه غاضبة، نهرته بصوتها الابح فشق السكون " ولي " وأشارت بسبابتها الى مكانه المعتاد عند باب الصريفة، عيناها تنغرزان في ملوحة الأرض، وهي تتقدم الى المشحوف، فهي الملوحة نفسها التي أكلت مسامات جسدها الناعم، إذ لم تغتسل في الهور عند الغروب، بعد أن كانت قد حذرتها أمها ذات يوم، بأن الشيطان يدخل في أجساد النساء إذا رآهن تسبحن عاريات ، ولم تغتسل في الطشت، منذ رحيل سعدان، زوجها الحبيب، قالت لهم قبل أن يأخذوه لغسله وتكفينه،" اريدن أشوف مكان الرصاصة" فمنعها حمواها من جنونها، لكنها رأت الثقب في قلبه بعين قلبها، فلم يهدأ لها بال منذ ذلك اليوم، حتى هذا الفجر .
حرصت الان على أن تُظهر خصلة من شعرها الأسود، تحت الجرغد، أنزلت الخصلة على خدها الترف، مثل علامة، مضى زمن طويل على ذلك اليوم، حين داعب سعدان خصلتها السوداء خلف الاشنات، وهو يبلع ريقه، محاولا لثمها بقبلة، لكنها منعته، بالرغم من انها خطيبته منذ الصغر، وضعت في الليل، قليلا من الديرم عل شفتيها، وكحلت رمشيها، بعد أن تأكدت من نوم اختها، كانت تحرص أن تتم عملها، فجرا، قبل بزوغ الشمس ، لأن أصابع الضوء ستكشف وجهها ، ولا تريد أحدا من الصيادين معرفة المكان الذي ستذهب اليه، أستلت مجداف المشحوف النائم بين الحصران،واتجهت الى المياه، رأت موجاتها تتلامع بضوء الفجر ، صعدته ثم جلست منتصبة، ذلك لأن وقوفها سيكشفها ، لا تريد أن يراها أحد ، ضمت ساقيها الى الملوحة بين فخذيها، كانت تشعر بدبيب يوخزها ، وهي تغرز عينيها مصوبة الى المكان البعيد ، قالت له بالامس، سنلتقي هناك عند صريفة ال شعلان المتروكة، تلك الصريفة، التي عثرت فيها قوات الأمن والحزب على عدد من الهاربين من جحيم حرب ايران، وهم كلهم من ابناء قريته،ولم يرحموهم، تساقطت أجسادهم في الهور العميق، اذ جرى الامر بسرعة،
يتعرج مسارها الان، بسبب كثافة القصب والبردي والطحالب ، تغمض عينيها وتفتحهما، وفي الاغماضة تريد الا يراها أحدا، خارج نواميس القرية الغافية الان، أقتربت من المكان، ولاح لها الرجل واقفا، منتصبا، عيناه كعيني نسر يلف رأسه باليشماغ الأحمر، متخفيا بين الحصران المسندة الى الجدار ، لما رآها دخل بسرعة الى الصريفة ، ركنت المشحوف، ثم هرع ليساعدها، مد يده، الا انها قفزت بخفة، ولم تمد يدها اليه، دخل قبلها الى الصريفة، خلع دشداشته بسرعة، حلت حزام بطنها والقت به قرب وسادة موضوعة على فراش قديم، كان معداً كما يبدو منذ ساعة، رآى هو الخصلة المتدلية، والديرم على الشفتين، ففهم أن كل شيء يسير كما يرام، فلم تنظر في عينيه، ، تمددت على الفراش، كشفت عن ساقيها، جلس هو على ركبتيه، في تلك اللحظات، شعرت أن الملوحة بدأت تذوب، ولم تعد توخزها، كما فعلت في الليل، وعند الفجر، غاب وعيها قليلا، وتمتعت بذوبان الملح، كما إنه غابت عيناه عن رؤية ما تفعله يداها في حزام البطن، قبل أن يلمسها، لم تسأله لماذا أبلغ عن الهاربين، أحكمت قبضتها على الخنجر ، وبسرعة خاطفة، ضربته من جهة خاصرته المكشوفة، فتضرج بالدم، مازالت تمسك بالخنجر، فغرزته بقوة في الأعماق، كما غرزت رصاصاته ذات يوم في قلب سعدان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى