محمد محمود غدية - مطر كالؤلؤ والمرجان

رجل وامرأة ليس فى مساء العمر، المرأة تغالب دمعة حبيسة، خشية ان تسقط وتلسعها سخونتها، الصمت بينهما له ضجيج يطحن العظم، غادرهما جيش الاشتياق، يحتاجان لنهر يغسلهما ويزيح ركام الأحزان، يفترقان وكل منهما يتابع الآخر بعينين متوسلتين، تستجديان الأمل فى لقاء جديد !
طوى الجريدة وغادر الحديقة والمقاعد الأسمنتية،
وانزلق فى الباص الذى كان مزدحما، متطلعا الى البؤس الزاحف على غالبية الوجوه، شدته امرأة تبتسم وهى تشيح بوجهها نحو النافذة، تتابعه عينيها السوداوين على حين غرة، يبحث عن امرأة تحايل حزنها بهدوء، وتتمكن من تليين عريكته، مؤجلة ردود افعاله، تمنحه اللهفة، يمسك بشذاها وينعس،
متماسك شامخ، قابض على مشاعره لا يندفع، استعلاء الوجه فى العينين، تنمان عن الكبرياء والتحفظ، لكن اذا امعنت النظر، تكشفان عن حزن دفين، فى جعبته الكثير الذى يريد ان يرويه الآن، ترجل من الباص، اتسعت خطواته، المطر الليلي بلل مشاعره، وتركه يرتجف، نسى ان يرتدي معطف المطر والصقيع، فارتدى اكثر اردية الحكمة وقارا وسار،
تدثرت السماء بسحب داكنة خفيفة، ينادىي امرأة تروي ظمئه حين يجف الحلق، تمازج بين الماء وبين النار، امرأة تكتبها الحكايات والأساطير، وأجمل ماسطر
فى كتب الحب والأشعار،
الريح تهزه بغلظة، والمطر يستهدفه ويقصده، وكأن الحياة تمنحه دهشتها الأخيرة،
امرأة تهرول نحوه، تلتصق به وتفتح مظلتها، رأى حبات ملح تلمع فوق شفتيها الممتلئتين، عيناها مفعمتين بحزن غامض، يتعذر تفسيره،
يدوران ويتداخلان فى عتمات متحركة، عيونهما تمسح اللاشيء، واقدامهما تسير فى اللامكان، عرجا فى بساتين الحلم،
اتسع القلق، متدحرجا فى نعومة على اسفلت الطريق،
فى منتصف اليأس، باغتهما ضوء ساطع كالنهار،
والمظلة فوق رأسيهما
تتقاطر دف ومطر، كالؤلؤ والمرجان .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى