جمعي شايبي - حوارات الدكتور عبد الوهاب المسيري _ الصهيونية واليهودية _ تحرير : سوزان حرفي .

لفترة طويلة ظننتني قد فهمت الصهيونية ، من خلال قراءتي المتأنية لبروتوكولات حكماء صهيون ، وهو الكتاب الذي حسبته قد أمتلك حقيقة الصهاينة الكاملة والمطلقة ، ولما فرغت من قراءتي لهذه الحوارات الماتعة ، أيقنت أني لم أكن أعرف عن الصهيونية إلا قشورها ، دون لبها .
وأن كتاب بروتوكولات حكماء صهيون ، ما هو إلا سطر يتيم ، لا يكاد يظهر أو يبين بين أسطر هذه الحوارات المدهشة .
وهو ما يشهد للدكتور المصري الراحل عبد الوهاب المسيري رحمه الله ، بأنه صاحب فكر موسوعي شامل ، غاية في الدقة والعمق والكمال .
كيف لا ، وهو صاحب موسوعة : اليهودية والصهيونية التي كلفته ثلاثة عشرة تهديدا بالتصفية والإغتيال ، والتي نذر لها حياته ، فاقتطعت من عمره القصير ثلاثون عاما من الدراسة والبحث والتحليل ، إلى أن اكتملت ورأت النور في ثمانية مجلدات فخمة فاخرة ، كلفته نصف مليون دولار .
إنها إرثه الفكري النفيس ، الذي يشهد له بأنه صاحب مشروع حضاري بلغ من الدقة والروعة والجمال منتهاه.
إن حوارات الدكتور المسيري المجموعة كالأزاهير في هذا الكتاب المدهش ، هي تفكيك لظواهر : اليهودية والصهيونية والإسرائيلية ، وإعادة تركيبها بطريقة تيسر بوضوح تام مفاهيمها ، من خلال وضعها في حدود الزمان والمكان ، وفي السياق الحضاري والتاريخي والإنساني ، والنظر فيها باعتبارها ظواهرا تاريخية ، بعيدا عن البحوث والدراسات السطحية المرتجلة ، والموروثات الخرافية التافهة الخاطئة .
إن هذه الحوارات تحليل فكري فلسفي مفصل للأيديولوجية الصهيونية المقيتة ، ونقد موضوعي أكاديمي لبنيتها الفكرية العليلة .
( أرض بلا شعب ، لشعب بلا أرض ) ، باقتدار دحض المسيري هذه الخرافة والأكذوبة الصهيونية الحامضة ، مبينا بالأدلة والحجج والبراهين أن الإستيطان هو جوهر الصهيونية وعمودها الفقري وركنها الركين .
وأن ما يسمى بإسرائيل ما كانت ولن تكون دولة ، إذ أنها في حقيقة الأمر ظاهرة إستعمارية ، من فبركة غرب متغطرس خبيث ، يعرف كيف يحافظ على مصالحه بأوضع الطرق ، وأقذر الوسائل ، وأحط الأساليب.
وهو ما استقر عليه تيودور هرتزل آخر الأمر ، معتبرا أن المسألة اليهودية بفائضها البشري في أوروبا لن يتم حلها ، إلا من خلال تصدير اليهود خارجها، ولن يتأتى ذلك إلا بالمنطق الإستعماري البغيض .
فإسرائيل جيب إستيطاني تشكل من مجموع الفائض البشري اليهودي الذي صدره الغرب كالنفايات إلى أرض فلسطين المحتلة .

1758481150434.png

هذه الأرض الطاهرة المقدسة التي حولها الغرب بالغطرسة والقوة ، والعرب بالتخاذل والهوان والضعف ، إلى حاضنة تعج بقمامات الصهاينة القذرة .
إن هذا الكيان الصهيوني اللقيط ، ما هو في حقيقة الأمر إلا أداة موظفة لخدمة مصالح أمريكا في المنطقة ، ولا يعدو جيشه المدجن الهجين المدجج بأحدث التكنولوجيات والترسانات الحربية المدمرة إلا حاضنة عفنة تعج بجموع المرتزقة والقتلة المأجورين .
وما الصهيونية إلا نتاج زواج لعين بين النيتشوية والداروينية ، الأولى لا تعترف بحق البقاء إلا للأقوى ، والثانية تعتبر البقاء المادي هو القيمة الوحيدة المطلقة .
فالصهيو أمريكية ماهي إلا وجهان لنازية واحدة ، نزعة نيتشوية بلا أخلاق ، وداروينية لا تؤمن بالمثل والقيم ، تعمل على فرض منطقها الأرعن الذي لا يؤمن سوى بالإبادة والتهجير القسري والعنصرية .
إن إسرائيل هي حلم العلمانيين الملاحدة ، حلم إمبراطورية تجهد في أن تتخطى دور قاعدة عسكرية إستعمارية موظفة لخدمة الغرب الذي أنشأها .
ذلك الحلم الذي لن يتحقق لها إلا عن طريق الإبادة والتهجير والقضاء على المقاومة ، كما فعل الغرب في أمريكا وأستراليا وغيرهما، كما يشهد تاريخهم الإستعماري البليد الملطخ بعار الغصب والقتل والإحتلال والتدمير .
يجمع بين إسرائيل وأمريكا علاقة و وشيجة تاريخية وطيدة ، إذ أن كلاهما مجتمع إستيطاني مبني على محو الآخر وطرده وإبادته وإفنائه .
ولهذا تبقى إسرائيل كيانا وظيفيا يستمد مقومات بقائه واستمراره من خلال الدعم الأمريكي والغربي المطلق ، أي أنها بالنسبة للغرب قاعدة عسكرية مفيدة .
وإن ذلك الشتات اليهودي الململم في أرض فلسطين العربية لن يكون مجتمعا إسرائيليا ، إنما هو تجمع صهيوني مريض يعاني أزمة الهوية والمعنى ، وكيان وظيفي يعتاش على عائدات خدمته للإمبريالية الغربية المتغطرسة .
فإسرائيل ببساطة هي كيان عميل ، وكلب حراسة ، يحرس المصالح الغربية بالشرق الأوسط .
و إن إسرائيل هي فعلا نجمة مضافة إلى نجوم الراية الأمريكية ، وإلا كيف نفسر التبعية الصهيونية لأمريكا واعتمادها المذل المخزي عليها لضمان بقائها واستمرارها ؟.
علينا أن نوقن ونسلم بأن دعم أمريكا لإسرائيل لابد أن ينعكس سلبا عليها ، إما بالمقاومة أو مراجعة العرب لعلاقاتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية .
وأن استقرار الشرق الأوسط ليس في مصلحة أمريكا ، وإلا لماذا ابتدعت الفوضى الخلاقة وربيعا عبريا زحف واجتاح بالكاد كل الدول العربية النائمة .

1758481150434.png

وحدهم الفلسطينيون واليمنيون من فهموا هذه المعادلة ، و وحدهم يقاتلون بنبل عن شرف أمة لا تتقن غير دور حياد يبعث على التقزز والغثيان .
ووحدهم الفلسطينيون واليمنيون وحركات المقاومة من فهموا حقيقة أن الصراع ضد الصهاينة إنما هو صراع محتدم ضد الإمبريالية وقوى الإستعمار العالمي ، الذي يمد الكيان الصهيوني اللقيط بمقومات الصمود والبقاء ، وهو الذي لا يزال يعمل جاهدا على الإبقاء على حالة التجزئة العربية وتقسيم ما هو مقسم .
فحركات النازية والصهيونية العنصرية الإبادية إفرازات غربية صرف .
إنها حداثة داروينية منفصلة عن القيم ، وعلمانية شاملة تحول الإنسان والطبيعة إلى مجرد مادة إستعمالية بحتة .
فالنازية والصهيونية هما مرجعية فكرية للعالم الغربي الحديث وغريزة راسخة فيه ولوثة تسري في دمائه غير النقية .
والصهيونية وليدة التراث الفكري الإستعماري الغربي ، وهي أداته وبيدقه وسوط في يد الغرب في المنطقة، منذ وعد بلفور اللعين واتفاقية سايس بيكو المشؤومة .
ها هم الصهاينة اليوم يحيون بدعم غربي مفضوح حلم إسرائيل الكبرى بإعادة إحتلال غزة والضفة ولبنان وسورية والأردن ومصر والعراق .
ولنا أن نفهم أن إسرائيل بلا دستور هي إسرائيل ذات حدود مؤقتة غير ثابتة في الفكر الصهيوأمريكي التوسعي ، حدود تتمدد وتتغير حسب الظروف والضرورة .
ولنا أن نسلم أن السلطة الفلسطينية بالضفة سلطة بلا سيادة وأن أوسلو ما هي إلا وهم ومشروع دولة مخصية لا حقوق لها .
وإنه ليحز في قلوب الشرفاء أن تغدو إسرائيل اليوم العجل الذهبي الذي بات ربا يعبده العرب المطبعون بالقوة والرضى ، مذ ظهر سامري العصر النتن ياهو وحكومته المتطرفة .
المجد للمقاومة ،
ولا نامت أعين الجبناء .

جمعي بن بشير شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى