نجوي عبدالجواد - غيرة...

آه من وجع الأسنان، الطبيب قال لى إنه أصعب ثاني ألم في الجسم، لكنه لم يقل لي ماهو الألم الأول.هكذا تقول لمن تهاتفه. كاد طبيب الأسنان أن يشاركني راتبي. تضحك ثم تضع يدها على ضرسها وتعود للتأوه. بجوارها جلس ومال عليها يقول : سلامتك، لماذ لم تنتظري حتى أنزل معك؟ . أنهت المكالمة والتفت فإذا هو. ابتسمت ولم ترد.
العيادة مزدحمة اليوم من الممكن أن تعودي للبيت ونعود فيما بعد.
ستعود أنت الآن، لقد عدت من عملك مرهقا ولولا الألم مازنزلت أنا في هذا الوقت عد واسترح وأنا لن أتأخر، أمامي كشفان أو ثلاثة وأدخل.
لن أتركك بمفردك.
حبيبي أرجوك أستمع لى، أراك متعبا ولم تنم جيدا.
لا، سوف أنتظرك.
حسما للخلاف اذهب وأرسل محمود ، لا لاترسله سوف أتواصل معه بعد أن أنتهي.هكذا حلت المشكلة
قام وأدار وجهه نحو باب الخروج، ثم ولىَّ وجهه نحوها مترددا،شجعته بنظرتها على المغادرة. ابتسم لها وغادر.ظلت عيناها تتبعه حتى تلاقت معها حينما عادت عيناها من باب العيادة الذى غادره الزوج. قالت في نفسها، ربما تعرفني وربما فضول منها وربما ملل الجِلسة الطويلة وربما... أتشبِّهين علىّ. هكذا فاجأتها علَّ حديثا يدور يخفف من رتابة الانتظار.
معذرة إن كانت نظراتي أغضبتك.
كلا، لاشيء مجرد فضول مني.
انتقلت من مقعدها إلى جواري واقتربت وبصوت منخفض قالت :
أصدقك القول، كانت نظراتي لكِ وله - أظنه زوجك- أليس كذلك؟
بلي، هو زوجي.
كانت نظراتي. صمتت، حثتها هويدا على الإكمال. أخشى أن تغضبي.
لن أغضب تحدثي كماتحبين. تطمئنها هويدا.
كانت نظرتي بصوت هامس ربما لايسمعه غيرهما. كانت نظرتي غيرة.
غيرة! تردد هويدا الكلمة.
غضبتِ، قلت لك ستغصبين.
لم أغضب أنا فقط أتساءل لِمَ الغيرة ومم تغارين؟
أغار، ليس منكِ أنتِ ولكن أغار من الابتسامة المتبادلة بينكما، من لهفته عليكِ ومن حرصكِ على راحته، من همسات متبادلة تحمل ما يكنه القلب، من ونيس يملأ دنياكي حياة، من مخدع يحمل دفء جسده وليل يجمعكما سمرة.
انتبهت على نظرات هويدا الدهشة، توقفت ثم عادت للاعتذار بشدة، أنا لا أحسد ولا أغير، فقط أشتاق لمثل هذه الحياة.
شعرت هويدا بالتعاطف معها وسألتها :حضرتك مطلقة؟
أجابت أرملة منذ عشر سنوات.
كنتِ تحبينه؟
كل ما أشعر به أن نور الكون انطفأ بعده وأنني كلما رأيته في ملامح بنتي يستحلفه صمتي أن يعود.
مازلتِ شابة فلم...؟
ذات ليلة خرجت أنظر للقمر في السماء، كان المنظر جميلا، صورة القمر، نسمات الهواء، سكون الليل، صوت أم كلثوم من المقهى الذى يستعد للغلق. تصمت.
تومئ لها هويدا أن تكمل.
لا أدرى كيف ارتحت لك لدرجة أنني أتعري أمامك هكذا؟!تقول السيدة.
لا عليكِ، لم تقولي شيئا يخجلك، أنتِ تعانين الوحشة،تحنين لحياتك السابقة، ماذا في هذا؟!
أشعرها تفهم هويدا مشاعرها بالاطمئنان فشرعت تكمل :كم من ليلةٍ وأنا أشعر به، داخل الحجرة، على السرير! ، يدخن في البلكونة!، أشرد وأتخيل ثم أعود للواقع على فراغ بجانبي. حتى جاءت تلك الليلة، ودون قصد مني سمعت همسات وضحكات جارتي وزوجها. تنظر لهويدا وتعود لتؤكد أنه ليس من عاداتها، ولم تتعمد، حائط فقط يفصل بين حجرتينا! هكذا قالت، وكأنها تبحثت عن تأكيد لبراءتها. أصواتهم لم تكن منخفضة فحملها الليل لي وأنا في البلكونة.يقطع
نداء مساعدة الطبيب الحوار. يتردد اسم مدام هويدا التى نسيت الألم، وترغب في السماع، شعرت بالراحة حينما سمعتها تعتذر لها وأن دورها بعد هذا الذي دخل.
استغربت الممرضة ردها وعدم اعتراضها كالعادة، لكنها حمدت لها هذا.
تعيد نظرة هويدا للسيدة الحديث، فأكملت :لم أنم في هذه الليلة، ظللت مستيقظة حتى سمعت أقدام ابني ومن بعده البنت في الصالة. لم يجداني أوقظهما كالعادة ولم يسمعا صوتي: سوف يبرد الفطار، كفى نوما أيها الكسالي.
دخلا علىَّ،أحضرت بنتي الشاي وجلسا بجواري وتساءلا عن سبب كسر الروتين اليومي،هل أنا مريضة أم ماذا؟. لا أدرى كيف قلتها ولا كيف كانت ملامحي، كل ما أدريه أن سخونة الشاي شعرت بها تخرج من وجهي وأنا أقول لهما إنني سوف أتزوج.!
صمت يسود كما ساد حينها. ثم تكمل :
لم تتحدث بنتي ولكن نابت عيناها عن لسانها وأخبر صمتها عما يجيش بصدرها.
والولد؟!
شعرت السيدة بنبرة تعاطف في صوت هويدا لاتدري معها أم معهما؟
تحولت ببصرها في الحجرة وكأنها اكتشفت للمرة الأولى أنها صغيرة، ضيقة بلاشباك تستمد حيويتها من المكيف الصغير. احترمت هويدا صمتها بل راودتها الرغبة في الاعتذار وأخذت في التفكير فيما تقول، لكن السيدة قطعت عليها الطريق وقالت :بعد صمت لم يطل كثيرا قال : إن الباب الذي سيدخل منه العريس هو عينه الذى سأخرج منه للأبد!
وماذا كان ردك؟! خرجت منها
تنهيدة لفتت انتباه المرضى فعادت لتهمس :
صمت، صمت للأبد قررته الأم بداخلي؟ ولكني، ولكنني يا مدام هويدا فشلت في التخلص من شعور الغيرة.!
دورك يا مدام هويدا. تنادي المساعدة.
أي تخصص لهذا الطبيب، أشعر الآن أن الألم قد انتقل إلى قلبي،تقول هويدا. اقتربت من باب حجرة الكشف ثم عادت في تصرف أدهش المساعدة والحضور وربما أدهش السيدة؛ قبَّلت رأسها ومضت مسرعة للداخل دون انتظار رد فعلها. رأت الطبيب فعادت يدها لتلامس خدها وعاد التأوه.
سلامتك يا مدام هويدا إيه اللي تاعبك.
ضرسي يا دكتور... وأخذت مدام هويدا تشرح ألمها الذى تشعر به
وللمرة الأولى تنزل دموعها وهي تشتكي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى