عبدالعزير كوكاس - تحلم بي...

"إذا كان مطلوبك في المرآة أن ترى فيها وجهك، فلم تأتها على التقابل، بل جئتها على جانب، فرأيت صورة غيرك فيها، فلم تعرفها وقلت: ما هذا أردت، فقابلتك المرآة فرأيت صورتك فقلت: هذا صحيح، فالعيب منك لا من المرآة"
ابن عربي



لم ألاحظ الأمر في البداية.
المرآة، كما تعرف، كائن مطيع: تعيدك إليك دون جدال، بلا رأي، بلا تأويل. ولهذا كنت أضعها في غرفتي كما يضع الناس ساعةً.. لا ليعرفوا الوقت، لا، لا أبدا.. فقط ليطمئنوا إلى أن الوقت يمضي، ويتحسسون أعضاءهم ليتأكدوا أنهم لا زالوا هنا، ولم يمضوا مع الوقت.
لكن في صباحٍ عادي، وأنا أمرّ أمامها مسرعًا، رأيت شيئًا غيري. لم يكن غريبًا تمامًا، شيئا مألوفًا بطريقة سيئة: كأنني أعرفه من حلمٍ لم أتذكره جيدًا.
توقفت، لكن الشخص في المرآة لم يتوقف.
تأخر جزءًا من الثانية، ثم التفت نحوي… لا، ليس نحوي تماما، بل نحو فكرةٍ أو صورة عني، لست متأكدا تماما كي أنزل عليها باطلا.. عندها فهمت أن المرآة لم تعد تعكسني، بل تسبقني.
في الأيام التالية، بدأت المرآة تعرض احتمالات. أحيانًا أرى نفسي فيها وأنا أرتدي قميصًا لم أشتره بعد. أحيانًا أرى نفسي أُصلح جملة قلتها بالأمس. وأحيانًا، وهو الأشد إزعاجًا، أرى نفسي أصمت في مواقف كنت سأندم فيها على الكلام.
كانت المرآة تحلم بي، لا بي كما أنا، بل بي كما كان يمكن أن أكون.
حاولت أن أستعيد النظام القديم. وقفت أمامها طويلًا، ثابتًا، كمن يمنحها مادة واضحة.
لكنها كانت ترفض الانضباط. كلما ثبّتُّ ملامحي، غيّرتْ هي احتمالي.
قلت في نفسي: لعلها خدعة بصرية. ثم قلت: لعله إرهاق أو بعض من الملل.
ثم لم أقل شيئًا، لأنني رأيتني في المرآة أقول أشياء لم أقلها… وكانت أفضل.
بدأت أقلق على حقي في الخطأ.
فالمرآة، بهذه الطريقة، تسحب مني حريتي في أن أكون أقل مما يمكن أن أكونه.
وفي مساءٍ بارد، اقتربت منها وقلت، كمن يفاوض كائنًا حيًا:
- أعيديني كما أنا.
لم تُجب. لكنها عرضتْ رجلًا يشبهني، يقف في نفس المكان، ويقول العبارة نفسها، ثم يضحك. ضحكة قصيرة، كأنها تقول: "أيّك أنت؟"
تذكرت حينها ما كان يقوله الجاحظ عن الأشياء التي تُشبهنا أكثر مما ينبغي، فنفرّ منها لأنها دقيقة أكثر من اللازم. صرت أزور المرآة كما يزور الناس طبيبًا قاسيًا. أقف أمامها، فتمنحني نسخًا:
نسخةٌ أكثر شجاعة،
نسخةٌ أقل قسوة،
نسخةٌ تكتب ما أؤجله،
ونسخةٌ لا تحتاج إلى أيٍّ من ذلك.
وفي كل مرة، أخرج أقل يقينًا بنفسي.
وذات يوم، لم أجدني فيها. لا أنا ولا احتمالاتي. كانت المرآة سوداء، معتمة، كأنها نامت. اقتربت أكثر. ثم، ببطء، بدأت تظهر صورة… لكن هذه المرة، لم تكن صورة إنسان.
كانت غرفة. غرفتي بلا مرآة.
فهمت متأخرًا: لم تكن المرآة تحلم بي، بل تتدرب على الاستغناء عني.
وأنني، طوال هذا الوقت، لم أكن سوى مرحلةٍ انتقالية بين عكسٍ قديم وحلمٍ لم يعد يحتاج إلى صاحبه. ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت أمام زجاجٍ عابر، لا أنظر.
ليس خوفًا من ألا أرى نفسي، بل خوفًا من أن أرى ما قررت المرايا أن تراه فيّ بدلًا من أن تعكسني حقيقة.

شكرا للزملاء في بيان اليوم الثقافي وفي مقدمتهم العزيز الحسين الشعبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى