د. سيد شعبان - عم محمد أبوذراع!...

مضت سنوات ومايزال بي حنين إلى الطريق إلى المدينة التي عانقت خيالي؛ في الطريق إليها ثمة عقبات؛ لم أعد ذلك الفتى الذي يسابق الريح؛ يعدو مسرعا حين يسمع صافرة القطار تنبيء أنه على وشك الوصول إلى المحطة، تغيرت المعالم وتقطعت الأشجار؛ النخلة اليتيمة سكنتها الغربان؛ الجميزة العتيقة نخرها السوس؛ كل من قابلتهم غرباء؛ حتى الذين بقوا صاروا خيال ظل؛ جاء القطار متأخرا نصف ساعة؛ نظرت في وجوه الركاب؛ مصابون بالخرس؛ يرتدون الكمامات فالوباء يحصد الأرواح؛ انزويت في مقعدي؛ حانت مني نظرة لأرض باعها أبي؛ تداخلت الدموع والذكريات؛ يجتاحني حزن؛ هنا كانت خطواته؛ حقله الذي ارتوى بعرقه؛ يشفع لي أنه استبدلها بجنات وعيون وزروع ومقام كثير؛ يرتج القطار فيتمايل الناس كما الحصاد تحت ضربات المنجل؛ شحوب وصفرة؛ إنهم في نبأ عظيم!
أعبث في هاتفي؛ أحاول تمضية الوقت الذي يثقل كاهلي؛ أتفحص وجوه الغادين والرائحين؛ هل ستكون بينهم؟
ربما!
ترى هل لو كانت هنا أتتذكرني؛ مؤكد أن شعري الأبيض والتجاعيد التي تكاثرت في وجهي؛ تلك الحدبة لاتغري امرأة بي!
يتلوى القطار ثعبانا؛ هنا حكايات ومسامرات لطلاب في زهوة الشباب؛ انطفأ الحلم؛ سنوات مضت ولما يزل الكابوس؛ أمر بعمي محمد أبوذراع، يفترش الرصيف؛ يزهو بمعروضه؛ كتب ومجلات وصحف؛ هذه من الخليج وتلك من الشام وثالثة من بلاد ترطن بغير لساننا، يتركني أتصفح ماهو معروض؛ يعلم أنني طالب فقير؛ يمدني بالكتب المدعومة؛ يقرأ لكبار الكتاب، يدندن بأشعار نزار، يحرك يده اليتيمة في سعادة، يعزم علي بكوب الشاي، أتذكر أنني كنت أبناع منه المجلات والكتب بالقسط.
الآن انتابتني الحسرة؛ خشبة العرض مقفرة؛ مات الرجل الذي أمد مكتبتي بما فيها بمبالغ زهيدة؛ على أية حال لدى هؤلاء الجوعى ما يشغلهم؛ يصطفون أمام مخابز العيش؛ يزدردون أكواب الشاي تشبه الحمرة القانية؛ تنتفخ بطونهم؛ تسكنها الديدان المخروطية واللولبية فنحن في بلاد تتراقص فيها الأوهام. أحاول السؤال عن الكتب فينصرف عني ولده؛ يتصفح هاتفه؛ لايدري كتابا ولايعرف صحيفة؛ إنه عنوان لجيل اجتث من فوق الأرض.
أتذكر أنني كنت أنتشي طربا حين أشتري منه كتابا لعبدالوهاب المسيري أو لرضوى عاشور؛ الآن طاولة كتبه خاوية؛ هذه من المحظورات التي تزج بحامليها إلى الأقبية المعتمة.
أسير في شوارع المدينة؛ تمرق السيارات في سرعة البرق؛ يبدو أن بها مس الجن؛ يقف رجال
في كل مكان؛ أيترقبون نبأ عاجلا؟
يتدافعون نحو الميدان الكبير، يهتفون للمحروسة، تك جناية ابو دراع علمهم سحر الحرف وروعة الكلمة.
أخبرني صاحبي؛ إنهم مكلفون بحصر أنفاس المارين؛ تبدو قاماتهم طويلة حتى توشك أن تسد عين الشمس؛ أكتافهم تكاد تطير بهم إلى أعلى؛ وحدهم المتواجدون في الأمكنة المعتمة والمضيئة؛ ينظر أحدهم إلى من طرف خفي؛ يخرج حاسوبه يكاد يتعرف علي؛ أغير وجهتي؛ لم تعد بي طاقة لتلك الأيام الكئيبة؛ لاتوجد هنا غير أصداء لرفاق تاهوا في بلاد الله.
يرن في أذني صوت الشيخ إمام؛ تردد خلفه الجوقة: مصر يابهية!
أنظر حذائي وقد تناثرت أجزاؤه!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى