ظافر الجبيري - هادي...

أفاق هادي على طرقاتٍ متلاحقةٍ على الباب، في ضحى يوم جمعة من شعبان، كان ذلك أواخر التسعينات الهجرية. طرد آخر التمطّي من أطراف جسده، نهض من فراشه، رتّب البَطّانية المقلّمة بالألوان وأطرافٍ مضفورةٍ حمراء، تهادى نحو الباب ليفتح:

-"خير خير يا خيّ، خذ مفتاحك معك".

زميله في الشقة صديقُ العمر محمّد بن هدّار يدخل، رفع هادي صوته بتكاسل:
-"الله لا يحيّي عدوّك".
يدخل مبتسمًا، حاملًا تميسةً مازالت تفوح حرارتها ،وفي وسطها طَحِينة وشَريكة. وبنصّ ريال فول يترجْرجُ في كيس شفاف، صاح به عابراً الممرّ متجاوزاً الفِراش الممدود وسط الغرفة:

-"هات الشاهي يا الهِلامة"

طالما اعتاد على مناداته بهذا الوصف في أوقات الدعابة والمزاح. فتح شبّاك َالغرفة دونما نظر، تَسلّلت الشمسُ هادئة عبر النافذة الرصاصية اللون، ودفع مصراعي الخشب، فتراءت مشربياتٌ بعيدة، وفي الجوار أسطحٌ قريبة تتقاطع عليها ملابسُ مُعلّقة مبلولة ترطّب الصباح الطائفيّ الساكن.

تناولا الإفطار، وحلق ابن هدّار ذقنَه بأدوات الحلاقة المشتركة، وصاح بالرفيق المسترخي مخدَّرًا من وجبة الفول:

"هيا، بنصلّي في مسجد ابن عباس" لم يكن عرْضًا، بل قراراً محسومًا، وانتهى كلُّ شيء، لم يفهم سببَ إصرارِ رفيق السكن على الصلاة هناك، عقّب دون انتظار:

-"بعدها نمرّ على محل الروّاس، نأخذ غدانا من عنده، راس حنيذ معتبر" ،ولم يكن هادي ليرفضَ فالزميل صاحب أفكار طيبة.

قبل الصلاة بساعة خرجا، ركبا دباب سوزوكي أربع كفَر، وأصرّ هادي على دفع الحساب، ريالين مقابل الفطور الذي أحضره الزميل.

عبر بهما السائق النفيْعي حيّ الشهداء مروراً بشارع خمسة وعشرين، ثم يساراً بامتداد شارع خالد بن الوليد. كانت حارة الشرقية قد أقفلت محلاتها منذ ساعة، والخضراوات والفواكه مرصوصة أمام الدكاكين. تناهى إلى الأسماع صوتُ الخطيب متقطّعاً عبر ميكرفون عتيق، كان الصوتُ ينقطع فجأة، فلا يدري مَن بالخارج هل انتهى الإمامُ أم توقّف، ليعاود الصوتُ من جديد، يمكن سماع الخطبة في الحارات المجاورة عبر ساحة الجامع، والشيخ يتحدّث عن الحقوق وقضائها بين الناس في الدنيا والآخرة.

مع تقدّم خطواتهما، اعترى هادي قلقٌ مفاجئ، شعور يداخله عادة في الأماكن المزدحمة، عبرا بين الصفوف، وبدأ هادي ينسى سرّ إصرار رفيقه على هذا المكان البعيد، وراح يفكّر في الخروج بعد الصلاة والزحام ، واكتظاظ الأبواب بالمصلين الخارجين ، والبحث عن الحذاء!

خرجا مع مَن خرج، امتلأت الباحةُ المفروشة بالرمل بالناس المندفعين في تمتماتٍ وتسابيحَ خافتة وتهاليل مسموعة، وفي الباحة المربّعة للجامع علا الهرْجُ وتداخلت الأصوات.

يقول هادي، فيما بعد، متذكّرًا مع بقايا ذهول:

«استغربتُ أعداد الشرطة الكثيرة، وزحامَ الناس وتدافعهم لأخذ مكان في الصفوف الأمامية، إخلاءَ وسطِ الساحةِ على شكل دائرة زاد من شعوري بانتظار حذِر، صارت العيون رماحًا مركوزة، والنظراتُ تذهب إلى وسط الدائرة ، ولا تعود حتى يتمّ ما جاءت من أجله، نظرتُ حولي، قلّبتُ بصري، فإذا الشرفاتُ والأسطح المجاورة مكتظّة بأناس ينتظرون فرجة ولا شكّ، لم يعد هناك مجال للاحتمال أو التخمين، صعد بعضهم على ظهور السيارات القليلة الواقفة، تسلّق غيرُهم الأشجارَ العالية على طرف الشارع، وتعالت الأصوات من كل جهة هامسة حيناً وصريحة حيناً آخر: كم واحد هم؟ يقولون خمسة! لا يا شيخ واحد بس! طيب الغامدي معهم؟، لم يكلّف أحدٌ نفسه عناء الردّ بين اللغط والجلَبة المتصاعدة من أكثر من جهة، كان يوماً مشهوداً».

يستعيد هادي تفاصيلَ ذلك اليوم الذي وجد نفسه بين المئات من الرؤوس والأجساد المتدافعة: ابن القرية الجبلية الجنوبية الغربية التي لا يزيد عدد رجالها ونسائها عن الستين، ها هو يعيش الازدحام والالتحام والتطلّع نحو وسط الدائرة، وقد بدأت أقدامٌ تأتي وتنتظر، وازدادت الأجساد تدافعًا والنظرات تلهّـفًا لما سيحدث بعد قليل.

انسرب رجال من الشرطة إلى داخل الدائرة، صاروا الآن ستة عسكر بل ثمانية، والعيون تشخص، والمناكب تتدافع، قصار القامة يقفون على مقدمات أرجلهم:

«خلّونا نسمع»

«وسّع يا أخي»

النظرات مترقّبة، والعرق يتصبّب في يوم خريفي معتدل، كيوم المحشر كان، لن ينسى هادي ذلك المشهد ما عاش، لم تفارقه خطواتُ السَيّاف، الخطوات لواثقة المعتادة، كأنما يمشي صاحبُها إلى البيت أو السوق ، القامة الفارعة المهيبة، البشرة السمراء، تقدّم بسيفه حتى بات في مواجهة رجل أربعيني مقيّد حادّ النظرات بعينين تبدُوَان وقد أنهكهما سهر الليالي الأخيرة، ولأنّ هادي يتذكر، فقد علّق أحد الحضور:

«سبحان الله..يُقال: المحكوم يعرف بقلبه اليوم المحدّد للتنفيذ» ردّ ابن هدّار معترضاً:

«لا، لا، اسمعني. . أليس القصاصُ يوم الجمعة؟» سأل ودون انتظار جواب من أحد الجالسين ، واصلَ:
«يعطونه خبر الخميس الصباح».

هادي الذي يبدو أن التدخّلات وإثبات الحضور من قبل الجالسين، وخصوصاً ابن هدار، قد أراحته قليلاً، واصل الاستماع، ليسترجع كلماته الخاصة عمّا يحدث:

«السيّاف جاهز، تلفّت المحكوم يميناً ويساراً، ربما منتظرًا معجزة من السماء، أو حصول العفو في آخر لحظة" . ثم بعينيه اللتين سيأكلهما الدودُ رأى هادي بعض الواقفين في الصفوف الأمامية في مواجهته تماماً، رآهم يغمضون عيونهم آن ارتفع السيف، وباحتراف تعلّمه عبر السنين العامرة بالرؤوس المحزوزة، همز السيّاف الجسدَ المسلّم له، ناشَهُ بذبابة السيف في أعلى الصدر، فارتفع الرأس نتْراً، فبادرتْه التماعـةٌ خاطفـةٌ أبهـرت العيون تحت شمس شعبان الدافئـة، تدحرجت الرأسُ على مسافة تقارب المترين من الجسد، وكما انكفأت الرقبةُ إلى داخل الصدر، انكفأت عيون داخل محاجرها، وسقط من سقط، وتهاوت نجومُ الظهرِ مع إغماضة هادي الساكنة.

عاد محمد بن هدّار وهادي، يحمل الأول رأس خروف محنوذاً، أعدّه أمهر المطاعم في الطائف كلِّها: مطعم الروّاس الواقع خلف جامع ابن عباس.

تهادت الخطواتُ عبر الطريق إلى حيّ الشهداء الشمالية، حيث يسكنان، لا يذكر هادي الكثيرَ عن العودة، ولا عن الشوارع التي مرّا بها، أكانت على الأقدام أم في سيارة سوزوكي كما في الذهاب، كلّ ما يذكره أنه سمع صوت الباب يدفعه رفيقه، يدخل هادي أولاً، ويدخل الرفيقُ وراءه حاملاً الرأس في كيس من البلاستيك.

استعدّ الرجل للغداء، فاحت رائحة الرأس والغداء في فضاء البيت، دعا رفيقه ليأكل معه بحكم العادة. دون أن يشاركه، التفت إلى مهوى يده ، فتبدّى له اللسانُ خارج الفم والأسنان، لقد مات الخروف متحسّراً وكازًّا على أسنانه، عاود الشاب صمته، وظلّ قابعا في زاوية الغرفة التي ينامان فيها، دعاه ثانية، بينما راح هادي يتساءل في وجوم ،كيف يأكل هذا الحسيلُ؟! كيف تكون له نفسٌ للأكل، حتى ولو كان رأس كبش إسماعيل!

ارتفعت زفرتُه مكتومةً تظلُّلها إغماضة عميقة، ليرى من جديد ما لم يره هذا الثور الأكول. رأى البرحة أضيق مكان على سطح الأرض، وها هي جدران الغرفة تحاصره، تلك الساحة التي انفضّ عنها الجميع بهدوء، بين صامت ومحوقِل ومهلّل، تاركين همهاتٍ مبعثرةً وشمساً مائلة.

رأس وحيدةٌ غادرت الجسد، وجسدُ هادي غادر البرحة أيضًا، عندما حشره زميله في السيارة التي عادا فيها، لكن حواسَّه ما تزال هناك، في الساحة، وكلّ حاسة منها تعمل على طريقتها. ترى، هل مات الرجل واقفاً؟ ماذا عندما غادرته رأسه فعل! لم يُرَ الكثيرُ من الدم. ربّما مات الرجلُ قبل أن يموت! عندما كان يتلفت يمنة ويسرة مُنتظِراً ما لا يجيء كانطباق السماء على الأرض، أو التعلّقِ بمخالب طائر يأخذه بعيدًا، أو. .

عندما تدحرجت الرأس، كان آخر ما يذكره هادي أنه رأى لا بعينيه، بل بكل النظر، رأى الشمسَ مشطورة نصفين والسيّاف يعلو كلّ الرؤوس تماماً، الرؤوس جميعها؛ و صاح ابن هدّار مقلّباً رأس الخروف المحنوذ " والله شغلهم ما فيه كلام" ظلّ هادي ينظر ساهماً عنه ، وتركه يصيح به، يدعوه للغذاء، ومن جديد، يردّد ساخرًا :
-« تعال تغدّ معي يا هلاّمة».




من مجموعة( الهروب الأبيض) الصادرة عام 2008م
عن المركز الثقافي العربي بالتعاون مع نادي الرياض الأدبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى