العربي عبدالوهاب ـ من أجل صبارة صغيرة

لو كان لجدي أن يرى ..

كيف تقذف السماء بالموت ،

حين تولَّد الحزن فى قلبى ، كفرخ حمام لا يقوى على التقاط الحبات بمفرده ، لم يطعمني أبى في فمي .. تجلسني يا جدي على حجرك ، وتمد يدك فى جيب سيالتك ، فتطلع لى بالحلوى السمسمية التى أحبها، و لما تراني أتكلم عن العيال وآبائهم تأخذنى فى حضنك ، وتحكى ..

( الأرض حضن الفقراء ، أبناء الشمس ـ أبداً ـ لا تتشرب دماءهم ،

لا تستحل عظامهم .. فقط تصنع منها مراكب للشمس !! )

بعد وقف إطلاق النار . لم تكتف بخبره . مؤكد أنه لم يكن مجرد كلمة تقذف بها شفاه متعجلة ، فى حزن حقيقى .. ساعتها وقف أمام ناظريك بطوله الفارع ، وقبَّل يدك ، فدارت بك الدنيا ولم تقعد .. دققت كل الأبواب وحاولت اختراق كل المنافذ . رجل لم توهن الفجيعة من انتصاب عوده .

ذلك الصباح حضرت إليك ، متوقفا أمام نوبات سعالك ورعدة جسدك الواهن ، كنت ممددا على السرير فوقك بطاطين عديدة ولم تزل بك رعشة عصفور جز رأسه السكين .

راقبت دمعتين تتأرجحان بين جفنيك .

تقبض على يدى" مراكب الشمس تناديني : يا سعيد ، امتزجت فى الظلمة ملامحى بملامح البعيدين ، القريبين الآن منك . ولم أرغب أن أقول لك : أنا صابر يا جدى ، بقلبى شمعة مطفأة .. ماذا أقدم لك . ترسل فى طلبى ، تتعلق بكتفى فجأة وتنهض واقفا . مازالت بجسدك عزيمة الرجال . نذهب معا إلى الصبَّارة .. تأخذ منها "خِلفة" صغيرة ..

ـ على مهلك .

= سأذهب .

لم يتوقف السعال حتى جحظت عيناه ، ثمة أمر مغلف بالرجاء .. وأَكمل

= جاءنى فى الفجر .

أنحنى برقبتى إليه لأستشف صوته المتقطع .

= طيور النورس .. حلقت فوقنا .. مركب الشمس كان فى الانتظار .

تأملته ولم أعلق .


* * *

على مضض كأنى متكئ على جمر . عصاى أسفل ذقنى تغوص فى رمال الخيمة .. أتملاهم بنظرات أسد جريح هدّه عناء البحث ، ولم تفت فى عظامه برودة الرياح أواخر يناير . عكازى وقف النار وفصل القوات ..

ـ عمن تسأل ؟

سمار وجهى وجلبابى المغبر يتراجع بأوامرهم وحزمهم للوراء .. أذكر لهم رقم حديدته الزنكية ، وفرقته وسريته المشاة الميكانيكى الملحقة بالمدرعات ، ومكان استشهاده ـ كما ذكروه ـ وحصار كبريت الذى انفض من أيام .

يتكرر السؤال وإجابتى كل مرة تنطلق بإصرار رجل يود لمس الحقيقة بيده .

= أنتم رفاقه ؟

يرقون لحإلى وتنفتح المعابر .

فى خيمة القائد كاد الشاى يكوى حلقى ، متعجلا التحرك .

كانوا ثلاثة .. أمارات الحزن تسحب وجوههم عنى ، غير أن شمسا تتخلل بدفئها قماش الخيمة . اقترب أحدهم بمقعده الخشبى ، حدثنى عن ابتسامة ولدى التى لم تفارقه ، وأقسم بالرمل الذى أرواحنا أرخص من ذراته .. أن كل واحد منا قبض على أول حفنة نزلت عليها قدماه .. رأيته يمد يده فى الجيب (الكاكى) ويخرج كيسا صغيرا ، تلمع بداخله حبات صفراء بلون الذهب .

اصطحبنى بعدما أسر فى أذن قائده وسرنا .

كان يماثل سعيد طولا . منذ دخلت عليهم وتعرفوا بى وحزنه البادى يتحوطنى . عند الحاجز المائى تلفت وراءه كمن تذكر شيئا ، طاف بنظره عند مطلع الكوبرى .

ـ رويدك يا أبى .

لم أنتبه فى البدء حيث كنت موغلا فى جلال المكان .

قال : هنا .

= لكنه عبر القناة .

ـ كنا معا .

ألمّ به حزن عميق حتى بانت التماعة فى عينيه . هز بعدها رأسه ، طارحا للوراء الذكرى ، وندت عنه ابتسامة صافية

* * *

....... هنا أحسسنا بأول ارتجافة للجسد .

وأشرت بيدى قرب الجسر .. على امتداد كان الكوبرى يركب القناة فى تحد ، ثابتا ، يخترق فتحة الساتر الرملى على الضفة الشرقية .

اقتربت ثلاث طائرات فانتوم للعدو ، مرقت فى البدء فوق الكوبرى المحتشد بالعربات والجنود . كانت قريبة منا ساعتها سألنى سعيد : خائف ؟ ..

كنت منشغلا بأمر الأطقم واستعدادنا لأخذ دورنا فى العبور . تممت على الذخيرة ثم رفعناها داخل العربات ، والمياه والوقود وسلامة الأقنعة الواقية ونظارات الميدان والتعقيم الجيد للملابس ضد النابالم وسلامة أجهزة التوجيه .. قبل انطلاقنا إلى المركبات البرمائية .

شرد سعيد لحظات ، فى الوقت الذى طاش صاروخ م . ط ، وبعد ثوان معدودة هللنا وكبرنا إثر انفجار الطائرة الأولى بصاروخ ثان .. بعودة أزيز الطائرتين ظننتُ أنهما سيلامسان رؤوسنا .

ـ الحرب مطحنة كبيرة يا أبى .

أمّن والد سعيد على كلامى بقوله : شئ يبقى يا بنى .. تلك الشواهد الصغيرة التى تضيئها الشمس .. وندوس بأقدامنا حولها فى أمان .. نتمكن عند ذلك أن نغرس صبارة وحيدة ونمضى .

ـ أتعلم ؟ .. عندما هممنا بالتحرك …

شرد سعيد على غير عادته ممعنا النظر فى السماء كالذى يستوضح شيئا حتى أننى لكزته فى جنبه ليستعد ، ساعتها رأيت ابتسامة لن أنساها . خبط كتفى بسعادة وانتشاء قائلا : إنه ولد .. واسمه صابر . ولسوف يصبر برغم اللهيب .

ضحك أبوه متذكرا رؤيا ولده وقال : أسميناه صابر .. صابر سعيد .

وصلنا إلى كبريت ، رائحة البارود لم تزل عالقة بالهواء . الدبابات المحطمة تبعثرت فوق الرمال . فى صباح 9 أكتوبر زحفنا إلى هنا بأوامر للاستيلاء على نقطة كبريت شرق وهى من النقاط الحصينة للعدو . تعرضنا فى الطريق لغاراته الجوية قبل الوصول بـ 3 كيلو جنوب النقطة .. ظهرت دبابات العدو فى محاولة لإعاقة تقدمنا . وصدرت الأوامر لمجموعتنا بالتعامل معها .. كانت ثلاث دبابات ومجنزرة . اتخذنا مكانا مناسبا وراء إحدى التباب القريبة فى انتظار وصولهم لمدى المرمى المؤثر . أعطيت أوامرى كحكمدار للطاقم بإشارة كالبرق لجهاز الإطلاق ، فأصيبت الدبابة الأولى والمجنزرة وأصبت الثالثة . لكن الدبابة الثانية برغم أننا شللنا حركتها فقد احتمت بالمجنزرة وصبت علينا نيرانها .

وزعت الفصيلة إلى مجموعتين للالتفاف . كان سعيد أسرعهم ـ من هواياته الأثيرة أن يرفّع الأسرى ويسوقهم أمامه، اختبأ لهم مرة أيام الاستنزاف وبعد تنفيذ العملية تسلل من ورائهم وصوب مدفعه فى ظهورهم فاستسلموا ـ قمنا بالتمويه والتسلل من وراء التباب .. آخر صاروخ لدينا والدبابة لا نستبين منها سوى ماسورتها .

غطونى حتى أخذت موقعا قريبا ودققت محددا الهدف.. أصبت منها الجنزير.. انتفض من بداخلها.. كانوا صيدا ثمينا لسعيد الذى انشقت الأرض عنه فجأة .. وقتها برزت رأس أحدهم ، مؤكد أنه تسلل من وراء الدبابة .. ربما يكون سعيد أحس به؛ ربما ليرى للحظة واحدة وجه قاتله لأن رأسه ظهرت لحظة واختفت .. غطيت ظهر سعيد بوابل من النيران .. فى تلك المرة ارتفعت الخوذة قليلا ، بانت الرأس تماما فاصطدته . عندما وصلت كان سعيد مطروحا على وجهه بنفس الابتسامة الهانئة ، متوحدا برمل سيناء كالذى يهم بقول شئ ولم يتمكن ، فترك لى هذه النظرة الأخيرة . لتظل محفورة بالقلب

* * *

( سعيد )

" على وقع حركته المخاتلة استدرت ..

أحسست بعينيه المذعورتين ..

كان مصوبا تجاهى بدقة ..

ترافقت التفاتتى برصاصاته .. "

* * *

كبريت .. رمال ، وتلال متباعدة تتخللها دبابات خربة ، بعثرتها صواريخك يا سعيد .. عربات ترزح متفسخة بين الأحجار والرمل .. من ورائنا رمال متعالية . كانت منذ بضعة أشهر ساترهم المزعوم .

تحركات حثيثة لجنود بعيدين .. هنا تختلط الرؤى بالمشاهد ، أمسح عينى من ذرات ناعمة تزفها الرياح . هو أقصر قليلا من سعيد .. أكثر هدوءا ، بقلبه مغارة ، تنتظر من يدق بابها . قال إبراهيم متأملا : أرواحهم ترف حوالينا .. هنا . وأشار لموطئ قدمه . وجدناه مبتسما مطروحا على وجهه؛ لم أتمكن حتى الآن من تفسير تلك الابتسامة أهى الرضا، أم السخرية من قاتله؟

الرمل يفتح دفاتره ، يعيد للعظام صلابتها ، ينفخ فيها الروح ، رأيت ابتسامتك وأنت صغير .. كنت تأتى بكل ما يصعب على من فى مثل عمرك إتيانه .. قلبك حديد يا ولدى كأبيك .. حكيت لنا تحت لمبة الجاز أيام الاستنزاف ، كيف تأخرت عن المجموعة وتسللت من وراء مجنزرة العدو التى دمرتموها .. وعدت بالأسرى أمامك .. كيف إذن سقطت .. أأودت بك نظرات الثناء ..

أتعثر الآن بين الرمل والحجارة ، يسندنى إبراهيم ، فيستقيم عودى .. قرأت فاتحة الكتاب .

امتدت يدى داخل كيس من القماش .. حاول إبراهيم أن يحمله عنى ، أخرجت صبارة صغيرة .. توقفت عيناى على حروف اسمه المسبوقة بـ ( الشهيد ) هنا مقامك يا حبيبى .. متى يكون الموعد ونتلاقى .

ربت إبراهيم على كتفى وحاول غرس الصبارة . هززت رأسى متشبثا بها . أخذت أحفر الرمل وأعد بدربة الفلاح مقامها الأثير .

* * *

تراءت الأسلاك والصبار والشواهد يا كبريت . كبرت صباراتك يا جد : صارت صبارات كثيرة . تلك ظهيرة تفجر بمعولها تفاصيل ومشاهد مترامية ، ملامح رجال توحدوا بقوائم الخشب ، يسجلون أسماءهم على لافتات تحاول الريح معها . وحتى الآن لم يغادرنى إحساس ما بالكدر . ربما خطوط الظل المترامية من الصبارات شغلتنى . كنت أشعر بعطش شديد بعدما هاجمتنى فكرة أن أرويها ماء مالحا من القناة . رغم ما يكلفنى ذلك من قطع مسافة ليس قصيرة ، إلا أن العطش ألم بى أمام انتصاب الصبارة فى تحد .. تخيلتها فى كيس من القماش بين يدى جدى " أنا شديد .. أسافر وحدى " ووحدك محمولا على كتفى منذ بضعة أيام ووحدى الآن وسط صبارات تمنيت أن تعرفنى .

اعتمر المكان ، تكاثرت القرى السياحية على الضفة الشرقية للقناة تجذب خطوات السائرين نحوها من كل فج كانوا يهبطون سلم الأتوبيس السياحى منتشرين .. يدبون بخطوهم تجاه شرم الشيخ .. امتلأت الرمال حياة ، فوق الدماء والصبار .. فوقك يا أبى .تراك الآن سعيدا يا سعيد ؟ ‍‍

أحضرت ماء من بيت بطابقين ، بعدما ارتويت وضعت فى يدى الصبى ورقة مالية ، فأحضر لى صفيحة فارغة تفح برائحة السمن الصناعى ؛

سألنى : أمعك أحد هناك ؟

كان العيال يلعبون فى تحد واضح للظهيرة فتابعت بنظراتى تناقل القرى بين أرجلهم وسرت .

فى الطريق استوقفنى شاب قمحى الملامح ، كان يبتسم ويشير إلى الصفيحة بيدى أرفعها إليه ، يحملها عنى ويرتوى . أراقب انسراب الماء على ملابسى ، كانت الصفيحة مثقوبة ولم أهتم، يبادرنى .. إلى أين يابن العم ؟

= مقابر الشهداء .

أخذ الطريق بجوارى ماشيا ، من آن لآخر كان يشير بيده لحطام معدات متناثرة ثم طلل لعربة تغوص فى الرمال . كان نحيلا وأطول منى بقليل ، بعينيه ألفة ما . فكرت أن أسحب منه طرفا للكلام بيد أنه كان يوغل فى تفاصيل المكان ، يهز رأسه من آن لآخر .. من ملّكك تلك الرمال والحطام والنظرة الأليفة أيها الشاب القمحى ‍‍؟ . من منحك القدرة على تقديس الصمت بإشارة دقيقة من يدك تفك أسرار الرمال ، تطلق المردة من قماقمهم وتبتسم ..

ـ من لك فى المقابر ؟

= أبى .

كان القروى القادم من دلتاه مزدحما بالصبار والذكرى ، ينادينى من جب عميق لأفيق على جلال الشواهد وعلى صوت جدى " أنا شديد " .

التفت على ما يشبه سؤالا قادما من الشاب الذى خدش مسافة الصمت بينى وبينك .

ـ أهو شاهدك ؟

= نعم .

ـ هذا ؟

كان يشير إلى نفس الحروف واللافتة المائلة . الصفيحة التى قلبتها ـ عند الصبارة ـ ندت عنها آخر قطرات دافئة ، تتسرب بحضن الرمال ، لم تزل بيدى . أكملت مؤكدا : نعم .. نعم هذا أبى .. سعيد النبوى .

يقترب منى حتى تتلاقى عينى بعمق عينيه السوداوين : إذن أنت صابر ؟ .

تعقد الدهشة ملامحى ، لم أخبره عنى بشئ لأنه لم ينطق طوال الطريق .. فقط كان يراقب انسراب الماء من ورائنا راسما خطا دقيقا سرعان ما يطويه عطش الرمال .

ـ وهذا الشاهد ؟

= شاهد أبى .

لم تفارقه ابتسامته حتى استدار عنى عائدا .. وهو يقول : كيف ؟؟ … إنه شاهدى أنا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من قصص (باتجاه مصادفة ما )





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى