محمد محمود غدية - سيرة مهملة

رائحة الورد عالقة بذاكرته، منذ لامس كفها الرقيق، وأصابعها التى تشبه اصابع الحلوى، التى تدعوك لأكلها على الفور، محملين بذكريات الطفولة والصبا والحزن، دارت بهما الدنيا التى جمعتهما، ثم ابعدتهما مثل عصفوران سبحا فى الفضاء، سعيا للحرية والعيش وحبات القمح، وجنتاها يشبهان بواكر تفاحتين، نضجتا حمراوين قبل الأوان، تحسبها هاربة من احدى اللوحات القديمة، غير مبالية بخصلات شعرها، التى راحت تتطاير وتلتف حول وجهها التفاحى والوردى، مع كل التفاتة منها، اعجابه بها يزيد يوما بعد يوم، كشجرة لبلاب متسلقة داخل قلبه، تشابكت وتعقدت فروعها، فأصبح التخلص منها مستحيلا، أشار للبعوضة التى وقفت فوق ذراعه قائلا :
اننا نشبه تلك البعوضة، فى مملكة الليل الشاسعة، مضيفا انها فى حجمها الضئيل هذا، تدمى مقلة الأسد !
قالت من بين ابتسامتها : يالغرابة الدنيا وغرائبية حبنا، يقتلنى حبك كل يوم، من شك وغيرة وخوف من غد لم يأتى بعد، احصى ايامى معك، التى قفزت بى نحو الخمسين وانا مازلت فى العشرين، ادميتنى وكسرتنى، معذرة لنزف الكلمات : لن اكون لك،
ولن اكون لسواك،
قلبى رغم مواجعه مازال يحبك، اخاف النوم،
حتى لا احلم بك، جمدت فى حلقى شهقات كوابيس الفراق، حتى اسمك لم اعد اذكره، لأنه تعويذتى وصلاتى الأخيرة، جرفنى نهر الغرق دون أطواق النجاة، أنا ابنة التعاسة وهذه المدن البلهاء، كنت اغنيتي التى لم تكتمل، وقيثارتي الممزقة الآوتار،
ربما اهتدى يوما فى السير لآخر النفق، الى ضوء مرتعش شحيح، يلوح ثم يضمحل ثم يشتعل ثم ينطفىء،
وداعا ياحب سكن الوريد، السماء ملبدة بالغيوم القاتمة، فجأة كشرت السماء عن انيابها، تشاركه مرثية حبه الضائع، فى هطول الأمطار الغزيرة لتغسله وتغسل البيوت والحوانيت والشوارع،
وتفشل فى اطفاء حرائقه، المحتاجة لعربات الأطفاء فى كل العالم، تنفلت الوساوس من جعاب الحكايات، ويتكسر الضياء فى السماء ويتفتت، وتنسدل خيمات الليل،
عن فصل فى الحكاية، عاش ورحل دون آثر، سيرة مهملة تطويها الأيام، وحكايات مآلها النسيان، تتصدع الأشياء من حوله، يصيغ السمع لصوت السكون المطبق والأحزان ويمضى وحيدا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى