شريف محيي الدين إبراهيم - حين يختفي القمر

في الغرفة البيضاء الموحشة...
المساء كان صامتًا..
وجهها شاحب، وعيناها مبللتان تناديانه دون صوت.

دخل ببطء.
وقف عند الباب لحظة، تردّد قلبه بين أن يقترب أو يهرب، ثم مضى نحوها.
جلس إلى جوارها، أمسك يدها التي فقدت دفأها، ومرّر أصابعه على شعرها المنسدل كظلال الغروب.

قال بصوتٍ حاول أن يخفي ارتجافه:
"ها أنا هنا... لن أتركك بعد اليوم."

ابتسمت ابتسامةً هزيلة،
وقالت بهمسٍ يتكسر بين شفتيها:
"كنت أعلم أنك ستأتي."

ارتجف وجهه بين ابتسامةٍ ودمعةٍ معلّقة.
أراد أن يقول شيئًا يوقف الزمن، شيئًا يعيدها، لكن الكلمات خانته.
حاول أن يخفي دموعه، وقال أخيرًا، كمن يحاول خداع القدر:
"ستتعافين ... سنذهب إلى البحر، كما وعدتك، سنجلس هناك، ونضحك."

هزّت رأسها بخفة، كأنها توافقه لتريحه، ثم أغمضت عينيها قليلًا، قالت بصوتٍ كنسمةٍ بعيدة:
"خلي بالك من نفسك."

سقط رأسها ببطء على كتفه، وتجمد الزمن.
لم يعد يسمع سوى دقات قلبه.
ظل ممسكًا بيدها، ينظر إلى وجهها الذي صار أكثر صفاءً.
كان على الحافة بين الحياة والموت، بين الحب والفقد،
لبث جالسًا كما هو...
رأسها ما تزال على كتفه، والسكينة قد غمرت وجهها.

نظر إليها طويلًا… إلى ملامحها التي بردت ببطء،
وبقي الجسد الجميل مجرّد أثرٍ من حلم.
عيناه اتسعتا على اتساع الفقد.
لم يكن يرى الأشياء كما هي، بل كما كانت هي تراها.
الآن
كل شيء فقد لونه، الجدران، الضوء، حتى يده التي تمسك يدها بدت غريبة عنه!!

ابتسم…
ابتسامةً كسيرة، لم يُدرِ أهي فرحٌ بأنها ارتاحت، أم حنينٌ إلى ما لن يعود.
ضحك بلا صوت
كانت ضحكاته تشبه بكاءً متخفّيًا،
ضحكاتِ من يعرف أن كل ما في الدنيا هباء... عبث.

أغمض عينيه لحظة، ورأى وجهها بين الضوء والظلام.
تدعوه أن يتماسك، أن يتذكّر كيف كانت تضحك حتى في لحظات الألم.

مدّ يده إلى شعرها، كأنما يودّ أن يستعيد منها نسمةً من الماضي.
قال بصوتٍ لا يسمعه أحد:
"لقد كنتِ الحياة … وأنا الآن ظلّها."

في عينيه بحرٌ كامل،
وفي ضحكته المعلقة على شفتيه مزيجٌ غريب من الشجن والسكينة،
كأن قلبه تعلّم كيف يبكي وهو يبتسم، وكيف يضحك وهو يحتضر.

خرج من الغرفة متمايلًا،
لم يودّع أحدًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى