حيدر الناصري - أطباق الحنظل...

" كنت أنفجر بالدموع، وأبكي مثل الكلاب " _مارغو فولك_



فوق هامة بيت عريسها الستينيّ، أضاءت بنادق الرجال المبتهجين سماء القرية المنطفئة، كان الرصاص أشبه بشهب تطارد مَرَدةً؛ كي لا تسترق السمع لخطى (حياة) ذات الوجه المريميّ والجسد النحيل، وهي تعبر سياجا خفيضا، بقلب خافق سمعته كائنات الليل من حولها، قاصدة محطّة القطار، متأبّطة صرّة صغيرة.

كان حلم أبيها، أن تمسح هذه الزيجة عن وجهه آثار العوز والحرمان، وأطباقَ الجوع اليوميّ تستحيل إلى هشيم. أما أخوتها فكانت سرائرهم تشي بأمنية يتيمة؛ أن ترفع هاماتهم المنكّسة بين رؤوس الرجال.

أُمّها المنكودة أطبقت عليها النوائب، كما يطبق حجرا الرحى على قبضة قمح ناعمة. ندبت حظّها واستجارت أن تصل ابنتها سالمة إلى عمّتها: عمّتها (الآبقة الكبرى).

اجتازت البساتين الشاسعة، وقناطر الجذوع وبعض البيوت المتناثرة على طول الطريق، دون توقف؛ فمناجل أخوتها المتطلّعة لحزّ أوداجها تترآى لها، حتى وصلت المحطّة.... بانت المحطّة بأضويتها الكبيرة، كأنها سفينة النجاة، لم يكن هناك غير شرطيّ غافٍ على إحدى المصاطب، وقاطع التذاكر يتطلّع في وجوه الداخلين، وبعض خفافيش تصطاد فوق هامات الأعمدة.

دخلت مرعوبة، قطعت تذكرتها ونقلت خطاها إلى شفير السكّة، عيناها الحذرتين توزّعتا بين مدخل المحطّة، ونهايات قضبان السكّة، المتوارية خلف ستائر الظلام.

قدم القطار يضرب بأنواره العشب الغافي، ووجوه حيوانات الليل الفزعة. عيناه رغم كبرهما وأنوارهما اللتين تفضحان كلّ مستور، كانتا أليفتين بالنسبة لها، دون كلّ العيون الصغيرة التي تسعى خلفها.

راكبو القطار كانوا جنودا، فالبلاد مرجل يغلي، ونذر الحرب تلوح في سمائها.

تطلّعت من النافذة، البرد رسم غلالة على الزجاج. صخب المسافرين ولغط الباعة المتجولون بين القاطرات وشبق الجنود المرتسم في عيونهم المتّسعة، لم يحجب مخيلتها عن إعادة شريط فيلم الليلة العصيبة، كان ماثلا أمام أنظارها الشريدة.

دفع الفضول إحدى النسوة شاركتها المقعد، للسؤال عن وجودها وحدها، كون القطار لا يليق بشابة بعمرها؛ لم تنظر إليها، تجاهلتها كما يتجاهل الهدير المنفلت، هدوء الليل وسكينة البيوت النائمة.

خفّت الفوضى، نام من نام وبقي من لم يتم حديثه. حديث القطارات لا يتجاوز الهمّ اليومي، وما تمر به البلاد، فالبلاد كانت وما تزال تشبه قطارا لا يهدأ، كلما ترك محطّة حربٍ، استقرّ في أخرى، مخلّفا على كلّ أرض يجتازها قتلى، يلفّ نعوشهم علم تتوسّطه كلمتان، تشبهان صرخة أمّ ثكّلى.

ترجّل الجنود من القاطرات نحو المخرج، بانتظار بوابات الحرب الكبرى، التي لا يخرج منها إلا ذو حظٍّ عظيم...ومَن يخرج منها، فروحه لن تكون بأقلّ من تلك الأجساد الممزّقة، المتروكة في الأرض الحرام!

على مهل خطَتْ (حياة) أرضيّة المحطّة، تطلعت في الوجوه...على إحدى المصاطب كانت امرأة بانتظارها، ما أن رأتها حتى أقبلت عليها، ضمّتها وقبلتها:

- أنا عمّتك يا(حياة) لا تخافي أنتِ في مأمن الآن...

بيت العمّة جميل، ذكّرها ببيت عريسها، هذا ما اعتمل في سرّها. عمّتها انسابت منها قصص وذكريات عن طفولتها، وعن القرية ونسائها وعن أخيها وهروبها منه، قالت لها والغصّة تملأ فمها:

- جشع غليظ القلب قاسٍ، لا مانع عنده أن يبيعنا بأبخس الأثمان... المهم ارتاحي الآن، وابعدي عنك المخاوف، نحن الآن بحماية سيّد القصر، أنتِ جميلة ومتعلّمة، سأجد لك وظيفة، تليق بهذا الوجه الملائكيّ.

بعدها غطت (حياة) في نومها، كأنها لم تنم منذ ليالٍ.

بعد أيام خفّت هواجسها، وبدأت تعتاد على البيت، حنّت في تلك اللحظة من الضعف لرؤية أمّها. عمّتها حذّرتها:

- لا يعرف أحد كيف وصلتي إلى هنا، لو عرفوا بأن أمّكِ هي من أعطتك العنوان، لا تتصوّري بأنها ستكون في مأمن من القتل، انسي أن لك في تلك الأرض أهل، هذا أسلم لك ولها، سينسونك كما نسوني بالأمس البعيد.

أردفت:

- ساسطحبك معي غدا، أحضرت لك ثيابا تليق بك، شعرك سأصفّفه صباحا، نامي وسيكون لنا حديث آخر.

مرّت الليلة العصيبة على (حياة) كما مرّت من قبل ليالي: الجوع، والعرس المشؤوم، والفرار.

أسفر الصبح، تأنّقتا وتوجّهتا إلى القصر، ألقى عليهما حارس البوّابة التحية:

- هذه هي حياة؟

ردّت عمّتها:

- نعم، هي صارت من موظّفي القصر.

ردّ الحارس:

- تهانينا لها ولك، ستنعم بحياة رغيدة.

توجّهت العمّة، وتبعتها (حياة) إلى مسؤول القصر:

- وظيفتك جاهزة وبانتظارك.

تركت العمّة (حياة) بيد المسؤول:

- اتبعيني، ستلتقين بسيّد القصر.

دخلا الباب ومنه إلى قاعة كبيرة، تملأ جدرانها صور مختلفة لشخص واحد، ولوحة كبيرة لقافلة صيّادين على الجمال، يحملون بنادق، تنقضّ عليهم مجموعة من الأسود، وعلى رخام أرضية القاعة، شخص تمثال صغيرة لثور مجنّح وأحصنة فحميّة اللون، تضرب بحوافرها الأرض.

توجّها صوب الغرفة، بابها كان موشّى بالزخارف، ومرصّع برقوق الذهب والعاج.

دخلا الغرفة كانت جميلة وفخمة، المكتب جلس خلفه شخص ذو ملامح قاسية يرتدي زيّا عسكريّا، قدّمها المسؤول، نظر لها سيّد القصر نظرةً واحدة فاحصة، ومن دون مبالاة أومأ لهما بالانصراف.

دبّ في روع (حياة) الخوف، قد تكون فحوى المقابلة هي الرفض، لكن المسؤول طمئنها:

- أنتِ الآن من أهل القصر، اذهبي إلى المطبخ، هناك ستكون وظيفتك.

فرَّ قلب (حياة) لهذه الوظيفة، لا أحد يرفض عرضا كهذا، مطبخ سيّد القصر!، مؤكد أنّ هناك عشرات الأطباق الشهية، قالت وهي مستبشرة:

- انتهى عصر الجوع والخوف معا.

غمرتها بهجة، لم تغمرها طيلة حياتها، تذكرت مطبخها الفارغ، والليالي التي تنام وهي تتلوى من جوع، وأصوات بطنها الخاوية الذي لا تُحتمل، كان الخبز والشاي زبونين دائمين على المائدة... كم تمنّت أن تشاركها أمّها هذه اللحظة، لكن زمانا انتهى، وجاء آخر محمّلا بكل جديد ولذيذ.

المطبخ كان بحجم دار صغيرة:

ثلاث طُهاة يرتدون المآزر، خمس نساء تعدّ وتهيّأ لوازم الأكلات، قدور كثيرة بأحجام مختلفة، رفوف تكتظّ بعلب من الصفيح والزجاج، طاولة كبيرة تستقر على وجهها سلال الفواكه والخضار والخبر والإوز المذبوح والأسماك. قطع لحم معلّقة بخطاطيف.

لم تفهم حياة وظيفتها بعد، كانت تُمنّي نفسها بأن تكون طبّاخة ماهرة، وسط هذا الجو المشحون بأصناف الأطباق ورائحة التوابل.

مسؤولة المطبخ، أخذتها إلى غرفة صغيرة ملتصقة بجدار المطبخ الغرفة عبارة عن طاولة صغيرة تحفّها بضع كراسٍ.

قالت لها اجلسي ريثما ننتهي، تصفّحي هذه الكتب والمجلات، إنها من أرقى المطابخ العالميّة.

انتصف النهار و(حياة) لا تعرف ما يجري، قلّبت المجلات والكتب، قرأت تركيبات الأطباق المشهورة، وتعرّفت على ألمع الطبّاخين، وأشهر مطاعم العالم وروّادها من المشاهير، حتى أكلات الرؤساء -غريبها وعجيبها.... أصابها الغثيان حين قرأت أن أحد الرؤساء مولع بطبق مفضّل: " البوشينتنغ "، وآخر طبقه المفضّل: أكل الديدان المجفّفة.

أما سيّد القصر، فكانت تستهويه:

الأسماك ولحوم البقر والعجل والفواكه والزيتون، أما حلواه فكانت: شكولاتة "باونتي"، وشرابه: ويسكي "أولد بار"، والنبيذ البرتغالي "الماتيوس روزيه".

قُدّمت الأطباق أخيرا أمام (حياة)، عشرة صحون صغيرة، موزّعة بين أكلات وحساء وحلويات، وملعقة واحدة.

رئيس الخدم، بنبرة آمرة:

- جاء دورك، تذوّقي كلّ صحنٍ منها، علينا أن نقدّمها بعد ساعة.

بين استغرابها وانبهارها، قالت لنفسها:

- أتذوّق أكل سيّد القصر!

بعد حيرة تناقلت ملعقتها في بطون الصحون، كانت شهية ولذيذة.

مرّت ساعة، على جلوسها حول الطاولة الصغيرة، بعدها أمر رئيس الخدم أن ينقل الخدم الأكل الموجود في المطبخ إلى غرفة سيّد القصر.

ضاعف هذا الأمر من حيرة (حياة)، قالت في سرّها ربّما هي طريقة حياة من يعيشون في القصور.

تكرّر المشهد في الليل، تذوّقت الأطباق دون أيّ استغراب، بعدها أخذتها عمّتها، وعادتا إلى البيت، لمحت العمّة البهجة ونظارة الخدّين والابتسامة على وجه (حياة). ليس هذا هو وجه (الآبقة الصغرى) منذ أيام!

ابتدرتها عمّتها عن تفاصيل يومها، وكيف سارت الأمور في المطبخ، روت (حياة) لعمّتها ما حصل، قالت لها عمّتها:

- أتعرفين ماهي وظيفتك؟

ردت حياة بفرح غامر:

- الأكل طبعا!

- لا يا(حياة)، أنت متذوّقة سيّد القصر.

- متذوقة!؟

- انتبهي ولا تستعجلي، عليك أن تكوني شجاعة، لا سبيل للتراجع، تعرفين إنك معي في نفس القارب، لو رفضتي أين يا ترى سيحل بك المقام؟

-عمتي أخبريني، لم أعد أحتمل.

- نعم، عليك تجريب الأكل قبل أن يقدّم لسيّد القصر، إن كان مسموما، سيكون لسانك أول من يسري عليه طعم الموت.

أجهشت (حياة) بالبكاء، لطمت خدّها ونتفت خصل من شعرها، وصرخت مرّات بقسوة:

يا لحظي التعس، من رجل ستينيّ وإخوة متلهّفين لنحر رقبتي، إلى أطباق الموت!

- هذا قرار لا عودة منه يا (حياة)، كوني عاقلة، الأعمار بيد خالقها، لا أحد يموت قبل يومه، كلّنا سنموت في ساعتنا المحددة، ألم تري الموت قبل قدومك إليّ، ثقي إنك في مأمن منه الآن، أنا معك، طريقك التي سرتِ به اليوم لا رجعة منه، إلا بموت ثان وثالث. ارتاحي ونامي سيكون غدا أفضل، لا تتصوّري إني سأجلب لك الموت، الموت تركناه هناك في القرية، عيشي أيامك، لا تخدعك الأوهام والوساويس.

هي ليست مهنة!، انتحارٌ يتجدد مع كلّ وجبة!، لعبة مع الموت، تضارع لعبة الأكواب الثلاثة المخادعة:

يُخبّىءُ الموت في إحداها، وعليها ألا تجده؛ كي تربح الرهان.

ليالي أخرى أضافتها (حياة) لقائمة الليالي السوداء الطويلة التي عاشتها.

أعطتها عمّتها مهدّأ غاصت بعدها في نوم عميق، لم تنهض ألا على وخز أنامل عمّتها، تستحثّها على النهوض.

كان الموت بالنسبة لـ (حياة) ثلاث وجبات في اليوم، وبعض الأيام يتجاوز الخمس، حنّت لأبريق الشاي ولخبز أمّها من تنّورها الطيني... طعم الجوع كان ألذّ من كلّ أكلات مطبخ القصر.

عقرب الساعة الذي يمرّ كان كمشرطٍ يتلهّف لفتح قناة في حنجرتها، كانت تنتظر ملك الموت مع كلّ رشفة حساء، مع كلّ قضمه تتخطى مريئها.

كانت كالمحكوم بالإعدام لا يعرف متى يختلّ توازن الكرسيّ؛ فيتأرجح في فضاء الموت.

كل ليلة كانت وسادتها رطبة، تمّنت أن يكون الموت في أحد الأطباق؛ لتنهي بذلك عذاباتها، تمنّت خناجر أخوتها، تمنّت أن تكون الآن تحت جسد عريسها الستينيّ، تمّنت أن تضع يد القدر حلّا، لكل ما ينهمر عليها من وابل المحن والمصائب.

مرّت ستة أشهر، (حياة) مغمضة العينين ساهية، جسد ذابل يتحرك، نُزع منه فتيل الروح، عمّتها أشفقت عليها، لم ترد أن تشاهد انهيارها، كانت ورقة (حياة) الرابحة: الجلد والثبات، طوق نجاتها الوحيد: أن تتذوق الموت كلّ مرّة، حتى يفقد لسانها طعمه، حين يجيء موعده.

الجنود الذين استقلوا قطار الأمس معها، مندفعين صوب الأهوال والأخطار، ولهيب المعارك غير المتكافئة، لم يرجع منهم أحد؛ فعادت العربات فارغة، القصر هوى، والرعب ملأ وجوه ساكنيه، سيّد القصر فرّ في الليلة الفائتة ولم يُعرف مصيره.

صباحا اجتاحت الناس بوابات القصر، (حياة) وعمّتها غادرتا على عجل.

(حياة) نزعت ثوب الموت إلى الأبد في ظنّها، ألقت نظرة أخيرة على المكان الذي طاله النهب والنيران، تنفّست بقوّة، قالت لعمّتها:

حياة أخرى كُتبت لنا، لا نعرف كيف ستؤول الأمور.

طالت الفوضى البلاد، ولبثت (حياة) وعمّتها خائفتين في البيت، في هاجسهما أن يأتي من يحسبهما على زُمرة القصر....

شيئا فشيئا تغيّرت أحوال البلد، والهدوء سرى في أوداج الأزقّة والشوارع والساحات، (حياة) حقّقت أمنيتها (طبّاخة) للوجبات الجاهزة، فصار لها زبائن يتوافدون على البيت.

عمّتها بعد سعي مضنٍ وجدت عملا لها في أحد بيوت السادة الجدد.

كان الليل طاولة اللقاء، يتناوبان حولها إعادة أشرطة عتيقة: مُرّة وبهيجة وكئيبة ومرعبة، بعدها يفرّق بينهما النوم العميق والعمل.

في تلك الليلة نضب الكلام، راحت كل واحدة تفتّش عن ذاتها في خبايا نفسها وبين ركام تفاصيل الأيام، هذا السكون لم يدم طويلا، قضّته جلبةٌ في ركن المطبخ، لم تهدأ إلا حين امتزجت الدماء، مع شظايا الصحون.


_________________
*مارغو فولك: ألمانيّة، واحدة من بين 15 فتاة كانت وظيفتها: تذوّق الأكل قبل أن يقدّم للزعيم النازيّ (أدولف هتلر)، عُدّت وظيفتها من أخطر الوظائف.

* "البوشينتنغ": حساء لحم الكلاب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى