بهاء المري - وَطَنٌ أَضَعْتُهُ فِيكِ(*)...

"أحيانًا نُقيمُ فيمَن نُحبُّ كما يُقيمُ الغريبُ في نُزُلٍ مؤقَّتٍ... يَغادِرُهُ ‏وهو يحمِلُ معهُ شُعاعَ نافذةٍ لا بَيتًا."‏


‏(١) الـمَرفأُ الذي غاب:‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أويتُ إليكِ كما تأوي الأرواحُ إلى أصلها
باحثًا عن دِفءِ المَعنى في جَسدٍ من رحمةٍ ونور.‏
ظَننتُكِ وطني، لا لأنكِ كنتِ الأرض
بل لأنّكِ كنتِ الأمان الذي تَشتاقهُ الروحُ حين تَتعبُ من التِرحال.‏
كنتِ وعدًا من مَطرٍٍ نازلٍ على صَحرائي
فإذا بكِ ريحٌ تَذري ما تَبقَّى من بذور الحنين.‏
كنتِ مَرفأً انتظرتُهُ عُمرًا
فإذا بالمرفأ يرحلُ عن البحر
ويتركني أُجَدِّفُ في الفراغ بلا جهةٍ ولا نداء.‏
‏(٢) حين صار الحُبُّ قيدًا:‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن غَيرتُكِ حبًّا
كانت قيدًا مَطليًّا بالحنان
وكان دفءُ حضوركِ غِطاءً يُخفي تحتَه سِكِّينَ الأسئلة.‏
جَلدتِ صمتي بتأويلاتِكِ
وحَكمتِ على براءتي بمنطق الخوف
ورَجمتِ ظِلِّي لأنكِ عَجزتِ عن احتضان الضوءِ فيه.‏
حاولتُ أن أتماسَك
أن أُخفي الحريقَ خلف وجهٍ هادئٍ كالمساء
لكنَّ النارَ كانت تَتنفُّس في كل نبضة
وكان الرمادُ يَفضحُ احتراقي بِصَمتهِ الثقيل.‏
‏(٣) غُربتان:‏
ــــــــــــــــــــــــ
صوتُكِ الذي كان يُشبه المطر
أصبح كصدًى بعيدٍ يجرَحُ السكون.‏
وصِرتُ أمشي فيكِ على أطراف الحذَر
أتحسَّسُ ألغامَ شُكوككِ كمَن يمشي في حقلٍٍ من الوداع.‏
يا امرأةً كنتُ أراها خَلاصًا… فإذا بها سَجني.‏
يا وطنًا كنتُ أظنُّه الأمان… فإذا به المنفَى.‏
ما أقسَى أن يُحبَّ المرءُ من يُكَبّلهُ بالحب
وما أوجعَ أن يُصبحَ القلبُ ساحةَ حربٍ بين الشوقِ والخوف.‏
‏(٤) الغريبُ في الهوامش:‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتحتُ لكِ قلبي كتابًا لا يُعرفُ السِرَّ إلا في سطوره‏
لكنّكِ قرأتِ الحروفَ وضيَّعتِ المعنى.‏
سكنتِ الهوامشَ، ولم ترَيْ في النصِّ سوى ظلّكِ
فصرتُ غريبًا فيكِ... وغريبًا عنكِ...‏
بل غريبًا عن نفسي أيضًا.‏
غريبًا لأنّي ما زلتُ أحبُّكِ
رغم أنّي أدركتُ أنّكِ لم تكوني الوطن
بل كنتِ الرحيلَ الذي أكتبهُ كلّ مساء
وأختمهُ بدمعةٍ تقول:‏
ما زلتُ أبحثُ عن وطنٍ يُشبهكِ... ولا يُشبهكِ.‏
‏(٥) النورُ في آخر الوجع:‏
__________________
لكنِّي - بعد أن هدأ الصخَبُ في قلبي -‏
أدركتُ شيئًا لم أُدركه من قبل:‏
أنَّ الحبَّ لا يُقيم في الآخَر
بل في قدرتنا على أن نرى ذَواتنا من خلالِه.‏
وأنَّ الخَيبةَ ليست نهايةً
بل بدايةُ بصيرةٍ جديدةٍ تُولدُ من رَماد الحنين.‏
تَعلَّمتُ أنَّ بعضَ الأوطان تُخلقُ من وجَع
وأنَّ الرحيلَ أحيانًا هو الطريقُ الوحيدُ للبقاء.‏
لم أعد أبحثُ عن وطنٍٍ في وجهٍ أو حِضنٍ
بل صِرتُ أحملُ وطني في داخلي
في هَدأةِ قلبي حين أسامِح
وفي ضَوءِ عَينيَّ حين أرى الجمالَ رغم العَتمة.‏
أنتِ لم تكوني النهاية
كنتِ الدرسَ الذي فتح لي أبوابَ النُضج
والجُرحَ الذي دلَّني على مَوضع النور فيَّ.‏
فها أنا ذا - بعد أن عبَرتُكِ -‏
أكتُبكِ بلا مَرارةٍ، وأذكرُكِ بلا خَوف
وأُدركُ أنَّ أجملَ ما في الحبِّ ليس امتلاكَه
بل تحوُّلُه فينا إلى حنينٍ ناضجٍٍ يُشبه الحَكمة.‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) فَيضُ الخاطر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى