حتى تلك الظهيرة، لم يكن هناك ما يدفعه للتفكير أن هناك أية شائبة في نصيحة (أبي كمال) التي لقنها إياه وهو في بواكير انخراطه في هذا الدرب، الذي وإن كان قد دخله مضطرا، ولكن يبدو أنه يتحول شيئًا فشيئًا إلى أسلوب حياة لا فكاك منه
- ولدي، عليك بالمستشفيات، فهي ضالتك، خاصة بوابة ردهة الطوارىء، فهي ملائمة جدًا لشخص بإمكانياتك ومهارتك.
- ولم هذا الكلام عمي (أبا كمال) العزيز، ما القصور الذي يعتري مهارتي؟
- ليس هذا ما أقصده يا ولدي، أنت جديد على هذا العمل، ولا تملك المرونة وخفة اليد والنظرة الثاقبة واللماحية وسرعة البديهة التي تساعدك على السير وأنت مغمض العينين في هذا الطريق.. أرجو أن لا يسؤوك هذا، كلنا احتجنا للكثير من التدريب لنصل إلى ما نحن عليه الآن.
بامتعاض خفيف:
- ولماذا بوابة الطوارىء بالذات؟
- سؤال جيد..
معتدلًا، وبعد سكنة لطيفة:
- في مدخل الطوارىء يكون الناس في حال انشغال كامل عما يدور حولهم، مشتتين، مذهولين، في حالة تسابق مع القدر لإنقاذ المصاب الذي غالبا ما يكون من المقربين، فلن يكون من الصعب سلبهم ما يملكون.. ولا تنس أنهم بالتأكيد سيحملون ما يقدرون عليه من المال تحسبا لأي طارىء.
رحمك الله يا (أبا كمال) كأنك قد زرعتني في هذا المكان ورحلت..
همسها لنفسه وهو يتذكر هذا الحديث عندما كان ينظر بعين الصقر إلى مدخل الحالات الطارئة في مستشفى (الشفاء) بعد سنوات من هذا الحديث.
لم يكن جديدًا على هذا المكان، فهو واحد من عدة أماكن يتناوب التواجد عندها كل بضعة أيام منعا للشكوك، وسبق أن مارس (غزواته) هنا في هذا المستشفى بالذات، وهو يعرف المداخل والمخارج جيدا، وقد سبق له أن اقتنص الكثير من باب ردهة الطوارىء.
بطبعه، لم يكن عجولًا، ولا يسرف في استباق طريدته، ولا يقتنص أنصاف الفرص، ولا يلاحق ظلّ غنيمة كما يقال.. ولكنه اليوم يشعر بشعور مختلف، نوع من الانقباض أو الانتباهة الداخلية، لا يعرف له اسمًا، لكنه يشبه ما قد يكون حدسًا أن هناك شيئًا ما على وشك أن يحدث..
سيطر عليه هذا الإحساس في ظهيرة ذلك اليوم، حين كانت الشمس تصبّ غضبها على الإسفلت موشكة أن تحيله سائلًا مغليًا، وقد وجد نفسه واقفًا عند زاوية الشارع، يتأمل المقعد الحجري القريب من عربة العصير في الجهة المقابلة للمستشفى، بعينين نصف مغمضتين، ويدين غائرتين في جيبي بنطاله الخفيف.
بعينيه المدربتين على التقاط تفاصيل الغرباء، رأى في ذلك التردد الطويل بأصابع الرجل الأشيب الأنيق وهو يكتب رسائله على هاتفه الثمين، شيءٌ من الشرود الموجع الذي قد يكون فرصته في إنهاء يومه على أحسن ما يكون.
لم يكن الرجل - الضحية، الجالس على المقعد تحت ظل الشجرة الوحيدة في المكان وبجانبه قدح عصير لم يمس، ممن يشبهون الناس هنا، لا بطريقة ارتداء ملابسه، ولا بهدوء بتلك الرجفة الخفيفة في يده وهو ينقر على شاشة الهاتف، والأهم.. بذاك الحزن الذي كان يشرنقه من جميع الجهات.. كان يبدو عليه أنه قد كتب شيئًا، ثم قرأه، مسحه، بعدها أعاد كتابته.. وهو ما يحصل عادة عندما نضطر إلى مكابدة مشقة نقل الأخبار السيئة..
أثار الهاتف اهتمامه، فهو قد يغنيه عن العمل لأيام، وقد يكون هذا ما جعله يركز بصره على الضحية بينما كان يتحرك بتثاقل في عدة اتجاهات لتشتيت أي تساؤل عن مغزى وقوفه الطويل في هذا المكان بالذات في تلك الظهيرة الخانقة..
حاول مقاومة إغراء الشرود والحيرة اللذين يبدوان على الرجل وهو يضع هاتفه على المقعد قرب كأس العصير، فبخبرته، عرف أن الأمر صعب جدًا في هذا الموقع المكشوف تمامًا.
ولكن.. ومن حيث لا يحتسب، جاءت النجدة من خلال صرخة قصيرة من طرف الشارع.. على مسافة خطوتين من المقعد، سقط طفل صغير، لا يتجاوز الثالثة، من ذراع أمه وهي تعبُربه الشارع، ليختلط الصراخ بالبكاء والذعر.
نهض الرجل ملتفتًا نحو المشهد، بكامل جسده وشتاته، وارتباكه، في هنيهة كانت أكثر من كافية لسالم للانقضاض بهدوء وخفة صوب فريسته، والتقاط الهاتف، والسير بعيدا... دون أن يلتفت.
***
في الغرفة الخلفية، ذات الجدار المتآكل والسقف المعدني، جلس سالم على الأرض، أخرج الهاتف من جيبه، مقلبًا إياه ومتطلعًا إليه كما يتطلّع طفل إلى قطعة حلوى مغلّفة لا يعرف كيف يفتحها.. فهذه أول مرة يضع يده على هاتف ثمين كالذي بين يديه
ضغط زر التشغيل.
أضاءت الشاشة.
الغريب أنها لم تطلب رمز القفل.
- هل بقي هناك من لا يضع رمز القفل.. يبدو أن هذا الرجل بلا أسرار..
همسها لنفسه وهو يمرر أصبعه على الشاشة.
إشعارات كثيرة وجدها على شاشة الجهاز.. أغلبها اتصالات من جهات متعددة.. ورسائل بين الوعد والوعيد تدعوه لإعادة الهاتف.
أخرج الشريحة ووضعها جانبًا، ولكن حتى مع عدم معرفته بتقنيات الجهاز استنتج أنه قد يحوي ما يمكن أن يدل عليه
- سأبيعه لـ (حميد).. هو من يعرف كيف يتعامل مع هذه الأجهزة، وأن كان سيبخسني الثمن كالعادة
حاول أن يغلق الجهاز تمهيدًا لإعادة تهيئته، لكن إشعارًا ظهر فجأة على الشاشة:
(تمّت مزامنة 12 صورة جديدة إلى السحابة).
ضغط عليه بلا طول تفكير.
وإذا بالتطبيق يفتح نافذة مصغّرة تعرض الصور الأخيرة التي تمت مزامنتها.
صور غير مألوفة، لا تُشبه صور أي أحد.
كانت طفلة.
صغيرة، نحيلة، بشحوب واضح، وعينين واسعتين غائرتين، تبدو وكأنها بالكاد تُمسك بالكاميرا.
- رباه.. كم تشبه (مريم)
بعض الصور كانت لها وهي تضحك، وأخرى وهي تزم شفتيها بطريقة مرحة، ولكن كان هناك العديد من الصور لها وهي نائمة على سرير أبيض، وجسدها موصول بأنابيب رقيقة إلى جهاز أو أكثر موضوعات إلى جانبها.
ثم هناك أيقونة لمقطع صوري
ضغط.
الفتاة نفسها، ولكنها اكثر شحوبًا، تضع وشاحًا على رأسها لم يحسن إخفاء تساقط شعرها
خرج الصوت...
هشًّا، متقطّعًا، يتنفس بصعوبة:
- (بابا... لا تنسَ أن تحضر لي معك كتابي المصور.. قصة شمس والوردة، تجده في المكتبة محشورًا وسط كتبك الكبيرة، أحب أن أقرأ به قليلًا قبل أن أنام...)
سقط الهاتف من يده.. بل سقط شيء ما داخله إلى نقطة أعمق بكثير، شيء لا يمكن جمع حطامه مرة أخرى مهما حاول.
جلس مطرقًا ينظر إلى الأرض.. والهاتف قربه كأنه شاهد قبر..
ترقرقت عيناه بالدموع، وحلق بأجنحة الذكريات إلى هناك، إلى وادي السلام، حيث ترقد شقيقته الصغرى في نومتها لا الأبدية.
تذكر أيامها الأخيرة في المستشفى وهي ترقد على سريرها وبنفس تلك العيون الغائرة..
- يا الله.. كم تشبه (مريم)
مرت على خياله صور ساعاتها الأخيرة، وهي تحاول اصطناع شبح ابتسامة أمامه لتخفف عنه شعوره بالعجز عن مواساتها، تذكر حيرته وعجزه أمام جبروت " ذلك المرض" الذي أنهك روحها وأحالها إلى صورة باهتة لتلك الفتاة الجميلة الضاجة بالحياة..
مرّت دقائق، أو ساعات، لا يعرف.
تحوّلت الغنيمة إلى عبء ثقيل يفتض طمأنينته..
يجب أن أبيعه.. قال لنفسه، لوكان الرجل بحاجة الهاتف لما نسيه على الكرسي بكل هذه السهولة، لقد وجدته، وأنا أحق به.. فالحياة لا تعيد الهدايا.
لكنه... لم يستطع أن ينس ذلك الصوت المتحشرج.
لم يستطع أن يمحو صورة ذلك الوجه الشاحب
لم يستطع أن يتخلّ عن نظرة الطفلة، وكأنها تقول له:
- (أرجوك.. لا تدعني أموت قبل أن أحصل على كتابي، فقد يكون آخر أمنية لي)
كم من الأماني كنت أراها في عينيك يا (مريم) وأنا عاجز عن أروي قلبك ببعضها، حتى الحلوى التي كنت أجلبها معي كنت أسرقها لك من دكان (أبي مشتاق) في رأس الشارع
يعرف أن مرور الكثير من الوقت ليس في صالحه، ورغم ذلك لم يستطع أن يحدد الخطوة التي عليه أن يقوم بها، أحس أنه عاجز تماما عن أن يتخذ قرارًا،
مدّ يده إليه، ثم سحبها.. كرر الأمر عدة مرات
قال لنفسه:
- قد تفيدني النقود في شراء علاج المفاصل لوالدتي، أو يمكنني أن أدفع لـ (ستار) صاحب المولدة وأتحرر من القاءه الكلام لي في الغدو والآصال.. أو يمكن أن أشتري سريراً مستعملاَ بدل النوم على الأرض.
كان يقلب الأمور في ذهنه مرارًا وتكرارًا، لكن الصوت الوحيد الذي بقي في رأسه هو صوت الطفلة...
كأنها هناك، خلف الضوء الأزرق الباهت المنبثق من الشاشة، تنتظر أن يعود لها أبوها بكتابها الأثير.
كان يستطيع بيعه.
وبسهولة.
وفي الحيّ، هناك رجال يعرفون كيف يشترون ولا يسألون.. وأولهم (حميد)
لكنّه كان يعرف أيضًا... أنه لن يقوى على النوم بعدها
- أكيد أن أباها قد تواصل معها.. وعرف مرادها، قد تكون نائمة محتضنة كتابها الآن
لكن عرف أيضا أن شيئًا فيه سيبقى يسأل، إلى الأبد.. ماذا لو قضت نحبها، ولم يعرف الأب
جالت عيناه في غرفته ذات الجدار الأجرد.
البيت ضيّق، وسقف الزنك يقرقع كلما هبت الريح حتى ليظن أنه سيسقط على رأسه
الطعام قليل، والشتاء قادم.
كان يعرف أنه لو باع الهاتف، لن يسأله أحد.
لكنه أحسّ أن الفقر، برغم قسوته، لن يكون مبررا كافيا لمكابدة الشعور بالصغار الذي سيلاحقه
عينا الطفلة في الصورة تُحدّقان فيه بعينيها المطفأتين.
ليستا عينا ميتة.. ولا حتى عينا في صورة.
بل سؤال لا ينتظر منه إجابة، بل يحتاجه لإراحة ضميره
ظلّ جالسًا، يحدّق في الهاتف كأنه قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة
لا يعرف إن كان يجب عليه أن يعيده.
ولا يعرف لمن.
ولا حتى كيف.
لكنه، لأول مرة، شعر أنه محاصر بين جدران متطاولة تكاد تكتم أنفاسه:
جدار الجوع، وجدار الضمير، وجدار آخر لا يعرف له أسما...
هو ذلك الجدار الذي يشرنقه الإنسان حول نفسه حين يجد نفسه مضطرّا لاتخاذ خطىً ما.. يعلم أنه لن يجد القوة في نفسه ليمشيها.
الريح تهبّ في الخارج، والغبار يدقّ على النافذة.. لكنّ الصراع الحقيقي كان مستعرا داخل نفسه.
ثم، كأن هناك أحداَ آخر في داخله نهض فجأة، التقط الهاتف ولفّه بقميص قديم، أخفاه في الدولاب، وخرج.
إلى أين؟
هل ليبيعه؟
هل ليعيده؟
لا يدري.
جمال الهنداوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المجموعة القصصية: (حب.. وحمص.. وثالثهما نيتشة)
قصص
- ولدي، عليك بالمستشفيات، فهي ضالتك، خاصة بوابة ردهة الطوارىء، فهي ملائمة جدًا لشخص بإمكانياتك ومهارتك.
- ولم هذا الكلام عمي (أبا كمال) العزيز، ما القصور الذي يعتري مهارتي؟
- ليس هذا ما أقصده يا ولدي، أنت جديد على هذا العمل، ولا تملك المرونة وخفة اليد والنظرة الثاقبة واللماحية وسرعة البديهة التي تساعدك على السير وأنت مغمض العينين في هذا الطريق.. أرجو أن لا يسؤوك هذا، كلنا احتجنا للكثير من التدريب لنصل إلى ما نحن عليه الآن.
بامتعاض خفيف:
- ولماذا بوابة الطوارىء بالذات؟
- سؤال جيد..
معتدلًا، وبعد سكنة لطيفة:
- في مدخل الطوارىء يكون الناس في حال انشغال كامل عما يدور حولهم، مشتتين، مذهولين، في حالة تسابق مع القدر لإنقاذ المصاب الذي غالبا ما يكون من المقربين، فلن يكون من الصعب سلبهم ما يملكون.. ولا تنس أنهم بالتأكيد سيحملون ما يقدرون عليه من المال تحسبا لأي طارىء.
رحمك الله يا (أبا كمال) كأنك قد زرعتني في هذا المكان ورحلت..
همسها لنفسه وهو يتذكر هذا الحديث عندما كان ينظر بعين الصقر إلى مدخل الحالات الطارئة في مستشفى (الشفاء) بعد سنوات من هذا الحديث.
لم يكن جديدًا على هذا المكان، فهو واحد من عدة أماكن يتناوب التواجد عندها كل بضعة أيام منعا للشكوك، وسبق أن مارس (غزواته) هنا في هذا المستشفى بالذات، وهو يعرف المداخل والمخارج جيدا، وقد سبق له أن اقتنص الكثير من باب ردهة الطوارىء.
بطبعه، لم يكن عجولًا، ولا يسرف في استباق طريدته، ولا يقتنص أنصاف الفرص، ولا يلاحق ظلّ غنيمة كما يقال.. ولكنه اليوم يشعر بشعور مختلف، نوع من الانقباض أو الانتباهة الداخلية، لا يعرف له اسمًا، لكنه يشبه ما قد يكون حدسًا أن هناك شيئًا ما على وشك أن يحدث..
سيطر عليه هذا الإحساس في ظهيرة ذلك اليوم، حين كانت الشمس تصبّ غضبها على الإسفلت موشكة أن تحيله سائلًا مغليًا، وقد وجد نفسه واقفًا عند زاوية الشارع، يتأمل المقعد الحجري القريب من عربة العصير في الجهة المقابلة للمستشفى، بعينين نصف مغمضتين، ويدين غائرتين في جيبي بنطاله الخفيف.
بعينيه المدربتين على التقاط تفاصيل الغرباء، رأى في ذلك التردد الطويل بأصابع الرجل الأشيب الأنيق وهو يكتب رسائله على هاتفه الثمين، شيءٌ من الشرود الموجع الذي قد يكون فرصته في إنهاء يومه على أحسن ما يكون.
لم يكن الرجل - الضحية، الجالس على المقعد تحت ظل الشجرة الوحيدة في المكان وبجانبه قدح عصير لم يمس، ممن يشبهون الناس هنا، لا بطريقة ارتداء ملابسه، ولا بهدوء بتلك الرجفة الخفيفة في يده وهو ينقر على شاشة الهاتف، والأهم.. بذاك الحزن الذي كان يشرنقه من جميع الجهات.. كان يبدو عليه أنه قد كتب شيئًا، ثم قرأه، مسحه، بعدها أعاد كتابته.. وهو ما يحصل عادة عندما نضطر إلى مكابدة مشقة نقل الأخبار السيئة..
أثار الهاتف اهتمامه، فهو قد يغنيه عن العمل لأيام، وقد يكون هذا ما جعله يركز بصره على الضحية بينما كان يتحرك بتثاقل في عدة اتجاهات لتشتيت أي تساؤل عن مغزى وقوفه الطويل في هذا المكان بالذات في تلك الظهيرة الخانقة..
حاول مقاومة إغراء الشرود والحيرة اللذين يبدوان على الرجل وهو يضع هاتفه على المقعد قرب كأس العصير، فبخبرته، عرف أن الأمر صعب جدًا في هذا الموقع المكشوف تمامًا.
ولكن.. ومن حيث لا يحتسب، جاءت النجدة من خلال صرخة قصيرة من طرف الشارع.. على مسافة خطوتين من المقعد، سقط طفل صغير، لا يتجاوز الثالثة، من ذراع أمه وهي تعبُربه الشارع، ليختلط الصراخ بالبكاء والذعر.
نهض الرجل ملتفتًا نحو المشهد، بكامل جسده وشتاته، وارتباكه، في هنيهة كانت أكثر من كافية لسالم للانقضاض بهدوء وخفة صوب فريسته، والتقاط الهاتف، والسير بعيدا... دون أن يلتفت.
***
في الغرفة الخلفية، ذات الجدار المتآكل والسقف المعدني، جلس سالم على الأرض، أخرج الهاتف من جيبه، مقلبًا إياه ومتطلعًا إليه كما يتطلّع طفل إلى قطعة حلوى مغلّفة لا يعرف كيف يفتحها.. فهذه أول مرة يضع يده على هاتف ثمين كالذي بين يديه
ضغط زر التشغيل.
أضاءت الشاشة.
الغريب أنها لم تطلب رمز القفل.
- هل بقي هناك من لا يضع رمز القفل.. يبدو أن هذا الرجل بلا أسرار..
همسها لنفسه وهو يمرر أصبعه على الشاشة.
إشعارات كثيرة وجدها على شاشة الجهاز.. أغلبها اتصالات من جهات متعددة.. ورسائل بين الوعد والوعيد تدعوه لإعادة الهاتف.
أخرج الشريحة ووضعها جانبًا، ولكن حتى مع عدم معرفته بتقنيات الجهاز استنتج أنه قد يحوي ما يمكن أن يدل عليه
- سأبيعه لـ (حميد).. هو من يعرف كيف يتعامل مع هذه الأجهزة، وأن كان سيبخسني الثمن كالعادة
حاول أن يغلق الجهاز تمهيدًا لإعادة تهيئته، لكن إشعارًا ظهر فجأة على الشاشة:
(تمّت مزامنة 12 صورة جديدة إلى السحابة).
ضغط عليه بلا طول تفكير.
وإذا بالتطبيق يفتح نافذة مصغّرة تعرض الصور الأخيرة التي تمت مزامنتها.
صور غير مألوفة، لا تُشبه صور أي أحد.
كانت طفلة.
صغيرة، نحيلة، بشحوب واضح، وعينين واسعتين غائرتين، تبدو وكأنها بالكاد تُمسك بالكاميرا.
- رباه.. كم تشبه (مريم)
بعض الصور كانت لها وهي تضحك، وأخرى وهي تزم شفتيها بطريقة مرحة، ولكن كان هناك العديد من الصور لها وهي نائمة على سرير أبيض، وجسدها موصول بأنابيب رقيقة إلى جهاز أو أكثر موضوعات إلى جانبها.
ثم هناك أيقونة لمقطع صوري
ضغط.
الفتاة نفسها، ولكنها اكثر شحوبًا، تضع وشاحًا على رأسها لم يحسن إخفاء تساقط شعرها
خرج الصوت...
هشًّا، متقطّعًا، يتنفس بصعوبة:
- (بابا... لا تنسَ أن تحضر لي معك كتابي المصور.. قصة شمس والوردة، تجده في المكتبة محشورًا وسط كتبك الكبيرة، أحب أن أقرأ به قليلًا قبل أن أنام...)
سقط الهاتف من يده.. بل سقط شيء ما داخله إلى نقطة أعمق بكثير، شيء لا يمكن جمع حطامه مرة أخرى مهما حاول.
جلس مطرقًا ينظر إلى الأرض.. والهاتف قربه كأنه شاهد قبر..
ترقرقت عيناه بالدموع، وحلق بأجنحة الذكريات إلى هناك، إلى وادي السلام، حيث ترقد شقيقته الصغرى في نومتها لا الأبدية.
تذكر أيامها الأخيرة في المستشفى وهي ترقد على سريرها وبنفس تلك العيون الغائرة..
- يا الله.. كم تشبه (مريم)
مرت على خياله صور ساعاتها الأخيرة، وهي تحاول اصطناع شبح ابتسامة أمامه لتخفف عنه شعوره بالعجز عن مواساتها، تذكر حيرته وعجزه أمام جبروت " ذلك المرض" الذي أنهك روحها وأحالها إلى صورة باهتة لتلك الفتاة الجميلة الضاجة بالحياة..
مرّت دقائق، أو ساعات، لا يعرف.
تحوّلت الغنيمة إلى عبء ثقيل يفتض طمأنينته..
يجب أن أبيعه.. قال لنفسه، لوكان الرجل بحاجة الهاتف لما نسيه على الكرسي بكل هذه السهولة، لقد وجدته، وأنا أحق به.. فالحياة لا تعيد الهدايا.
لكنه... لم يستطع أن ينس ذلك الصوت المتحشرج.
لم يستطع أن يمحو صورة ذلك الوجه الشاحب
لم يستطع أن يتخلّ عن نظرة الطفلة، وكأنها تقول له:
- (أرجوك.. لا تدعني أموت قبل أن أحصل على كتابي، فقد يكون آخر أمنية لي)
كم من الأماني كنت أراها في عينيك يا (مريم) وأنا عاجز عن أروي قلبك ببعضها، حتى الحلوى التي كنت أجلبها معي كنت أسرقها لك من دكان (أبي مشتاق) في رأس الشارع
يعرف أن مرور الكثير من الوقت ليس في صالحه، ورغم ذلك لم يستطع أن يحدد الخطوة التي عليه أن يقوم بها، أحس أنه عاجز تماما عن أن يتخذ قرارًا،
مدّ يده إليه، ثم سحبها.. كرر الأمر عدة مرات
قال لنفسه:
- قد تفيدني النقود في شراء علاج المفاصل لوالدتي، أو يمكنني أن أدفع لـ (ستار) صاحب المولدة وأتحرر من القاءه الكلام لي في الغدو والآصال.. أو يمكن أن أشتري سريراً مستعملاَ بدل النوم على الأرض.
كان يقلب الأمور في ذهنه مرارًا وتكرارًا، لكن الصوت الوحيد الذي بقي في رأسه هو صوت الطفلة...
كأنها هناك، خلف الضوء الأزرق الباهت المنبثق من الشاشة، تنتظر أن يعود لها أبوها بكتابها الأثير.
كان يستطيع بيعه.
وبسهولة.
وفي الحيّ، هناك رجال يعرفون كيف يشترون ولا يسألون.. وأولهم (حميد)
لكنّه كان يعرف أيضًا... أنه لن يقوى على النوم بعدها
- أكيد أن أباها قد تواصل معها.. وعرف مرادها، قد تكون نائمة محتضنة كتابها الآن
لكن عرف أيضا أن شيئًا فيه سيبقى يسأل، إلى الأبد.. ماذا لو قضت نحبها، ولم يعرف الأب
جالت عيناه في غرفته ذات الجدار الأجرد.
البيت ضيّق، وسقف الزنك يقرقع كلما هبت الريح حتى ليظن أنه سيسقط على رأسه
الطعام قليل، والشتاء قادم.
كان يعرف أنه لو باع الهاتف، لن يسأله أحد.
لكنه أحسّ أن الفقر، برغم قسوته، لن يكون مبررا كافيا لمكابدة الشعور بالصغار الذي سيلاحقه
عينا الطفلة في الصورة تُحدّقان فيه بعينيها المطفأتين.
ليستا عينا ميتة.. ولا حتى عينا في صورة.
بل سؤال لا ينتظر منه إجابة، بل يحتاجه لإراحة ضميره
ظلّ جالسًا، يحدّق في الهاتف كأنه قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة
لا يعرف إن كان يجب عليه أن يعيده.
ولا يعرف لمن.
ولا حتى كيف.
لكنه، لأول مرة، شعر أنه محاصر بين جدران متطاولة تكاد تكتم أنفاسه:
جدار الجوع، وجدار الضمير، وجدار آخر لا يعرف له أسما...
هو ذلك الجدار الذي يشرنقه الإنسان حول نفسه حين يجد نفسه مضطرّا لاتخاذ خطىً ما.. يعلم أنه لن يجد القوة في نفسه ليمشيها.
الريح تهبّ في الخارج، والغبار يدقّ على النافذة.. لكنّ الصراع الحقيقي كان مستعرا داخل نفسه.
ثم، كأن هناك أحداَ آخر في داخله نهض فجأة، التقط الهاتف ولفّه بقميص قديم، أخفاه في الدولاب، وخرج.
إلى أين؟
هل ليبيعه؟
هل ليعيده؟
لا يدري.
جمال الهنداوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المجموعة القصصية: (حب.. وحمص.. وثالثهما نيتشة)
قصص