خالد عطية - بنية السيطرة في فلسطين: الاستيطان حتى عام 2025 بين القانون والعنف والحياة والمقاومة

يرصد هذا المقال التحوّل البنيوي في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين حتى عام 2025، من كونه توسّعاً عمرانياً إلى كونه نظاماً هيكلياً لإعادة إنتاج السيطرة والسيادة. من خلال مقاربة تحليلية تستند إلى نظرية الاستعمار الاستيطاني عند باتريك وولف ومفهوم السلطة الحيوية عند ميشيل فوكو، يُظهر المقال كيف تندمج أدوات القانون والعنف والإدارة في منظومة واحدة تُحوّل الاحتلال المؤقت إلى شكل دائم من الهيمنة. كما يناقش العلاقة بين العنف الاستيطاني والمأسسة القانونية، ويقترح قراءة جديدة للاستيطان بوصفه بنية إنتاج للواقع الاستعماري لا مجرد ظاهرة سياسية أو أمنية، مع إدراج واقع المقاومة الفلسطينية اليومية والدور الدولي في رسم ملامح هذه السيطرة.

حين تتحوّل الجغرافيا إلى خطاب سلطة، يصبح الاستيطان أكثر من احتلالٍ للأرض؛ إنه إعادة تعريف لمعنى الأرض ذاتها. في الحالة الفلسطينية، لم يعد الاستيطان الإسرائيلي فعلاً عسكرياً عارضاً أو توسّعاً ديموغرافياً متقطعاً، بل صار بنية متكاملة تُعيد إنتاج السيطرة عبر أدوات تبدو مدنية: تخطيط عمراني، إدارة قانونية، ومؤسسات اجتماعية تحمل شكل الدولة¹. ومنذ عام 1967، مروراً باتفاق أوسلو، وصولاً إلى عام 2025، أخذ هذا المشروع يتطور من بنية أيديولوجية إلى منظومة بيروقراطية تترسّخ داخل الجسد القانوني والاقتصادي لإسرائيل، وتتسلّل إلى الجغرافيا الفلسطينية في صورة حياة طبيعية، بينما تواجهها المقاومة الفلسطينية اليومية التي تتراوح بين حماية الأراضي، التوثيق القانوني، والزراعة المقاومة.

تؤكد تقارير الأمم المتحدة أنّ جميع المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 تفتقر إلى الشرعية القانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي²، ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يكشف عن بنية سياسية تتجاوز حدود الشرعية. ففي عام 2023، أقرّت الحكومة الإسرائيلية خططاً لبناء أكثر من ثلاثين ألف وحدة استيطانية جديدة³، فيما تجاوز عدد المستوطنين عام 2025 سبعمئة وثلاثين ألفاً⁴. هذه الأرقام ليست مؤشرات كمية فحسب، بل تعبير عن منطقٍ متكامل للضمّ الزاحف الذي يُمارس باسم التنمية والإدارة المدنية، وسط مؤشرات دولية ضعيفة وافتقار واضح لتنفيذ القرارات الأممية.

التحوّل الجوهري في العقدين الأخيرين تمثّل في انتقال الاحتلال من إدارة عسكرية إلى سيطرة مدنية مؤسّسية، حيث تعمل البيروقراطية على تثبيت ما كان يُفترض أنه مؤقت. تُنشأ لجان تخطيط وهيئات محلية، وتُمد الطرق والجدران، ويُدار المجال الفلسطيني بوصفه «حيزاً قابلًا للتنظيم» لا كأرض محتلة. هذه الآليات تخلق واقعاً جديداً تتماهى فيه السلطة مع العمران، ويصبح القانون ذاته أداة استعمارية. وكما يقول باتريك وولف: الاستعمار الاستيطاني ليس حدثاً، بل بنية مستمرة لإلغاء الأصلاني⁵.

في السنتين المنصرمتين، شهدت الأراضي الفلسطينية تصعيداً غير مسبوق في الهجوم على الشعب الفلسطيني؛ إذ امتدت حرب الإبادة والتجويع إلى قطاع غزة، بينما تصاعدت وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، مع إعلان الكنيست الإسرائيلي عن نية ضم أجزاء من الضفة رسمياً⁶. هذا التصعيد يؤكد أن مشروع الهيمنة لا يقتصر على السيطرة اليومية أو البناء الاستيطاني فقط، بل يشمل سياسة شاملة لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وتطويق المجتمع الفلسطيني قانونياً وسياسياً، ما يزيد من هشاشة المؤسسات الفلسطينية ويجعل مواجهة الاستيطان أكثر صعوبة ويكسر قدرة المجتمع على الصمود.

في هذا السياق، لم تقتصر ديناميكية السيطرة على أدوات الاحتلال المباشرة، بل امتدت إلى العلاقة بين السلطة الفلسطينية والمشروع الاستيطاني. فقد شهدت العقود الأخيرة تحوّلاً في دور السلطة الفلسطينية، من كيان يُفترض أن يركّز على التحرير والمقاومة إلى جهاز إداري مقيد بالمساعدات والمنح الدولية، ومرهون بالالتزام بالتنسيق الأمني والسياسي مع الاحتلال. هذا التحوّل أضعف قدرتها على مواجهة الاستيطان بشكل فعّال، إذ اقتصر دورها غالباً على تنظيم الحياة اليومية وتسيير الخدمات والبنية التحتية ضمن المناطق الفلسطينية المحتلة، دون القدرة على وضع خطط استراتيجية لمواجهة توسّع المستوطنات. نتيجة لذلك، أصبح الاستيطان يتقدم بوتيرة متصاعدة مع وجود فجوة مؤسساتية واضحة بين مهام السلطة المحدودة ووتيرة التوسع الاستيطاني، ما يعكس أن تحول مهمة السلطة من التحرير إلى الإدارة ليس مجرد مسألة تنظيمية، بل أصبح عنصراً مركزياً في تعزيز بنية الهيمنة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.

أما العنف، فيُشكّل الوجه الآخر لهذه البُنية. فالمجموعات الاستيطانية المتطرفة مثل «Hilltop Youth» و«Lehava» لم تعد هامشية، بل صارت أداة تنفيذية في مشروع الدولة⁷. العنف الذي تمارسه هذه الجماعات ليس انحرافاً عن القانون، بل هو مكمل له: حين يعجز القانون عن تهجير الفلسطيني، يتكفّل العنف بالمهمة. حوادث الحرق والهجمات على القرى مثل ما وقع في المغير عام 2024⁸، تكشف أن الاستيطان والعنف يتبادلان الوظائف في نظامٍ واحد، وأن العنف هنا ليس جنوناً أيديولوجياً بل منطقاً بنيوياً يضمن استمرار السيطرة.

ضمن بعدٍ ميداني أكثر عمقاً، تحوّل موسم قطف الزيتون إلى ساحة مشروع استيطاني واضح المعالم. ففي موسم 2025 تمّ تسجيل 126 هجوماً مرتبطاً بموسم الزيتون في نحو 70 بلدة وقرية، مع تخريب أكثر من أربعة آلاف شجرة زيتون وشتلات، ومنع وصول مئات المزارعين إلى أراضيهم⁹. تلك الهجمات الزراعية لا تقع بمعزل عن بنية الاستيطان، بل تستهدف الاقتصاد الرمزي والمادي للمجتمع الفلسطيني، وتحوّل شجرة الزيتون من مورد إلى هدف في حرب السيطرة الرمزية والمكانية. هنا، برزت جهود فلسطينية منظمة لحماية الأراضي، عبر تنسيق محلي من الجمعيات الزراعية، التوثيق القانوني للأضرار، وإنشاء أرشيف ميداني لتوثيق الاعتداءات، ما يمثل شكلًا من المقاومة اليومية التي تكمّل النضال السياسي والدبلوماسي.

السياسة الإسرائيلية الداخلية والدولية تلعب دوراً واضحاً في تثبيت الاستيطان. ضعف الضغط الدولي وعدم تطبيق القرارات الأممية أعطى الاستيطان مساحة للتحرك، بينما الصراعات الداخلية الفلسطينية والانقسام، شكلت تحديات إضافية أمام جهود حماية الأراضي والمجتمع. هذا السياق الدولي والمحلي يوضح أن السيطرة الإسرائيلية ليست مجرد مسألة قوة ميدانية، بل شبكة من الضغوط القانونية والسياسية والإدارية.

إنّ هذا النوع من العنف يُعدّ ليس مجرد اعتداء فردي، بل مكوّناً بنيوياً في النظام الاستيطاني: العنف الزراعي يُضعف القدرة على الصمود، ويُكرّس وهم الأمان المزيف في أرض ينمو فيها الاستيطان بسرعة تفوق ما هو معلن. بالمقابل، تظهر المقاومة الفلسطينية اليومية، من الزراعة إلى التعليم، كآلية مضادة تعمل على إنتاج البنية الاجتماعية والثقافية التي تحمي الوجود الفلسطيني وتقاوم محو الذاكرة الجماعية.

بهذا المعنى، يمكن القول إن الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين عام 2025 لم يعد مجرد سياسة من سياسات الدولة، بل أصبح بنية الدولة ذاتها. إنه ليس فعلاً عارضاً، بل منطقها الداخلي الذي يحكم علاقتها بالأرض والآخر. ومن هنا، يتضح أن أي مشروع حل سياسي يجب أن يأخذ في الاعتبار المقاومة اليومية والمجتمع المدني الفلسطيني، لأن هذه الممارسات تشكل شبكة حياة مضادة تمنح الأرض معناها وهويتها، وتشكل عائقاً أمام مشروع الهيمنة الكاملة.

على الفلسطيني، إذن، أن يتحول من موضوع للهيمنة إلى منتج للبنية المضادة. لا بالمواجهة العسكرية وحدها، بل ببناء نظام حياة بديل قادر على الصمود والمعرفة والتنظيم الذاتي. الزراعة، التعليم، حفظ الوثائق، التوثيق القانوني، والفن والثقافة ليست ترفاً، بل أدوات لإعادة تعريف الوجود الفلسطيني بوصفه فعلاً مستمراً في مواجهة البنية الاستعمارية.


الهوامش
1. تقرير الأمم المتحدة حول أنشطة الاستيطان، مكتب المفوّضية السامية، حزيران 2025.
2. مجلس الأمن الدولي، القرار رقم 2334 (2016).
3. European External Action Service (EEAS), Israeli Settlements Report 2023, بروكسل، 2024.
4. Anadolu Agency, Explainer 1882–2025: How Illegal Israeli Settlements Fragmented Palestinian Land, 2025.
5. Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research, Vol. 8, No. 4, 2006.
6. OCHA / United Nations in Palestine, “Gaza: No aid has reached war‑torn enclave for more than three weeks,” 27 March 2025.
7. U.S. Department of the Treasury, Press Release JY2622: Sanctions on Extremist Settler Groups, 2024.
8. Anadolu Agency, “Israel plans 2,749 new settlement units in Occupied West Bank within 6 weeks,” 13 Jan 2025.
9. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Humanitarian Situation Update #335, 2025.

المصادر والمراجع
• United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). Report on Israeli Settlement Activity, June 2025.
• United Nations Security Council. Resolution 2334 (2016).
• European External Action Service (EEAS). Israeli Settlements Report 2023, Bruxelles, 2024.
• Anadolu Agency. Explainer 1882–2025: How Illegal Israeli Settlements Fragmented Palestinian Land, 2025.
• U.S. Department of the Treasury. Press Release JY2622, 2024.
• Patrick Wolfe. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research, Vol. 8, No. 4, 2006.
• Michel Foucault. Society Must Be Defended, Lectures 1975‑1976.
• الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS). تقرير أثر الاستيطان على الاقتصاد الفلسطيني 2025. رام الله، 2025.
• مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق. الاستيطان في الضفة الغربية: وقائع 2024–2025. غزة، 2025.
• Additional sources:
• Anadolu Agency, “Israel approves construction of 22 new settlements in the occupied West Bank,” 29 May 2025.
• Palestinian Liberation Organization (PLO) Negotiations Affairs Department, map showing Israel controls 44.5% of West Bank amid increased settlement, 26 Feb 2025.
• UN report, “Israel ramps up settlement and annexation in West Bank with dire human rights consequences,” 18 March 2025.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى