خالد عطية - غزة والقرار 2803: الفاعل الفلسطيني بين الانقسام والوصاية الدولية

القرار الدولي 2803 ليس مجرد نص أممي يهدف إلى تنظيم مرحلة ما بعد الحرب في غزة؛ إنه وثيقة سياسية كثيفة تختصر بنية النظام الدولي في لحظة انكشاف عميقة. صدر القرار بعد حرب إبادة غير مسبوقة، وبعد تدمير يطال السكان والبنية والحياة، وفي ظل اندفاع واسع للاستيطان في الضفة الغربية والقدس، ما يجعل السؤال الأساسي: لماذا يصدر العالم قرارًا يُعيد ترتيب “إدارة غزة” بدل الاعتراف بالحق الفلسطيني في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال؟

الجواب هو أن النظام الدولي، في جوهره، صُمم لإدارة العلاقات بين الدول القائمة، لا للاعتراف بحركات التحرر الوطني، ولذلك تُعاد صياغة المأساة بوصفها “أزمة إنسانية” تحتاج إلى إدارة، لا كقضية تحرر تحتاج إلى تمكين.

القرار يبني تصوره لغزة على فرضية ضمنية: الفلسطيني غير قادر على حكم ذاته، وغزة لا يمكن تركها لفاعل محلي مستقل، بل تحتاج إلى ترتيبات أمنية وإدارية ورقابية تُدار خارجيًا. هذه الفرضية ليست طارئة، بل امتداد مباشر للمنطق الاستعماري الذي رافق القضية الفلسطينية منذ بدايتها: نزع أهلية الشعب ليبرّر نزع أرضه. وهو منطق يجري اليوم التعبير عنه بصياغات أممية ناعمة، لكنه يحمل المضمون ذاته: تحويل الفلسطيني من ذات سياسية إلى موضوع للرعاية.

غير أن القرار لا يمكن فهمه دون تحليل دور إسرائيل نفسها في صياغة بنيته. فإسرائيل نجحت في إعادة تعريف الإبادة بوصفها “حالة تهديد تتطلب ضبطًا دوليًا”. السردية الأمنية الإسرائيلية—التي تجعل وجود غزة ذات فاعلية مستقلة خطرًا—تسرّبت إلى لغة القرار، حيث يجري التحدث عن “استقرار” و“منع التصعيد” و“التنسيق الأمني” من دون الاعتراف بأن إسرائيل قوة احتلال، وأن الاحتلال ذاته هو أصل الصراع. وهكذا تنجح إسرائيل، حتى بعد ارتكاب أفعال تستوفي معايير الإبادة، في فرض أولوياتها على هندسة “اليوم التالي”. فالقرار يضمن لها: ضبط السلاح، ترتيبات أمنية محسوبة، منع نشوء سلطة حاكمة مستقلة في غزة، وإبقاء منظومة السيطرة الإقليمية دون مساءلة.

لكن القرار أيضًا ليس سياسيًا فقط؛ هو مشروع اقتصادي-جيواستراتيجي كامل. فإعادة الإعمار، كما تظهر التجارب الدولية، ليست عملاً إنسانيًا بريئًا، بل أداة نفوذ. ومن سيموّل الإعمار سيمتلك القدرة على تحديد شكل الاقتصاد المحلي، ومن سيدير الموانئ والمعابر سيتحكم بالتدفقات، ومن يضع شروط الاستقرار سيفرض شكل الإدارة. ولا يمكن فصل القرار عن مصالح القوى الكبرى في موارد شرق المتوسط—من حقول الغاز إلى خطوط الملاحة—ولا عن مصالح الشركات متعددة الجنسيات التي تتعامل مع ما بعد الحرب كمشروع استثماري. حتى البنية الأمنية المقترحة تعني دخول شركات الأمن الخاصة، وتوسيع سوق التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية، وهو ما يرسّخ “اقتصاد السيطرة” بوصفه جزءًا من اقتصاد غزة المستقبلي.

الفاعل الفلسطيني، في مقابل هذه القوى، يقف في لحظة ضعف بنيوي. الانقسام الطويل، التفكك في المؤسسات، تآكل شرعية التمثيل، غياب مشروع سياسي جامع—كلها عوامل سمحت للنظام الدولي بملء الفراغ. لكن هذا الضعف ليس قدرًا وجوديًا، بل نتيجة مسار سياسي واجتماعي يمكن تغييره. الخطأ الأكبر ليس الاعتراف بالضعف، بل تحويله إلى مبرر للوصاية. فالشعوب تمر بأزمات أشد من هذه وتنهض، وما يمنع الفلسطيني اليوم ليس غياب القدرة الجوهرية، بل غياب الإطار الوطني الذي يترجم هذه القدرة إلى فعل.

القرار 2803 لم يمر دون ردود فعل فلسطينية واضحة تعكس رفض الفصائل لأي وصاية خارجية. حماس والجهاد والشعبية وغيرهم اعتبروا القرار محاولة لإعادة إدارة غزة من الخارج، بما يحول الفلسطيني إلى موضوع للرعاية بدل أن يكون فاعلًا مستقلاً في تحديد مستقبله. حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، صرّح بأن القرار يمنح وصاية لجهات غير فلسطينية ويحوّل القوة الدولية إلى طرف في الصراع، ويهدد قدرتها على تحديد سياسات الأمن والإدارة المحلية. الفصائل شددت على أن أي نقاش حول سلاح المقاومة يجب أن يكون ضمن إطار سياسي فلسطيني جامع، لا أن يُفرض من قوى خارجية. بالمقابل، رحبت السلطة بالقرار، مما يعكس الانقسام الفلسطيني العميق ويؤكد هشاشة التمثيل الوطني الموحد. هذه المواقف تؤكد بشكل مباشر ما ذُكر في التحليل البنيوي: أن القرار يكرّس منطق نزع أهلية الشعب الفلسطيني ويستبدل الفاعل الوطني بالوصاية الدولية، وأن أي مشروع لإعادة بناء غزة أو إدارتها دون إشراك حقيقي وفاعل للفلسطينيين سيظل إدارة مؤقتة للأزمة.

غزة، رغم دمارها، أثبتت أن الفاعل المحلي لا يمكن شطبه. لكنها أيضًا كشفت حدود الرمز حين لا يُستند إلى حامل سياسي. فغزة ليست مشروعًا حضاريًا كاملاً، وليست بديلاً للنظام الدولي، لكنها أيضًا ليست مساحة إنسانية خاوية. إنها موقع مقاومة وصمود، لكنها ليست دولة بمؤسسات قادرة على مواجهة نظام وصاية مركّب، ما يجعل استعادة الفاعل الفلسطيني ضرورة سياسية لا مجرد مطلب خطابي. فلا وصاية دولية تنهار من تلقاء ذاتها، ولا احتلال يتفكك بمجرد إدانته؛ وحده الفعل الوطني المنظم يعيد تشكيل المعادلة.

استعادة الفاعل الفلسطيني ليست إعادة تأهيل للسلطة الحالية، ولا استبدالها بكيان جديد منفصل عن تاريخ الحركة الوطنية؛ إنها إعادة بناء للشرعية على ثلاث مستويات متداخلة: شرعية تمثيلية تستعيد منظمة التحرير كجسم جامع بعد إعادة بنائها ديمقراطيًا، شرعية كفاحية تعترف بدور المقاومة وتنظمه في مشروع وطني موحد، وشرعية مؤسسية قادرة على إدارة الأرض والمجتمع بفاعلية. دون هذا الإطار الثلاثي، ستتحول أي ترتيبات دولية إلى إدارة أبدية للأزمة.

إن القرار 2803 هو وثيقة وصاية، لكنه أيضًا وثيقة تكشف هشاشة النظام الدولي ذاته. فالقدرة على فرض الوصاية لا تعني القدرة على تأسيس نظام مستدام، كما أثبت ذلك تاريخ الوصايات في العراق والبوسنة والصومال وغيرها. كل إدارة خارجية بلا فاعل محلي شرعي تتحول إلى فشل مؤجل، وهذا ينطبق على غزة بأضعاف. ولذلك، فإن القرار قد يضبط المرحلة، لكنه لن يصنع مستقبلًا، ولن يستطيع فرض صيغة نهائية على شعب يمتلك إرادة سياسية لم تُهزم رغم كل ما تعرض له.

إن اللحظة التي نعيشها ليست لحظة انتصار للعدالة ولا هزيمة للظلم، بل لحظة صراع بين بنية الهيمنة التي تحاول إعادة ترميم نفسها عبر أدوات مؤسسية، وبين شعب لم يفقد حقه رغم كل شيء. الصراع الحقيقي ليس على إدارة غزة بل على تعريف مستقبلها. الفاعل الفلسطيني، مهما غاب، لا يمكن تجاوزه؛ بل هو العنصر الوحيد القادر على تحويل الوصاية إلى مرحلة عابرة لا إلى نظام دائم. وما دام هذا الفاعل قادرًا على استعادة ذاته، فإن كل قرارات العالم—مهما كانت قوية—ستظل محاولات لإدارة لحظة، لا لإغلاق التاريخ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى