خالد عطية - خطاب الحسم وغياب البنية: قراءة نقدية في مقال أكرم عطا الله

نُشر مقال أكرم عطا الله في الملتقى الفلسطيني عن صحيفة الأيام الفلسطينية بتاريخ 5 ديسمبر 2025، حاملاً لغة متوترة وحاسمة تحاول أن تقدّم حكماً نهائياً على تجربة حمااس وبرنامجها بعد السابع من أكتوبر. لكن خلف هذا اليقين الظاهر تقبع بنية خطابية وأيديولوجية معقّدة، تستحق قراءة نقدية تكشف ما يستتر تحت سطح اللغة، وما يُقال وما يُحذف، وما يُعرض كتحليل بينما هو موقف.

لغة الكاتب أكرم عطا الله في مقاله ليست لغة تحليل سياسي تقليدي، بل لغة حسمية متعطّشة للنتيجة. إنه لا يكتب من داخل مقاربة معرفية بحثية، بل من تحت سقف خطاب لاهوتي–سياسي معاكس؛ يستبدل فيه “الحقائق المتحركة” بحسم خطّي، ويستبدل الأسئلة بالأحكام، ويشتغل بمنطق التبكيت، أي تحويل الفعل السياسي إلى جريمة أخلاقية محضة. الفاعل الفلسطيني في مقاله ليس موضوع تحليل بل متهم في محكمة أخلاقية، والقارئ يُستدرج لأخذ دور القاضي. هذه اللغة تفتقر إلى التفكيك وإلى قراءة الطبقات السببية وإلى تدرج الفاعلية والعوامل البنيوية التي تشكل سياق الفعل الفلسطيني، معتمدة بدلاً من ذلك على حتمية خطابية، وتسطيح سببي، وتناظر أخلاقي مضمر بين الضحية والجلاد، ما يجعلها لغة إدانة أكثر منها لغة تحليل.

المنطق الذي يتحدث به الاستاذ أكرم يقوم على خطّية تفسيرية مبسطة؛ يتعامل مع السابع من أكتوبر بمنطق “سبب واحد يؤدي إلى نتيجة واحدة”، فيربط مباشرة بين الفعل وبين الإبادة الإسرائيلية، متجاهلاً البنية الاستعمارية التي تسبق أي فعل فلسطيني وليست لاحقة له. في التحليل، الفعل الإسرائيلي لا يُفسَّر بالفعل الفلسطيني بل بالعقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها، وهو ما يغيب كلياً عن نص أكرم. ثم هناك منطق إخراج الفعل الفلسطيني من التاريخ؛ إذ يُعامل المقاومة كدولة مستقرة تمتلك حرية القرار بعيداً عن الاستعمار والحصار، ويتجاهل أن الفاعل الفلسطيني يتحرك داخل قفص بنيوي شديد الضيق. كذلك يوحّد بين الفاعل والشعب، فيحمّل الفاعل مسؤولية النتيجة كما لو كان ممسكاً كاملاً بزمام التاريخ، متناسياً مستويات التعقيد الاجتماعي والسياسي. وفوق ذلك، ينزع السياسة عن الاحتلال ويعيد تسييس الضحية، كأن العنف الإسرائيلي ليس سياسة بل رد فعل طبيعي.

تحليل المقال يكشف عدم التطابق بين مستوى السؤال ومستوى الأداة التحليلية. السؤال المطروح هو سؤال بنيوي: هل نجح برنامج حمااس؟ لكن أدوات الإجابة التي يستخدمها الكاتب ليست بنيوية، بل ظرفية وانتقائية وأخلاقية، فينهار البناء المنهجي لأن الأدوات لا توازي طبيعة السؤال. المقال أيضاً يخفي بنيته الإيديولوجية، إذ يقدّم ذاته بوصفه صوت “العقل”، بينما هو نابع من أيديولوجيا ليبرالية–دولتية ترى في أي فعل خارج إطار “الدولة النموذجية- السلطة ” فعلاً مغامراً. ينقد حماس لأنها خلطت الدين بالسياسة، لكنه بدوره يكتب من داخل لاهوت سياسي معاكس، لاهوت “الدولة- السلطة” باعتبارها المرجعية الأخلاقية الوحيدة. كذلك يستبدل الهزيمة بالبرهان؛ فكل ما حدث يصبح دليلاً على بطلان البرنامج، وفق منطق وضعي ساذج يجعل من الحاضر حكماً نهائياً، وهو ما يسمى “استبداد اللحظة”، حيث النتائج الظرفية تتحول إلى أحكام تاريخية مطلقة.

أما على المستوى المفهومي، فيختزل فكرة “برنامج المقاومة ” إلى بُعد ديني، متجاهلاً الأبعاد الوطنية والاجتماعية والتاريخية والتمثيلية. ويغيب كلياً عن المقال أي قراءة للمشهد الإقليمي أو الدولي، ولا يقترب من التحولات الكبرى التي أحدثتها الحرب في العقيدة الأمنية الإسرائيلية أو موقع القضية الفلسطينية في العالم. المعيارية الأخلاقية تتغلب على التحليل السياسي، فيتحول النص إلى بيان إدانة لا إلى تفكيك تاريخي. ثم هناك ما لا يقوله المقال: فهو لا يقارن خيار المقاومة بخيار أوسلو، ولا يعترف بأن “التجربة” التي يتحدث عنها جرت داخل حصار استعماري خانق، ولا يفكك دور إسرائيل في صناعة شكل الصراع، ولا يرى الديناميات الاجتماعية الفلسطينية، ويحاكم الفعل المقاوم بمعايير دولة مستقرة لا شعب مستعمَر.

الخلاصة أن مقال أكرم عطا الله ليس نصاً تحليلياً بل نص عاطفي–قضائي بلبوس عقلاني. لغته تقوم على حسم غير قابل للمراجعة، وعلى تبسيط سببي، وعلى أخلاقيات اللوم، وعلى إخفاء البنية الاستعمارية، وعلى إعادة إنتاج سردية الدولة مقابل اللادولة، مع تجاهل كامل للبنى الدولية والإقليمية. إنه نص عن مرارة الهزيمة أكثر منه نصاً عن فهم الهزيمة، والفارق بينهما جوهري.



بقلم خالد عطية
٠٦-١٢-٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى