انطلق العجوز الأخرس، بعد انتهاء عمله وقت زوال شمس النهار إلى رحلته اليومية التي لم يقطعها يومًا على مدار فترة لم يُحصِها، حاملًا معه لفافة الطعام التي أنفق عليها ما اكتسبه خلال اليوم وصولًا إلى تلك المنطقة بمنأى عن القرية، على شاطئ النهر حيث شجرة التوت العتيقة التي يسند ظهره عليها متأملًا الربوة التي يسكنها صديقه الوحيد في هذه الدنيا، في انتظار حضوره لمشاركته طعامه.
لقد كانت منطقة مناسبة كليهما، فالخوف الذي ينسجه أهل القرية حولها والقصص التي يتفننون في إظهار المجهول المرعب عنها يقف حاجزًا بينهما وبين الفضول المؤذي الذي يمارسه الناس، ولا يجدون في أنفسهم ضميرًا يرفضه.
ظهر الصديق من مخبئه في ذلك الشق الذي تحتضنه الربوة، وهو يسير مطمئنًا مقاومًا عَرَجَةَ قدمه التي جعلته مطرودًا من قبيلته عندما أصبح عبئًا بعد أن كان حاميًا لهم وهم يتنقلون. لقد كان الذئب والأخرس متشابهين في أمور كثيرة، فكلاهما منبوذ من بني جلدته، حتى العرجة في أقدامهما متشابهة. كلاهما وجد ضالته في الآخر، فهما يحكيان ويشكيان لبعضهما دون كلمات، ويعي كلٌّ منهما ما يسرده الآخر.
وعى الذئب نشأة الأخرس، وهو مصدر شؤم لأهالي القرية؛ يوكلون له الأعمال الشاقة متمنين إنهاءها بسرعة حتى يغادر مكانهم، وكانت أذناه تمتلئان بكلماتهم القاسية عن عدم ارتياحهم لوجهه الذي فقد البسمات منذ وعى على الدنيا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن سبب فقدها.
لم يذكر أن وجهه قد انفـرج عمّا يشبه الابتسامة سوى الصغيرة منذ زمن، عندما اقتربت معطيةً إياه بعضًا من الحلوى مغلّفةً ببراءتها، قبل أن تنهرها أمها بشدة.
كانوا ينتظرون منه الشرور دون أن يكون لديهم أي دليل عليها سوى ما يبررون به نظراتهم إليه، حتى إن خرسه كان باختيار، فقد عزل نفسه عن الحديث سوى مع صاحبه الذي استمع بقلبه له، وفتح قلبه ليسمع منه.
ظهر نفران من شباب القرية، كان يحركهما طيش الفضول والبحث عن سبب يمتازون به على أهل القرية في إثبات أي شر من العجوز. تحرك أحدهما في خلسة من الصديقين، موجهًا ضربة قوية على رأس الذئب بهراوة غليظة نزلت كالصاعقة عليهما معًا.
وقبل أن يبادره بالثانية، فوجئ بحجر ينزل على رأسه، فسقط تحت أقدام العجوز الذي كان يدافع عن العطاء الوحيد الذي وهبته الدنيا إياه.
وقف العجوز مسمّرًا أمام جثته، بينما سابق رفيق القتيل الرياح صارخًا أن الأخرس قتله. وانسحب الذئب حاملًا ما بقي من أنفاسه إلى مسكنه في الربوة، حتى تجمع أهل القرية، وأوثقوا العجوز إلى شجرة التوت، وانهالوا عليه ضربًا يأخذ عزمه من الغل الذي وقر في صدورهم تجاه الشر الذي عاشوا ينتظرونه منه، وقد وجدوا ضالتهم اليوم.
ما بين الرؤية الزائغة، ألقى الصديقان نظرة الوداع لبعضهما البعض، قبل أن يستحيلا إلى فرعين من فروع شجرة التوت، الوحيدة الشاهدة على قصتيهما.
الكاتب /محمد الدولتلي
لقد كانت منطقة مناسبة كليهما، فالخوف الذي ينسجه أهل القرية حولها والقصص التي يتفننون في إظهار المجهول المرعب عنها يقف حاجزًا بينهما وبين الفضول المؤذي الذي يمارسه الناس، ولا يجدون في أنفسهم ضميرًا يرفضه.
ظهر الصديق من مخبئه في ذلك الشق الذي تحتضنه الربوة، وهو يسير مطمئنًا مقاومًا عَرَجَةَ قدمه التي جعلته مطرودًا من قبيلته عندما أصبح عبئًا بعد أن كان حاميًا لهم وهم يتنقلون. لقد كان الذئب والأخرس متشابهين في أمور كثيرة، فكلاهما منبوذ من بني جلدته، حتى العرجة في أقدامهما متشابهة. كلاهما وجد ضالته في الآخر، فهما يحكيان ويشكيان لبعضهما دون كلمات، ويعي كلٌّ منهما ما يسرده الآخر.
وعى الذئب نشأة الأخرس، وهو مصدر شؤم لأهالي القرية؛ يوكلون له الأعمال الشاقة متمنين إنهاءها بسرعة حتى يغادر مكانهم، وكانت أذناه تمتلئان بكلماتهم القاسية عن عدم ارتياحهم لوجهه الذي فقد البسمات منذ وعى على الدنيا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن سبب فقدها.
لم يذكر أن وجهه قد انفـرج عمّا يشبه الابتسامة سوى الصغيرة منذ زمن، عندما اقتربت معطيةً إياه بعضًا من الحلوى مغلّفةً ببراءتها، قبل أن تنهرها أمها بشدة.
كانوا ينتظرون منه الشرور دون أن يكون لديهم أي دليل عليها سوى ما يبررون به نظراتهم إليه، حتى إن خرسه كان باختيار، فقد عزل نفسه عن الحديث سوى مع صاحبه الذي استمع بقلبه له، وفتح قلبه ليسمع منه.
ظهر نفران من شباب القرية، كان يحركهما طيش الفضول والبحث عن سبب يمتازون به على أهل القرية في إثبات أي شر من العجوز. تحرك أحدهما في خلسة من الصديقين، موجهًا ضربة قوية على رأس الذئب بهراوة غليظة نزلت كالصاعقة عليهما معًا.
وقبل أن يبادره بالثانية، فوجئ بحجر ينزل على رأسه، فسقط تحت أقدام العجوز الذي كان يدافع عن العطاء الوحيد الذي وهبته الدنيا إياه.
وقف العجوز مسمّرًا أمام جثته، بينما سابق رفيق القتيل الرياح صارخًا أن الأخرس قتله. وانسحب الذئب حاملًا ما بقي من أنفاسه إلى مسكنه في الربوة، حتى تجمع أهل القرية، وأوثقوا العجوز إلى شجرة التوت، وانهالوا عليه ضربًا يأخذ عزمه من الغل الذي وقر في صدورهم تجاه الشر الذي عاشوا ينتظرونه منه، وقد وجدوا ضالتهم اليوم.
ما بين الرؤية الزائغة، ألقى الصديقان نظرة الوداع لبعضهما البعض، قبل أن يستحيلا إلى فرعين من فروع شجرة التوت، الوحيدة الشاهدة على قصتيهما.
الكاتب /محمد الدولتلي