محمود حمدون - كبشة من رحيق الحياة

"لا بيخاف ولا بيختشي"

هكذا حسم " جابر " خفير المبنى الحكومي الأمر، أصدر حكمَه بصورةٍ قاطعة، قال ذلك وهو يعلم جيدًا أننا لن نراجعه في مقولتِه، وإلّا ما جئناه نطلبُ رأيه في "أيمن سلَّام" زميلِنا في العمل منذ فترةٍ بعيدة.

لقد قابلت " أيمن" قبل أربعين عامًا على سلالم مبنى قبة الجامعة؛ بهيئته الحالية لم يتبدّل فيه شيء أو يتغيّر. بدأت الحيرةُ عندما انتخبه الطلابُ رئيسًا لاتحاد الطلبة، ولأربعة أعوامٍ متتالية.
يكفي أن يعلن عن الترشح للمنصب حتى ينسحب المنافسون، تقديرًا لمكانة "أيمن" بينهم. فمنذ أن وطأ الجامعةَ بقدميه وهو رئيس: يجلّه الطلاب، ويقدّره الأساتذة، ويتقرّب منه رجالُ الحرس الجامعي وأعوانهم من العسس. وأظن أنّني، على المستوى الشخصي، لم أقابل رئيسًا حقيقيًّا أو أسمع إلّا بـ "أيمن سلّام".

" أيمنُ سلّام "

رجلٌ احترتُ في أمره، ولستُ وحدي؛ بل اختلف حوله كل من عرفه، أو عاصره، أو أكل معه، أو شرب، أو حتى جالسه صدفةً ولو مرةً واحدة. لذلك حينما سمع الجميعُ مقولةَ "عم جابر" الخارج من الخدمة منذ بعيد، ويعمل لقاءَ جنيهاتٍ نجمعها له، هزّوا رؤوسَهم تأكيدًا وإيمانًا وتسليمًا.


"لا بيخاف ولا يختشي."

هكذا هو "أيمن" بالفعل، رجلُ الدولة الواضحُ للكل، الأمنجيُّ بامتياز، حتى إنه كان يُدبّج تقاريره في الزملاء على حاسوبه المحمول، وهم حضور حوله يحتسون القهوة، ويأتون على سيرة مطلَّقةٍ في الإدارة المجاورة أو أرملةٍ يسوقها حظها العاثر أن تمرَّ من أمامهم. يبتسم لهذا، يُمازح آخر، يُلقي بنكتةٍ ماجنة تُثير اللعاب وتُحيي الميت، ويفعل كل ذلك في آنٍ واحد.

عرفتُه ثوريًّا قادرًا على حشد الجماهير حوله، يتصدر المشهد، يهوى الاصطدام بجحافل الأمن، يصرخ بالهتاف لدرجة التجعير، غضبتُه وقتَ التظاهر لا مثيل لها، إذ كانت قادرةً أن تُرعب أفئدة الضباط قبل الجنود الفقراء.


"أيمن موجود في المظاهرة"...
ما إن تسري هذه العبارة همهمةً بين قوات الأمن حتى ينفضَّ الميدانُ من روّاده السخفاء، وترتفع الصرخات والهتافات من الفائزين في الجولة.

عقب صلاة العشاء، يستقر أيمنُ في مقعده بمقهى " عبد الحميد الشوشاني" ـ قبل إزالته ـ يجلس في زاويةٍ يرى فيها ميدان السواقي والشوارع المتقاطعة معه. يتناول قهوته على مهل، يُوزّع ابتساماتٍ على زبائن القهوة، يُحيّي من يعرفهم ومن لا يعرفهم. هو متحدثٌ لبق، وخطيبٌ مفوَّه في السياسة، له رأي يُعتدّ به، وله أيضًا فتاواه الدينية التي يُقرّ بها الشيوخ والعاملون بمهنة رجل الدين.

وكذلك " أيمن سلام "

ماجنٌ كما أسمته " سنية " بائعة الجرائد العجوز أو عربيد حتى النخاع، يعشق الراقصات العجائز. لطالما قال لي: إن المرأة الخبيرة في الحياة هي حلم كل رجلٍ ناضج، وإنه ينفر من الصبايا والمراهقات. هو نزِق، يفعل ما يطرأ على باله؛ إذ قد يهبُّ من مقعده، وينطلق وراء خيالٍ طاف بباله، أو خلفَ ذكرى قديمة يجيد استدعاءها وإحياءها من جديد.

" أيمن سلام "

زبونٌ دائم عند "غطاس"، يميل لمعاقرة الخمر الرديئة، وكذلك في مجالس الحشيش. ولطالما سخر منه "نبيل القهوجي" وجاهر برأيه في وجهه في مرة، وقال: "بتموت في منقوع البراطيش، وكل ما هو رخيص من الصنف"، فابتسم أيمن، وهزّ رأسه، فلا تعرف وقتها أكان يوافق على ما قيل في حقه أو لا يكترث؟

أخبرني "أيمن سلَّام"، ذات لقاءٍ أنه يهوى لململة الخيوط بين أصابع يديه، يتيه غرامًا في شبكة صياد السمك حين يفردها على آخرها ويلقيها في الهواء لتنزل وتفترش سطح البحر فترةً، ثم يجذبها صاحبُها وقد امتلأت بكل شيء. لا يهتم الصياد بنوعٍ معين من السمك أو ثمار البحر، يكبش بيده كبشةً من رحيق الحياة، ولا أهميةَ بعد ذلك لشيء.

و"أبو سلاَّم".. كما أناديه أنا..

يعرف الحلال من الحرام والحدود بينهما والمشتبهات، كذلك يدرك الصح من الخطأ. كلما نزلت بواحدٍ منّا نازلة، أسرع إليه، وألقى بمصيبته بين يديه. فيصغي بجوارحه للمشكلة، غير أنّه لا يقدّم أيّ حلّ نرجوه.

هو مؤمن حتى النخاع، لكنّه يسير دومًا عكس ذلك. غير أنّنا لم نغضب منه أبدًا؛ إذ كيف نفعل وهو قطعة "البازل" الناقصة في شخصية كلٍّ منّا.. فإن حضر، استكمل كلّ فردٍ نفسه، واستشعر أنّه على أحسن ما يكون.

وقد اجتمع على محبته المتمردون والساخطون، والساسة، ورجالات الأمن، والمخبرون، والقوادون والعاهرات، وتجار الصنف من كل صنف. هو ضيفٌ يتصدّر المنصة في المناسبات الدينية، وفي قعدات العرب العُرفية لإنهاء النزاعات؛ الكل ينزل عند رأيه، ولا تُردّ له كلمة.

حين سأله أحدهم -بجفاء كأنما أراد أن يسخر منه في العلن-: "مَن أنت؟"

- أجاب بتلقائيةٍ تُثير الغيظ: "أنا رقم صفر. لا قيمة لي وحدي في أعين الناس، لكن غيابي كارثة تحلّ بالوجود."

لعلّي أكره " أيمن سلّام"، من أعماق أعماقي، غير أني كلما التقيتُه أجدني أفتح ذراعيّ على اتساعهما، تغمرني سعادةُ اللقاء، نندفع إلى أحضان بعضنا في مشهدٍ عاطفيٍّ صادق للغاية. تسقط الكراهية عند قدميّ، ثم أفيق على عبارته التي لا يحيد عنها معي كل مرة:
"النظام إيه الليلادي؟"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى