أ. د. عادل الأسطة - العمل الأدبي الأول (3) سهاد عبد الهادي... "ذاكرة زيتون"

-3-


ذاكرة زيتونة.... ذاكرة الاجتياح

تصادف ، في هذه الأيام ، الذكرى الخامسة لاجتياح القوات الإسرائيلية ، في العام 2002 ، مدن الضفة الغربية : رام الله ونابلس وجنين وبيت لحم . وقد عزمت بعض القوى الوطنية ، النية على إحياء هذه الذكرى ، بإقامة احتفالات وأمسيات وندوات . وربما حفلت الصحف والمجلات بالعديد من المقالات والمقابلات التي سيأتي فيها أصحابها على ما حدث ، وقد يتذكرون شهيداً أو جريحاً ، وقد يتذكرون مقاوماً استبسل ، ولن ينسوا ، على أية حال ، ما فعلته القوات الإسرائيلية في تلك الأيام ، وما زالت تفعله حتى اللحظة .
وقد كان الاجتياح مادة لكتاب كثيرين خاضوا فيه ، وكتبوا قصصاً وروايات . سحر خليفة ابنة مدينة نابلس التي تقيم ، منذ فترة في عمان ، عادت إلى المدينة ، ذات نهار ، وقابلت نساء نحوش العطعوط ، وأنجزت روايتها " ربيع حار " في عام 2004 . وأنا أنجزت مجموعة قصصية عنوانها " فسحة لدعابة ما " , نشرت يعض قصصها في الصحف , ونشرتها كاملة على ( الانترنت ) , استوحيت أكثرها من اجتياح المدينة . وهناك قصائد كتبها شعراء كثر, ربما كان ديوان " حالة حصار " في عام 2002 , لمحمود درويش , أبرزها وأوفرها حظاً في الانتشار والدراسة.
هذه الأيام ستزورني الكاتبة سهاد عبد الهادي , من نابلس , وستهديني روايتها الأولى " ذاكرة زيتونة " والتي صدرت في عام 2007 , وسأعرف منها أنها أخت المربية لواحظ عبد الهادي , وقد تعرفت إلى الأخيرة منذ ثلاثين عاماً , وعرفت أنها مهتمة بالثقافة , فقد كنا نناقش , كل أسبوع مع مدير منطقة نابلس في وكالة الغوث للاجئين , الأستاذ يوسف رضا , مع معلمي الوكالة ومعلماتها , كتاباً , سواء أكان مؤلفاً أو قيد التأليف . ولم أكن أعرف سهاد , أنها أخت لواحظ.
وسأفاجأ بمؤلفة جديدة تؤلف رواية عن اجتياح مدينتها . وربما تساءلت عن سر هذا الالتفات المتأخر للكتابة , ما دفعني لأن أسأل صاحبة الرواية إن كانت كتبت شيئاً من قبل . وستخبرني بأنها تابعت ما كتبته عن رواية سحر " ربيع حار " وأنها أفادت من نقدي للرواية.
وذاكرة زيتونة هي ذاكرة ابنة المدينة وذاكرة شخوصها , الذين ظلوا مقيمين في نابلس , والذين ظلوا في المنفى . اللاتي ذهبن إلى الشارقة فلم يقدرن على الحياة فيها , واللاتي كنَ في الشارقة , ولم يفارقهن ماضيهن في نابلس . المدينة تسكننا ونحن فيها , والمدينة تسكننا ونحن بعيدون عنها.
الشخصية المحورية في الرواية هي سهر , وهي امرأة متزوجة من رجل مغامر لا تروق له حياة المدينة تحت الاحتلال فيهاجر , ويطلب زوجته أن تهاجر معه فترفض . وتفقد سهر ابنها الوحيد , وهكذا تبقى وحيدة تعاني من الأرق . تشغل نفسها ببعض الأعمال الخيرية , وتدعوها قريبة لها , هي دعد , لزيارة الشارقة , لعلها تفيد من سهر في أعمالها ومشاريعها هناك, وتسافر سهر , ولكنها لا تستقر , فحياة المنفى لا تروق لها, ولا تقوى على العيش بعيداً عن نابلس . وبعد أن رأت كيف يحيا الفلسطينيون هناك , تقرر العودة.. وتعود.
تبرز الرواية صورة لحياة الفلسطينيين في أماكن الشتات , وتحديداً في الشارقة . ويغدو الوطن أمسية شعرية واحتفالا للتضامن وجمع المال ليس أكثر , ينصرف المدعوون والمدعوات بعد ذلك إلى شؤون حياتهم , فيعملون ويتبادلون الزيارات ويفكرون في مشاريعهم , بعيداً عن الوطن الذي يعذب أبناءه ممن يقيمون فيه , حتى ليعاير الفلسطينيون في المنفى من يزورهم ويفكر في العودة إلى فلسطين . هكذا ترى دعد في سهر غاوية فقر وعذاب وهم , لا تحيا حياتها , سهر التي آثرت العودة , إلى نابلس , على الإقامة في الشارقة . الشتات . إنها مثل زيتون فلسطين .. وستزورها , قبل اجتياح نابلس في عام 2002 بيوم , فتاة إماراتية تعرفت إليها في الشارقة هي مها , التي ولدت في لندن وحصلت على الجنسية البريطانية , وتدرس العلوم السياسية في جامعة عجمان . وستعيش مها الحصار مع سكان المدينة , وستتعرض إلى ما تعرضوا له من مضايقات ومعاناة . ستجوع كما يجوعون . وستقمع كما يقمعون , وحين ينتهي الحصار وتغادر المدينة إلى الشارقة , ستظل تشعر مع سكان نابلس . وحين يذهب بعض جرحى المدينة إلى الشارقة لكي يعالجوا هناك تعودهم , وتعود خالداً الذي تعرفت إليه على الجسر , خالداً ابن نابلس الذي درس الصحافة وعاد إليها قبل الاجتياح .
ستقص سهاد عبد الهادي قصص الاجتياح . ستقص عن بشر ماتوا , لا لأنهم قاوموا الاحتلال , وإنما لأنهم كانوا موجودين في المكان , فجعلت منهم القوات الإسرائيلية دروعاً بشرية لاقتحام البلدة القديمة , حيث تحصن المقاومون . ستقص عن المرضى الذين قضوا لنقص في العلاج , وعن الأطفال الذين مرضوا لنقص الحليب وسوء التغذية .
والأهم من هذا كله ستبرز صورتين لحياة الفلسطينيين , صورة حياتهم تحت الاحتلال وصورة حياتهم في المنافي , بخاصة في دول الخليج , فحياة الفلسطينيين في مخيمات لبنان وبعض البلدان الأخرى غير حاضرة في الرواية .
الآن ذكرى الاجتياح على الأبواب . وقد أعادتنا " ذاكرة زيتونة" إلى تلك الأيام التي ما زالت آثارها بارزة في الاجتياحات المتكررة وفي الحواجز على الطرقات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى