كل حجرٍ فيها مسبحةٌ، وكل مئذنةٍ تعلو لتعانق السماء. بعد فجرٍ والنسيم مشوبٌ برائحة البحر، وممزوجٌ بعطر الأولياء. قررت أن أمضي اليوم من ضريحٍ إلى ضريح، أول بابٍ قصدته باب سيدي المرسي أبو العباس، مسجده قصيدةٌ تعانقه القباب وتطوقه المآذن، في باحة المسجد غمرني سكونٌ مهيب، اقتربت من المقام، رأيت شيخًا يجلس عند أحد الأعمدة، يسبح في صمتٍ. حييته، فردَّ السلام بصوتٍ رخيم.
قلت:
- يا سيدي، ما سر هذا النور الذي يفيض في المكان؟
ابتسم وقال:
- السر يا ولدي في القلب الذي عمر المكان، من أحب الله أحبه الناس، ثم أحبته المدينة.
تأملت الكلمات فشعرت أن المسجد مرآةٌ لروح الإسكندرية حين تتطهر من ضجيجها وتلبس رداء النور.
ثم سرت إلى مسجد تلميذه، سيدي ياقوت العرش،
في الطريق شيء خفي يقودني، خيط من نورٍ يمتد من ضريح الشيخ إلى قلبي. في الداخل سكينةٌ عميقةٌ مثل بئرٍ لا قرار لها. امرأةٌ تضع يدها على الشباك الأخضر، ودموعها تنحدر في صمت. لم أسألها عن حاجتها؛ فالحاجات هنا تُسلَّم إلى الله دون وسيطٍ إلا المحبة.
ثم يممت وجهي صوب مقام سيدي العدوي، رأيت حلقة ذكرٍ، رجالًا يرددون الأسماء الحسنى بصوتٍ خفيض، لكن وقعه في قلبي ينبض، جلست بينهم، ورددت معهم، وحين انتهت الحلقة، قال شيخٌ نحيل:
- الإسكندرية مدينةٌ إذا ذكرت الله فيها، ردَّ عليك البحر.
ضحكت في سري من جمال العبارة، لكنني حين خرجت إلى الكورنيش القريب، وسمعت هدير الموج أيقنت أن البحر فعلًا يجيب.
وعند مقام أبي الدرداء وجدت نبض الحاضر يمتزج بعبق التاريخ ، أكاد أسمع وقع أقدام الصحابة وهم يعبرون المدينة التي فتحت ذراعيها للنور.
وقفت طويلًا، أتخيل يومها كيف امتزج الأذان بصوت النوارس، وكيف صار للمدينة قلبان موجٌ وقباب.
وفي مسجد سيدي الشاطبي، جلست في ركنٍ أتأمل البحر القريب. أسمع آيات الذكر الحكيم، فخيل إليَّ أنني أسمع تسابيح تنساب مع صوت الموج.
وداخل مسجد سيدي جابر شعرت أن المدينة ترتدي جلباب درويشٍ، الهواء مغمورٌ برائحة سجادٍ عتيقٍ ودموعٍ قديمة، والضوء يتسلل من النوافذ العالية إلى الرؤوس المنحنية لله في خشوعٍ ، أجلس في طرفٍ قصي، لا أطلب شيئًا؛ ففي حضرة الأولياء لا تقال الحاجات.
أغمض عيني فأسمع في داخلي تراتيل وجوهٍ عبرت قبلي المكان، وتركت على الجدران أثر أنفاسها، ومضت مطمئنة.
هناك، يتخفف القلب من صخبه، وفي حنانٍ صامت خرجت، وما أن عبرت الباب إلى الشارع حتى استقبلني صوت المدينة من جديد، فإذا بقضبان الترام تمتد أمامي، وقد بدأ الصدأ يزحف عليها، أقف لحظةً أحدق في الحديد المتعب، وأقول في سري:
- حتى القضبان تحتاج أحيانًا إلى دعاءٍ.
ثم اتجهت شرقًا، إلى مقام سيدي بشر أمام البحر الذي لا ينام.
يضرب الموج الشاطئ يشارك الزائرين تسبيحهم. جلست على سورٍ البحر أتأمل القبة، اقترب مني شابٌّ يطلب السكينة.
سألته:
- وهل وجدتها؟
قال مبتسمًا:
- وجدتها في نور المكان .
كان في صوته صدق الموج حين يرتطم بالصخر، فشعرت أن سيدي بشر ما زال يعلم الناس بصمته.
وقبل أن يختم النهار صفحته، قصدت مسجد سيدي المتيم. المكان هادئ فيه سر العشق، جلست بجوار سور الإسكندرية، وأغمضت عيني. رأيت مدينة من نورٍ، قبابها نجومٌ، وبحرها محرابٌ أزلي.
عند الغروب، عدت إلى الكورنيش ونظرت للبحر
دعوت الله :
- يا رب، كما حفظت لهذه المدينة أولياءها، احفظ لها روحها.
فسمعت البحر يردد معي الدعاء، والإسكندرية رافعة كفيها للسماء.
قلت:
- يا سيدي، ما سر هذا النور الذي يفيض في المكان؟
ابتسم وقال:
- السر يا ولدي في القلب الذي عمر المكان، من أحب الله أحبه الناس، ثم أحبته المدينة.
تأملت الكلمات فشعرت أن المسجد مرآةٌ لروح الإسكندرية حين تتطهر من ضجيجها وتلبس رداء النور.
ثم سرت إلى مسجد تلميذه، سيدي ياقوت العرش،
في الطريق شيء خفي يقودني، خيط من نورٍ يمتد من ضريح الشيخ إلى قلبي. في الداخل سكينةٌ عميقةٌ مثل بئرٍ لا قرار لها. امرأةٌ تضع يدها على الشباك الأخضر، ودموعها تنحدر في صمت. لم أسألها عن حاجتها؛ فالحاجات هنا تُسلَّم إلى الله دون وسيطٍ إلا المحبة.
ثم يممت وجهي صوب مقام سيدي العدوي، رأيت حلقة ذكرٍ، رجالًا يرددون الأسماء الحسنى بصوتٍ خفيض، لكن وقعه في قلبي ينبض، جلست بينهم، ورددت معهم، وحين انتهت الحلقة، قال شيخٌ نحيل:
- الإسكندرية مدينةٌ إذا ذكرت الله فيها، ردَّ عليك البحر.
ضحكت في سري من جمال العبارة، لكنني حين خرجت إلى الكورنيش القريب، وسمعت هدير الموج أيقنت أن البحر فعلًا يجيب.
وعند مقام أبي الدرداء وجدت نبض الحاضر يمتزج بعبق التاريخ ، أكاد أسمع وقع أقدام الصحابة وهم يعبرون المدينة التي فتحت ذراعيها للنور.
وقفت طويلًا، أتخيل يومها كيف امتزج الأذان بصوت النوارس، وكيف صار للمدينة قلبان موجٌ وقباب.
وفي مسجد سيدي الشاطبي، جلست في ركنٍ أتأمل البحر القريب. أسمع آيات الذكر الحكيم، فخيل إليَّ أنني أسمع تسابيح تنساب مع صوت الموج.
وداخل مسجد سيدي جابر شعرت أن المدينة ترتدي جلباب درويشٍ، الهواء مغمورٌ برائحة سجادٍ عتيقٍ ودموعٍ قديمة، والضوء يتسلل من النوافذ العالية إلى الرؤوس المنحنية لله في خشوعٍ ، أجلس في طرفٍ قصي، لا أطلب شيئًا؛ ففي حضرة الأولياء لا تقال الحاجات.
أغمض عيني فأسمع في داخلي تراتيل وجوهٍ عبرت قبلي المكان، وتركت على الجدران أثر أنفاسها، ومضت مطمئنة.
هناك، يتخفف القلب من صخبه، وفي حنانٍ صامت خرجت، وما أن عبرت الباب إلى الشارع حتى استقبلني صوت المدينة من جديد، فإذا بقضبان الترام تمتد أمامي، وقد بدأ الصدأ يزحف عليها، أقف لحظةً أحدق في الحديد المتعب، وأقول في سري:
- حتى القضبان تحتاج أحيانًا إلى دعاءٍ.
ثم اتجهت شرقًا، إلى مقام سيدي بشر أمام البحر الذي لا ينام.
يضرب الموج الشاطئ يشارك الزائرين تسبيحهم. جلست على سورٍ البحر أتأمل القبة، اقترب مني شابٌّ يطلب السكينة.
سألته:
- وهل وجدتها؟
قال مبتسمًا:
- وجدتها في نور المكان .
كان في صوته صدق الموج حين يرتطم بالصخر، فشعرت أن سيدي بشر ما زال يعلم الناس بصمته.
وقبل أن يختم النهار صفحته، قصدت مسجد سيدي المتيم. المكان هادئ فيه سر العشق، جلست بجوار سور الإسكندرية، وأغمضت عيني. رأيت مدينة من نورٍ، قبابها نجومٌ، وبحرها محرابٌ أزلي.
عند الغروب، عدت إلى الكورنيش ونظرت للبحر
دعوت الله :
- يا رب، كما حفظت لهذه المدينة أولياءها، احفظ لها روحها.
فسمعت البحر يردد معي الدعاء، والإسكندرية رافعة كفيها للسماء.