ها هو عوده القديم مهملٌ في ركنٍ متربٍ، قد اهترأ جرابه، وظهرت أوتاره المرتخية، ولا يدري على وجه اليقين هل ارتخت بعد غيابكِ أم بعد أن أصاب المرض يده؛ فصار عاجزًا عن العزف..
أتذكرين جلستكما المتكرّرة على تلك الأريكة وأنامله وريشته تداعبان الأوتار، وما إن تشرب أذناكِ اللَّحنن وتنسجمين؛ حتّى تصيحي بدهشةٍ طفوليَّةٍ، وأنت تطالعين قدميك الحافيتين اللتين تخطوان بخفَّةٍ فوق سحاباتٍ بيضاء، تجتاز سماءً عرجتما إليها للتوّ؟!
أتصدقين أن تلك الغرفة منذ غيابكِ صارت تحكم قبضتها على حنجرته، والهواء الشحيح صار يمرُّ إلى رئتيه بالكاد، وفي غمرة الاختناق، وبمجرد أن تلامس يداه صندوق عوده يرتجف قلبه، وينداح في قلبه شجنٌ قاسٍ، وتنبعث بدون عزفٍ من العود المهمل والأوتار الساكنة ألحانٌ طازجةٌ تشبه ألحانكما القديمة.
هل تبصرين علبة سجائره المعدنية المغلَّفة بقطيفةٍ قرمزيَّةٍ بهتت بمرور السنوات؟ تلك العلبة التي تقبع دائمًا إلى جواره؛ فتتحرَّك أنامله الشرهة صوبها بتتابعٍ وبحركاتٍ آليَّةٍ مدربةٍ؛ فيلتقط من داخلها سيجارة وراء أخرى، يشعلها،
ويمزج ما جثم فوق صدره من قار الحزن بزفرات السَّأم؛ فتصنع متاهاتٍ تتعقَّد تلو متاهاتٍ تتراكم، وتُعبّق الغرفة بسحب دخانٍ، تعجز عن إخفاء وجهكِ الذي يهيمن على جدران الغرفة متآكلة الطلاء صباح مساء، فيشرق كشمسٍ في المناطق الملساء، ويضيء كقمرٍ الثنايا والحفر والنتوءات، ويصب في شرايينه أنينًا وشرابًا رائقًا، يشبه وجهك النابض بالطّيبة والصَّفاء.
أتعلمين أن هاتفه الذي يضعه على صوان سريره بجوار علب الأدوية، والذي لم يعد يسمع رنينه إلا في مراتٍ قليلةٍ نادرةٍ، صار مصدر سلواه، ليس بما يحمله من أصوات حيَّة تهاتفه بل أصوات مسجلة على ملفاتٍ مضغوطةٍ لموسيقى يلوذ بها من وحدته القاتلة؟! يلتقط هاتفه، يلامس إحدى الأيقونات؛ فتبدأ (السوناتا) حوارها النَّاعم، وينثال الحرير؛ فيحاكي نغمات البيانو بصوته؛ يمتزج الصوتان، يصيران صوتًا واحدًا، وتظلين أنتِ في المقابل صوت الكمان، وتطول بينكم المناجاة .. حتَّى (الجرامافون) الذي تعطَّل تماما منذ سنواتٍ، كلَّما وضع أسطوانة على إبرة التشغيل من تلك الأسطوانات التي أصابها جميعًا العطب، يشقُّ صوتكِ الصمت، يسمعكِ ترددين مذهب أغنيةٍ، تخفضين القرار، وترفعين الجواب..ربما تكتشفين بنظرةٍ واحدةٍ إلى كتبه المهملة القابعة على أرفف مكتبته، حجم الغبار الذي تكدَّس فوقها. أكنتِ تتوقعين يومًا أنَّه سيخاصم كتبه تلك التي كان
يواظب على التهام صفحاتها، وأنه لن يقترب منها إلا لمامًا بعد أن يفتر بصره الحادّ من شدَّة البكاء؟!
الآن انظري إلى تلك الوسادة القطنيّة التي يحرص في الآونة الأخيرة على أن يسند إليها ظهره بعد أن باتت وسيلته الوحيدة القادرة على تخفيف آلام عموده
الفقريّ؟ أتصدقين أنه ما إن يلمسها، حتى تحملكِ إلى جواره، كأنَّكما لم تفترقا قطُّ؛ فتشاركينه إيَّاها، تضعين رأسكِ بجوار رأسه، تتبادلان النظرات والقبلات والصَّمت والوجع والمسرَّات؟!.
أتعلمين أن الأوقات تمرُّ ثقيلةً داخل تلك الغرفة وخارجها، وأن الأيَّام صارت من فرط رتابتها متشابهة؛ يضاف منها كلَّ يومٍ رقمٌ تصاعديٌّ جديدٌ إلى قائمة أيَّامه المنسيَّة؟! يقول من يعرفونه عنكِ وعنه: هزمه غيابكِ؛ فصار دائم الصَّمت
والشُّرود مادام بينهم، لكنَّهم ضبطوه ذات مرة في أحد حمامات المطاعم متلبسًا، يقف أمام إحدى المرايا يحدِّق فيها، ويثرثر بصوت عالٍ، ويتشاجر بحدّة وانفعال مع..
صورته التي يبصرها في المرآة.. لقد ساءت حالته في الآونة الأخيرة.. ها هو أمامكِ مباشرةً فوق فراشه القديم، تطالع عيناه الواهنتان محتويات غرفته، يقول طبيبه: صارت ذكرياته شجرةً يابسةً أتي عليها الاحتراق، فما باله يذكركِ ولا ينساكِ؟! أتسكنين حقًّا أشياءه البسيطة المبعثرة، أم أنَّ ثمَّة رائحةً غامضةً تجذبه إلى تلك الأشياء بعد أن صار هو الشجرة المحترقة وصرت أنتِ الرَّماد؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
sadazakera.wordpress.com
أتذكرين جلستكما المتكرّرة على تلك الأريكة وأنامله وريشته تداعبان الأوتار، وما إن تشرب أذناكِ اللَّحنن وتنسجمين؛ حتّى تصيحي بدهشةٍ طفوليَّةٍ، وأنت تطالعين قدميك الحافيتين اللتين تخطوان بخفَّةٍ فوق سحاباتٍ بيضاء، تجتاز سماءً عرجتما إليها للتوّ؟!
أتصدقين أن تلك الغرفة منذ غيابكِ صارت تحكم قبضتها على حنجرته، والهواء الشحيح صار يمرُّ إلى رئتيه بالكاد، وفي غمرة الاختناق، وبمجرد أن تلامس يداه صندوق عوده يرتجف قلبه، وينداح في قلبه شجنٌ قاسٍ، وتنبعث بدون عزفٍ من العود المهمل والأوتار الساكنة ألحانٌ طازجةٌ تشبه ألحانكما القديمة.
هل تبصرين علبة سجائره المعدنية المغلَّفة بقطيفةٍ قرمزيَّةٍ بهتت بمرور السنوات؟ تلك العلبة التي تقبع دائمًا إلى جواره؛ فتتحرَّك أنامله الشرهة صوبها بتتابعٍ وبحركاتٍ آليَّةٍ مدربةٍ؛ فيلتقط من داخلها سيجارة وراء أخرى، يشعلها،
ويمزج ما جثم فوق صدره من قار الحزن بزفرات السَّأم؛ فتصنع متاهاتٍ تتعقَّد تلو متاهاتٍ تتراكم، وتُعبّق الغرفة بسحب دخانٍ، تعجز عن إخفاء وجهكِ الذي يهيمن على جدران الغرفة متآكلة الطلاء صباح مساء، فيشرق كشمسٍ في المناطق الملساء، ويضيء كقمرٍ الثنايا والحفر والنتوءات، ويصب في شرايينه أنينًا وشرابًا رائقًا، يشبه وجهك النابض بالطّيبة والصَّفاء.
أتعلمين أن هاتفه الذي يضعه على صوان سريره بجوار علب الأدوية، والذي لم يعد يسمع رنينه إلا في مراتٍ قليلةٍ نادرةٍ، صار مصدر سلواه، ليس بما يحمله من أصوات حيَّة تهاتفه بل أصوات مسجلة على ملفاتٍ مضغوطةٍ لموسيقى يلوذ بها من وحدته القاتلة؟! يلتقط هاتفه، يلامس إحدى الأيقونات؛ فتبدأ (السوناتا) حوارها النَّاعم، وينثال الحرير؛ فيحاكي نغمات البيانو بصوته؛ يمتزج الصوتان، يصيران صوتًا واحدًا، وتظلين أنتِ في المقابل صوت الكمان، وتطول بينكم المناجاة .. حتَّى (الجرامافون) الذي تعطَّل تماما منذ سنواتٍ، كلَّما وضع أسطوانة على إبرة التشغيل من تلك الأسطوانات التي أصابها جميعًا العطب، يشقُّ صوتكِ الصمت، يسمعكِ ترددين مذهب أغنيةٍ، تخفضين القرار، وترفعين الجواب..ربما تكتشفين بنظرةٍ واحدةٍ إلى كتبه المهملة القابعة على أرفف مكتبته، حجم الغبار الذي تكدَّس فوقها. أكنتِ تتوقعين يومًا أنَّه سيخاصم كتبه تلك التي كان
يواظب على التهام صفحاتها، وأنه لن يقترب منها إلا لمامًا بعد أن يفتر بصره الحادّ من شدَّة البكاء؟!
الآن انظري إلى تلك الوسادة القطنيّة التي يحرص في الآونة الأخيرة على أن يسند إليها ظهره بعد أن باتت وسيلته الوحيدة القادرة على تخفيف آلام عموده
الفقريّ؟ أتصدقين أنه ما إن يلمسها، حتى تحملكِ إلى جواره، كأنَّكما لم تفترقا قطُّ؛ فتشاركينه إيَّاها، تضعين رأسكِ بجوار رأسه، تتبادلان النظرات والقبلات والصَّمت والوجع والمسرَّات؟!.
أتعلمين أن الأوقات تمرُّ ثقيلةً داخل تلك الغرفة وخارجها، وأن الأيَّام صارت من فرط رتابتها متشابهة؛ يضاف منها كلَّ يومٍ رقمٌ تصاعديٌّ جديدٌ إلى قائمة أيَّامه المنسيَّة؟! يقول من يعرفونه عنكِ وعنه: هزمه غيابكِ؛ فصار دائم الصَّمت
والشُّرود مادام بينهم، لكنَّهم ضبطوه ذات مرة في أحد حمامات المطاعم متلبسًا، يقف أمام إحدى المرايا يحدِّق فيها، ويثرثر بصوت عالٍ، ويتشاجر بحدّة وانفعال مع..
صورته التي يبصرها في المرآة.. لقد ساءت حالته في الآونة الأخيرة.. ها هو أمامكِ مباشرةً فوق فراشه القديم، تطالع عيناه الواهنتان محتويات غرفته، يقول طبيبه: صارت ذكرياته شجرةً يابسةً أتي عليها الاحتراق، فما باله يذكركِ ولا ينساكِ؟! أتسكنين حقًّا أشياءه البسيطة المبعثرة، أم أنَّ ثمَّة رائحةً غامضةً تجذبه إلى تلك الأشياء بعد أن صار هو الشجرة المحترقة وصرت أنتِ الرَّماد؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشياء بسيطة مبعثرة:قصَّة: كرم الصَّبَّاغ
ها هو عوده القديم مهملٌ في ركنٍ متربٍ، قد اهترأ جرابه، وظهرت أوتاره المرتخية، ولا يدري على وجه اليقين هل ارتخت بعد غيابكِ أم بعد أن أصاب المرض يده؛ فصار عاجزًا عن العزف..…