مازن أكثم سليمان - أُسمِّي المَداراتِ بأحلامها...

يا لدمعتِي
وهيَ تُحنِّي الأطيافَ بإغوائِها..!!
...
من نافذَةِ غُرفتي: تلكَ العيْنُ الكونيَّةُ؛ هُناك قريباً قصيَّاً أو رُبَّما في مَساكنِ المُعلِّمينَ تَقَابَلَ المَشروعُ السَّابِعُ وحيُّ الزِّراعةِ كعجوزيْنِ يشربانِ المتَّةَ أمامَ بابِ بيتِهِما، وقصَّا لبعضهِما بعضاً جميعَ الحكاياتِ القديمَةِ عنِ المُشاغِبِ الرَّحَّالَةِ المَمسوسِ بينَ مَدارسِ أنيس عبَّاس ولؤي سليمة وسُهيل أبو الشَّملات..
...
في حدَقَةِ مَنزلِنا المَسروقِ هُناكَ
تسارَعَ عابرونَ وعابراتٍ
على رصيفِ أشجارِ الكينا
مُوديلاتٌ تتبدَّلُ وسُعاةُ ضَوءٍ ولاهثونَ بلا غايةٍ
ومِنْ بينِ فراغاتِ الأغصانِ والأوراقِ
لوَّحَ البَحرُ من بعيدٍ كعادتِهِ
بمَوجةٍ ضالَّةٍ تمُطُّ نفسَها
وتتمسَّكُ بحافَّةِ طاولتي
مُغرِقَةً بأسماكِها الشَّهوانيَّةِ
جامعَةَ تشرين المُتمدِّدَةِ في المُنتصَفِ
كأُنثى تَنفُثُ لهَبَ مَسامِها السَّاحِرَةِ
تشبيهاتٍ تَستحِمُّ بينَ قمَّةِ النَّبي يونس شرقَ اللَّاذقيَّة والجبَلِ الأقرَع شَمَالَها،
أو يَخضورٍ مُسرَّبٍ لشجرَةِ زنزلخت لطالَما أغرَتْ عُشَّاقَها في شارعِ بغداد:
_ كنتَ مُتورِّطاً من شُرفَةِ بيتِكَ بالطُّيورِ والفزَّاعاتِ في حقلِ الجَمَالِ؛ لكنَّ المَحاصِيلَ في مُروجِ القَصائِدِ: ثمارُ الفَضائحِ، لا ثمارُ الأسرارِ.
...
_ صرخَ النَّورسُ الضَّائِعُ بينَ مطعمِ العصافيري والكورنيش الجنوبيّ:
دعوهُ يبكي..
كلذَّةِ سُؤالٍ تدحرَجَ من أكمامِ قميصٍ صيفيٍّ..
دعوهُ يتناثرُ عارياً..
كتقاطُعِ شارع هنانو وسُوقِ الصَّاغَةِ
في شَرايينِهِ التي لن يعرِفَها
إلَّا القليلُ ممَّن تبقَّى
من أشباحِ قَوسِ قُزَحٍ الثَّكلى.
...
_ نادَى السُّنونو الزَّائِغُ بينَ المتحَفِ وحديقَةِ البطرني:
دعوهُ يَرثِي الأراجيحَ
كشَاهِدٍ يحِنٌّ إلى كُوَّةٍ نائيةٍ
كم خلَّصَ عبرَها المجازَ
من علاماتِ التَّرقيمِ
كمَداخلِ الحاراتِ طليقَةً
بعدَ نسيمٍ خريفيّ.
...
_ صهَلَتْ مدرسَةُ جُول جَمَّال، وأنَّبتْها ساحةُ الشِّيخ ضاهر:
دعوهُ يَنقسِمُ بارَاتٍ، ولا يُقسِمُ غارَاتٍ..
ترنَّمُوهُ رُسومَ تسكُّعٍ رحيمٍ
ولا تحدُّوهُ كدفتَرِ يوميَّاتٍ
كونُوا كرحمٍ ثانٍ لدُموعهِ
مذ حامَ في حيِّ الأميركان
كَمَاناً لأوتارِ الذِّكرياتِ المُشتَّتَةِ
التوَى كاحِلُ الهواءِ في رشاقتِهِ
حُرِّيَّتُهُ فَرائِسُ تتلوَّى
في مَخالبِ جَوارِحَ فقسَتْ في المُخيِّلَةِ
وتقمَّصَتْها مَدَىً.
...
/ لم يتبدَّدْ أحدٌ غيري،
لأنَّهُ لم يبقَ في هذا الوُجودِ المَنسيِّ
مَنْ هُوَ أشدُّ خِفَّةً منِّي.. /
...
لن أتمزَّقَ أبداً بعدَ الآن؛
بحرٌ كاملٌ هرَّبتُهُ في جَيْبٍ مَثقوبٍ
بينَ الشَّاطئِ الأزرق
وقوسِ النَّصرِ في الصَّليبة
بحرٌ كامِلٌ أنكرَ حُقوقَ مِلْكيتِي
فشكرتُهُ بقُبلةٍ شاهِقَةٍ
في عين إم إبراهيم
دوَّنوها في البطاقةِ الشَّخصيَّةِ:
لقيطة.
...
_ لن أُكذِّبَ بتَلاتِ الإشاعَةِ وهيَ تترامَى كشَراراتِ النَّقصِ هذهِ المرَّة:
]في الزُّجاجةِ التي رماها السَّكّيرُ على الصَّخرةِ ثورةٌ كُلَّما نظرَتْ نحوَ الأُفُقِ ذابَتْ مَنارةُ شارعِ المغربِ العربيّ كشَمعةٍ وتمايَلَتِ السُّفنُ الغريبَةُ في قلبي لأنَّها ضَمِنتْ مَحاسِنَ عدمِ الوُصولِ [.
...
هذا الألمُ القديمُ الباذخُ في نقِيِ عظامِي
شِعريَّةُ الماءِ الشَّرسَةُ
رحيقُ الجُنونِ الماجِنُ
كوكَبُ الغَرابَةِ رقصاً
الثَّغرَةُ الباهِرَةُ التي يحتاجُها الأرَقُ
تمويهاً للإطلالاتِ، اختلافاً للنُّدوبِ
تملُّصاً من جهةٍ على السَّرابِ
تجدُّداً من جهةٍ على المَجهولِ
ونفخاً في نُسْغِي
كي أُحرِّرَ غيْمَةً
من التزامِها المطَريِّ
بإرواءِ أيَّةِ أرضٍ
لكنْ من دونِ جدوى.
...
/ الآنَ الآنَ؛ يتَّصِلُ بي ياسمينُ المَشروعِ الأوَّلِ، ويَشِي بعطرِ اللَّيلِ وزهرِ اللَّيمونِ: _ قبلَ حُلولِ نيسانَ يَهدِرونَ يا هذا سائلَهُم العطريَّ اشتياقاً لمَدارِ اشتياقِكَ، فهل عرفتَ للتَّوِّ إلى أينَ فرَّ منكَ ألبومُ الصُّوَرِ العتيقَةِ..؟!! /
...
أيَّتُها اللَّيالي الجاثمَةُ في مرآتِي
كبَثٍّ عالِقٍ على مَشهَدِ قتلٍ
أو كنادِلٍ في كسَبَ
لطالَما تنبَّأَ بغِيابٍ آتٍ
يا ذهَبَ أوغاريت ذاهباً نشْلَاً
بينَ أوَّلِ أبجديَةٍ في التَّاريخِ وأوَّلِ أُغنيَةٍ
أنجدُونِي بزَنبقةٍ تدلَّتْ من حديقَةِ منزلٍ أرضيٍّ في حيِّ العامود
أنجدُونِي بصَمتٍ جليلٍ لا ظِلالَ لهُ في مَشروع شريتح
أنا البُرديَّةُ التَّالفَةُ ارتدتنِي فراشَةٌ كانتْ تضَعُ سمَّاعاتِ (الوُوكْمان)
وتُقشِّرُ لي مَسافتيْنِ وزمنيْنِ معاً، فلا أُصدِّقُ طِيبَ مَذاقِهِم أبداً:
_ هأنذا أستمِعُ إلى إلقاءِ المُتنبِّي والمعرِّي لدِلَاءِ صُورِهِما الشِّعريَّةِ، طُعْماً مارِقاً لصِنَّاراتِ الصَّيادينَ المَكلومينَ حينَما زارا اللَّاذقيَّةَ، وفَتْكاً بطُمأنينَةِ الكَينونَةِ حينَما انحازَتِ الوردةُ إلى نُدرَةِ العِنَاقِ الأزرق..
...
أنا النَّهْرُ الذي ضاقَ ذرعاً بضفَّتيْهِ
فارتمَى ماؤُهُ قُدُماً نحْوَ الأمامِ
مُدغدِغاً مَفاتِنَ البَحْرِ تحتَ ثوبِ البَحْرِ
كأنَّما اعشوشَبَتِ الأطلالُ
في قمَرٍ آيِبٍ مِنَ الخُلودِ
كأنَّما تغيَّرَ شيءٌ في دمعتِي
وهيَ تُسمِّي المَداراتِ بأحلامِها.
...
كم تُبَادُ أعصابِي يا أبتِي
كلَّما اختطَفتنِي
دوريَّةُ الحَنينِ السَّاحليِّ هذهِ
ولم تهُزّ ريحُ النَّبيذِ بعُنفٍ
ذاكَ النَّهدَ المُتدليَ
من سَطحِ العالَمِ
في شارعِ الجُمهوريَّة.

مازن أكثم سليمان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى