صديق أبي

كان المساء ثقيلاً في بيتنا القديم.
صوت المذياع الخافت يتسلل من الغرفة المجاورة، وأبي يجلس في الصالة، ينتظر صديق عمره.

قال وهو يعدل جلسته:
— د. عبد النبي ، رجل لا يتكرر.

جاء د. عبد النبي بعد قليل.
كان رجلًا كبيرًا، صاحب منصب وهيبة، يدخل بيتنا محاطًا بالتقدير، ويغمر أبي بعبارات الود، كأنهما أخوان لم تفرقهما الأيام.
نهض أبي مرحبًا، وتعانقا طويلًا، ثم جلسا يتبادلان الحديث.

وقفت أراقب.
كان يسأل عني، وربما أحضر لي شيئًا من باب الكرم…
كل شيء كان يبدو صحيحًا.
إلا شيئًا واحدًا…

هناك مواقف لا تموت…
تذبل حولها السنوات، تتبدل الوجوه، تتغير نبرة الصوت… لكنها تظل في الداخل كما هي، حادة، واضحة، كأنها حدثت الآن.

كنت أشعر به، ولا أستطيع تسميته.

نظرة عابرة…
نبرة صوت تختلف قليلًا حين يكلمني…
برود خفي، كأن بيني وبينه حسابًا لم أفتحه أنا.
في إحدى الزيارات، التفت أبي إليّ وقال:
— سلّم على عمك.

تقدمت.

مددت يدي، فصافحني… لكن يده كانت باردة على نحو غريب.
ضغط على أصابعي قليلًا… أكثر مما ينبغي.
نظرت إليه، فوجدت عينيه ثابتتين في وجهي، لا تبتسمان.

سحب يده ببطء، وقال بصوت خافت لا يسمعه أبي:
— شدّ حيلك… أنت لسه قدامك طريق طويل.

لم أفهم جملته وقتها… لكن نبرته لم تكن عادية، ولا تدل على أنها مجرد نصيحة
هناك لحظات أخرى… دقيقة، مركزة، مقصودة…
لحظة ينكشف فيها الوجه الحقيقي للإنسان، دون أقنعة، دون مجاملة.
وهذه لا تُنسى.

عندما كبرت قليلًا… فهمت.

لم يكن د. عبد النبي يكرهني أنا.
كان يكره أبي… أو ينافسه… أو يغار منه…
لكنه لم يستطع أن يواجهه، فمرر ما في صدره نحوي، في صمت، في إشارات، في لحظات صغيرة لا تُمسك… لكنها تُحَس.

ثم جاء ذلك اليوم.

كان أبي في الداخل، يُعد الشاي.
وتركني معه وحدي في الصالة.

سألني فجأة:
— إنت في سنة كام دلوقتي؟

أجبته بتردد:
— في الثانوية.

ابتسم ابتسامة خفيفة… لكنها لم تصل إلى عينيه.
نظر إلى الدفتر المفتوح أمامي، ثم أمسكه دون إذن، وبدأ يقلب الصفحات بسرعة، كأنما يبحث عن خطأ.

قال ببرود:
— ده خطك؟

— أيوه.

هز رأسه ببطء، ثم قال:
— وحش… زيك.

تجمدت في مكاني.

حاولت أن أبتسم، أن أعتبرها مزحة ثقيلة، لكنه لم يبتسم.
أغلق الدفتر بعنف خفيف، ثم ألقاه على الطاولة، فانزلقت الأوراق قليلًا.

اقترب مني أكثر، حتى شعرت بأنفاسه:
— أبوك فاكر إنك هتبقى زيه؟
وسكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخفض:
— مش كل الناس تنفع.

لم أجد ما أقوله.

كنت أنظر إليه… لا أفهم لماذا أنا تحديدًا.
لم أكن قد فعلت شيئًا.

مد يده فجأة، وربت على خدي ربتة قاسية، أقرب إلى الصفعة المكتومة، وقال:
— ركّز… بدل ما تضيع.

سمعت صوت أبي يقترب.

وفي لحظة… تغير كل شيء.

ابتسم الرجل، ابتسامة واسعة هذه المرة، وتراجع خطوة إلى الخلف، وعاد صوته دافئًا:
— ابنك شاطر… بس محتاج شوية تركيز.

دخل أبي، وضحك بفخر، ووضع يده على كتفي:
— طبعًا… خللي بالك ابني ده النسخة الحلوة مني...

أنا لا أتذكر التفاصيل كلها…
لكنني أتذكر كيف انقلبت ملامحه فجأة، كيف خرجت من نظرات عينيه قسوة لم يسبق لي أن أراها، كيف صب غضبه عليّ كأنني أنا هدفه الحقيقي منذ البداية.
كانت لحظة واحدة…
لكنها كانت كافية.

في الأسبوع التالي، عاد.

دخل البيت بنفس ابتسامته القديمة، وجلس مع أبي كعادته، ثم التفت إليّ فجأة وقال:
— إنت بتاخد إنجليزي إزاي؟

لم أجب.

هز رأسه قليلًا، ثم قال:
— تعال عندي البيت كل يوم، وأنا هشرح لك... درس خصوصي ليك يا سيدي هدية من عمك.

نظرت إليه.

كان صوته هادئًا… عاديًا…
لم يغيّر طريقته… فقط فتح بابًا آخر.

جلست أمامه مرات كثيرة.
كان يشرح… بتعب، بجدية، أحيانًا بصبر لم أتوقعه.
كان يعيد الشرح، يكتب، يصحح، ويطلب مني أن أكرر…
كأن شيئًا في داخله يحاول أن يكون أفضل مما كان.

وكنت أجلس… أستمع… أفهم… وأتعلم.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

لم أنسَ.

كنت أراه أمامي… بنفس اليد التي ربّتت على خدي يومًا بقسوة.
بنفس الصوت الذي قال لي ما قاله.

كل جملة كان يشرحها… كانت تمر،
لكن تلك الجملة القديمة… كانت باقية.

لم أكرهه،
لكنني لم أحبه أبدًا بعد ذلك.

مرت سنوات.

كبرت، وغاب د. عبد النبي عن بيتنا شيئًا فشيئًا.
ثم جاء الخبر ذات يوم.

— مات.

هكذا قالها أبي وهو يبكي صديقه.

وقفت أترحم عليه…
بصعوبة.

نظر إليّ أبي وسأل:
— ترحمت عليه؟

أومأت برأسي.

لم أذكر لأبي شيئًا…
لم أشأ أن أكسر صورته، أو أزرع في قلبه شكًا متأخرًا لا فائدة منه.
احتفظت بالموقف لنفسي… كما يحتفظ الإنسان بندبة في مكان لا يراه أحد.

ربما سامحته…
أو هكذا أحب أن أصدق.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك… وأقسى:
ورغم أنه في الحقيقة قدم لي مساعدة حقيقية، عشرات الدروس والشرح والتعب، ولكني
لم أنسَ.

نحن أحيانًا لا نغادر من آذانا…
نجلس أمامهم، نتعلم منهم، نرد عليهم بهدوء…
لكن في الداخل،
نضع بيننا وبينهم مسافة لا تُرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى