لستُ أنا… بل أنتِ

وقفت مها أمام ليلى، أمّها، بعينين تسبحان بأسئلةٍ أكبر من عمرها: — ألن يعود أبي مرّةً أخرى؟

رفعت ليلى رأسها ببطء… كانت ملامحها قاسية، وقالت بصوتٍ خافت: — لا.

— …هل هو غاضب منكِ؟

تغيّر وجه ليلى: — اصمتي…

تراجعت مها، وانحدرت دموعها في صمت، ثم اندفعت خارجة.

جلست في حجرتها… أخذت ترسم بيتًا صغيرًا وثلاثة أشخاص، إلا أنها محَت أحدهم… ثم أعادت رسمه بعيدًا… وما لبثت أن توقفت قليلًا… ثم عادت فمحَت البيت نفسه.

جعلت منى تحدّق في ليلى: — مها لم تعد تفهمك… ابنتك تخافك.

كانت منى كأختٍ كبرى لليلى، تحاول دائمًا الإمساك بما يتفلّت منها.


***

قال الطبيب بهدوءٍ محسوب، وهو يتطلع بحزنٍ إلى ليلى الراقدة على السرير، جسدها منهك، وعيناها مغلقتان كأنها انسحبت من العالم، بينما أنفاسها متقطعة توحي بمرضٍ أرهقها طويلًا، وقد بدا القلق واضحًا على وجه منى ومن حولها وهم يراقبونها في صمتٍ ثقيل: — هذه ليست صدمة مفاجئة… بل نهاية طريق.

قالت منى بقلق، وعيناها لا تفارقان وجه ليلى: — ماذا تعني؟

تنهد الطبيب قليلًا، ثم قال: — حياة بلا حدود… بلا توقف… والجسد له حسابه.

ثم أضاف بعد لحظة، وهو يرفع نظره عن السرير: — أين د. سامر زوجها؟


***

لم يكن د. سامر مجرد زوج… كان قبل ذلك… أستاذها…

هو أول من وقف بها على المسرح… أول من التقط ارتباكها، وعدّله دون أن يحرجها… أول من آمن بها، أكثر مما آمنت هي بنفسها. والأهم من ذلك كله… أنه كان يحبها…

حبًا لم يكن هادئًا… بل حبًا يقترب من الاحتراق.

كان يراجع العقود… يختار… يرفض… يهدّئ… يصلح… تدريجيًا… انسحب من حياته هو… من طلابه… من اسمه… حتى صار كل شيء فيها… ولا شيء خارجها.

وكان حين تنجح، تغمره سعادة بالغة، ويزداد عزمه على مواصلة رعايتها والدفع بها إلى قمة المجد والشهرة.


***

في الليلة الأخيرة…

دخلت البيت متعبة، غير متزنة.

— تأخرتِ.
— لا شأن لك.
— كنت قلقًا عليكِ.
— لا أحتاج قلقك.

اقترب قليلًا:
— لم أقل إنك تحتاجين… أنا فقط…

قاطعته:
— سئمت هذا كله.

— ماذا؟

سكت لحظة:
— لأنني كنت قريبًا.

— بل لأنك تفرض نفسك.

قال سامر في حسرة:
— بعد كل ما فعلته؟! لقد سخّرت نفسي لك… الآن تتنكرين لي؟… الآن أصبحتُ فرضًا… قيدًا عليكِ؟!

قالت ليلى في قسوة:
— أستطيع أن أفعل كل شيء وحدي… أنا لست طفلة تحتاج وصاية أحد.

قال سامر في حزن:
— طبعًا… أنتِ الآن نجمة كبيرة، يتهافت الجميع على إرضائها… جماهير ومسؤولون كبار… صفوة المجتمع… أما أنا… فمجرد زوج لا يرقى لمستواكِ الحالي…

ثم أضاف، بصوتٍ خافت يكاد ينكسر: — انتبهي يا نجمة… أنتِ بدوني تضيعين.

قالت في حدّة:
— لا تعطِ نفسك أكثر مما تستحق… أنا التي صنعت نفسي.

— … لم تكوني وحدكِ.

— تقصد ماذا؟

— أقصد… أنني كنت هنا.

— أنت تعيش في ظلي.

ابتسم… لكن عينيه لم تبتسما:
— أنا أختفي… كي تظهرِي.

ثم قال في ضيقٍ صادق:
— المشكلة ليست فيّ أنا… …
لستُ أنا… بل أنتِ.

انسحب سامر في هدوء… ثم خرج من البيت… ولم يعد.

***

بعد عدة أيام، أرسل سامر إلى ليلى ورقة طلاقها.

ليجد نفسه في مرحلة عصيبة من حياته… بدا وكأنه لا يصدق أن الحياة يمكن أن تمضي بدونها.

وقف أمام معهد التمثيل طويلًا… … كأنه يتذكر الحياة قبلها…

... هل يمكنه حقًا أن يأكل، يشرب، يفرح وحده بدونها؟!

في أول تجربة أداء… نسي جملة… خرج… وضحك وحده… ضحكة قصيرة… كأنه يسخر من نفسه.

كان يتعلم ما كان يعلّمه… لكن هذه المرة… بجسدٍ متعب… وقلبٍ مكسور لا ينسى.

في الليل… كان أحيانًا يفتح هاتفه… يتوقف عند اسمها… ثم يغلقه.


***

بعد مضي فترة قصيرة…

صار سامر اسمًا لامعًا، يُشار إليه بالبنان، وتُفتح له الأبواب المغلقة. لم يعد ذلك الرجل الذي ينسحب في الظل.

في أحد العروض…

وقف سامر على المسرح… الضوء في عينيه… والجمهور غارق في العتمة.

أنهى الجملة الأخيرة… ثم سكت.

سادت برهة صمت قصيرة… كأن القاعة لم تستوعب بعد.

ثم بدأ التصفيق… مترددًا… ثم اتسع… ثم صار متصلًا.

لم يتحرك… ظل واقفًا كما هو، ينظر أمامه.

في الصفوف الأمامية… ثمة مقعد فارغ.

وقعت عيناه عليه… لثانية… ثم عادت إلى الجمهور.

انحنى سامر… مرة واحدة فقط… وحين استقام… لم تكن ابتسامته واسعة…

في الكواليس…

مرّ أحد الممثلين الكبار بجواره، وقال: — د. سامر… أنا كنت مؤمن بيك من زمان.

دخل سامر غرفته… وأغلق الباب. جلس.

ثم أخرج هاتفه… توقف عند اسمها…

لكن هذه المرة… وضع الهاتف إلى جواره، وهمس: — الآن يا ليلى… هل صرتُ ندًّا لكِ؟


***

وفي إحدى الليالي، بعد احتفالٍ كبير بنجاح فيلمه الأخير وتحقيقه لأعلى معدلات المشاهدة، وترشيحه لجائزة كبرى، جاءه اتصال هاتفي من منى، أخت ليلى…

— ليلى تموت.

لم يرد… تلعثم.

— إنها أم ابنتك.

تذكر آخر حوار بينهما…

أغمض عينيه طويلًا… ثم قال: — أين هي؟

***

حين دخل عليها في غرفتها…

اقترب ببطء… جلس.

ظل يتطلع إلى كل ما حوله… كأنه يبحث عن شيءٍ ضاع منه.

ألقت مها بنفسها بين أحضانه… لم يستوعب الموقف… دارت الدنيا به…

كانت ليلى مدثرة بغطاءٍ ثقيل في سريرها.

مدّ يده… ثم سحبها قبل أن يلمسها… ثم أعادها… ووضعها بهدوء قرب يدها… دون أن يمسكها.

راعه ما أصابها من شحوبٍ وهزال… لم تعد تلك الزهرة الجميلة… بل حطام امرأة.


***

نقل سامر ليلى إلى مستشفى كبير… تكفّل بكامل مصاريفها، خاصة بعدما علم أن الجميع قد تخلّى عنها، بعد نفاد أموالها.

ألغى كل ارتباطاته… فرّغ نفسه لها تمامًا… حجز لنفسه حجرة بجانبها في المستشفى.

كان يجلس إلى جوارها طوال اليوم…

أحيانًا تفتح عينيها… لا تراه… أو لا تعرفه. وأحيانًا تمسك يده بقوة… كأنها تخاف أن تسقط… فيتركها… لا يحرّك يده… فقط يبقى.

وفي مرة… بكت… فبكى بعدها… بصمت… حتى لا تسمعه.

في ليلة هادئة… كانت نائمة… همس بصوتٍ خافت: — لم أكن قويًا كما ظننتِ… كنت أختبئ فيكِ… ربما كنت أحتاجكِ… أكثر مما تحتاجينني.

همست ليلى: — أنا آسفة… لم أكن أراك كما ينبغي.

— كنتُ معكِ.

— أعرف الآن.


***

تعافت ليلى… خرجت من المستشفى، وكان سامر هناك، ينتظر، كأنما أنهى صراعًا طويلًا داخله قبل أن يراها.

وقفت أمامه… هادئة على غير عادتها، وفي عينيها رجاءٌ خافت: — هل نبدأ من جديد؟

نظر إليها طويلًا… نظرةً ممتدة، كأنه يودّ أن يحفظ ملامحها… ثم قال بصوتٍ منخفض: — لا.

تجمّدت ملامحها: — لماذا؟

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: — لأنني إن بقيت… سأضيع مرةً أخرى.

همست، وقد انكسر شيءٌ في صوتها: — وأنا؟

رفع عينيه إليها، وفيهما ألمٌ صريح: — ستتعلمين أن تقفي… دوني.

— أنا أحبك.

أغمض عينيه لحظة… كأن الكلمة مرّت فيه لا عليه، ثم قال بهدوءٍ موجع: — وأنا أيضًا.

صمت قليلًا… ثم أضاف: — لكن هذا لا يكفي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى