الأستاذة في انتظارك منذ نصف ساعة…
دخلتُ مكتبي مترددًا… لا أعرف لماذا شعرت، وأنا أمسك مقبض الباب، أنني أفتح غرفة قديمة في نفسي، لا باب مكتبي الخاص.
كانت تقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ظهرها نحوي، تتأمل شاطئ بحر الإسكندرية الغارق في ضوء الغروب.
وحين التفتت… داهمتني المفاجأة.
شهقت: — معقول… إنجي؟!
اقتحمني طوفان من المشاعر المتضاربة، وعاد بي الزمن سنوات بعيدة.
العينان العسليتان نفسهما… لكن الزمن أضاف إليهما شيئًا آخر؛ هدوء النساء اللواتي خسرن كثيرًا، فتعلمن كيف يخفين الألم تحت طبقة رقيقة من الكبرياء.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
جلستُ أمامها، بينما كانت هي تشعل سيجارة، ثم وضعت حقيبتها الصغيرة إلى جوارها بحركة هادئة ودقيقة، كأنها حريصة أن تبقى قريبة منها طوال الوقت.
ثم رفعت رأسها فجأة وقالت:
— بعد كل هذه السنين… ما زلت لا تستطيع النظر طويلًا في عيني.
تنفستُ ببطء.
كنت أعرف أن هذا اللقاء سيأتي يومًا ما، لكنني لم أتصور أن يكون بهذه الصعوبة.
قالت فجأة:
— لماذا فعلت بي هذا؟
كانت تجلس أمامي بثباتٍ مربك… كأن السنوات الطويلة مرت فوقي وحدي، وتركتها هي كما عرفتها أول مرة؛ بنفس النظرات الحادة… وحتى طريقة ضمّ أصابعها فوق فنجان القهوة، كأنها تستعد لمعركة.
ورغم هدوئها، لاحظت أن يدها الأخرى بقيت تستقر فوق الحقيبة بين لحظة وأخرى، كأنها تتأكد من شيء بداخلها.
تساءلت في أعماقي: هل جاءت بعد كل هذه السنوات لتنتقم مني؟!
وقبل أن أنبس بكلمة، أردفت:
— هل تعرف أنني لم أنم ليلة واحدة بسلام بعد ما فعلته بي؟
رفعت عيني إليها ببطء.
قالت وهي تراقب ارتباكي الخافت:
— أنت أحببتني منذ أول لحظة رأيتني فيها …أو !
توقفت إنجي لحظة، ثم أضافت في مرارة :
أو ربما هكذا أنا ظننت....
تنهدت وهي تعود بظهرها إلى المقعد:
— حاولت الاقتراب مني كثيرًا… وكنت دائمًا أضع ذلك الحاجز الرفيع بين الحب والزمالة، حتى لا أؤذيك، ولا أسمح لك بالاقتراب أكثر.
صمتت قليلا ثم نظرت إليّ في قوة :
— كان قلبي مشغولًا بعمر.
أنا لا أستطيع أن أنكر أنك، في البداية، كنت رائعًا معي… دعمتني في عملي، ساعدتني، فتحت لي أبوابًا كثيرة… لكنك، حين أدركت أنني لن أمنحك ما تريد، تحولت تدريجيًا إلى شخص آخر.
كم تساءلت: كيف للحبيب أن يؤذي من أحب؟
كيف يمكن للحب أن يتحول إلى كل هذا الكره والغضب والانتقام؟!
ربما كان حبك هو من ذلك النوع من الحب المجرم… حب الامتلاك الأناني…فقط مجرد رغبة محمومة كي تمتلك تلك الدمية الجميلة الملونة… وكأنني كنت، في نظرك، مجرد لعبة خشبية، ولما فشلت في الوصول إلى غرضك، حطمت هذه اللعبة إلى آلاف القطع والشظايا.
كانت كلماتها، رغم حدتها، هادئة… وهذا ما جعلها أشد قسوة.
— أنت أذيتني كثيرًا…. أضعت عليّ الترقية… أفسدت علاقتي بعمر… ثم كنت السبب في فصلي من العمل، وفضحي، والتشهير بي.
ابتسمت بمرارة:
— الجميع كان يراك الرجل النزيه المحترم… الموظف الهادئ الذي لا يرفع صوته أبدًا… لكنني وحدي رأيت وجهك الآخر؛ ذلك العقل البارد… الماكر… الذي يعرف كيف يحطم خصمه دون أن يترك أثرًا واحدًا.
واصلت حديثها:
— حربك الخفية صارت معلنة بمجرد أن عرفت بعلاقتي بعمر… والأسوأ أنه كان مديرك. كنت أظنك تكرهه.
ضحكت فجأة… ضحكة قصيرة موجعة.
— لكن المفارقة أنكما اليوم شريكان وأقرب الأصدقاء!
رفعت رأسي أخيرًا نحوها.
كان في عينيها سؤال أكبر من العتاب؛ سؤال امرأة أضاعها الجميع، ثم أكملوا حياتهم كأن شيئًا لم يحدث.
قالت بصوت منخفض:
— حين فضحتني، وشهّرت بعلاقتي بعمر، وأبلغت زوجته بعلاقتنا، حولت حياتنا إلى جحيم،وجعلته يتركني فورًا لينقذ نفسه، وأنا خسرت عملي وسمعتي معًا.
ثم مالت نحوي قليلًا، فاهتزت الحقيبة بجوارها حركة خفيفة، ولا أعرف لماذا شعرت وقتها بانقباضٍ غامض.
— وأنتم الرجال أكملتم حياتكم ببراعة مذهلة. أنت صرت مديرًا كبيرًا… ثم صاحب شركة… وعمر صار شريكك… وكأن المرأة التي احترقت بينكما لم تكن موجودة أصلًا.
صمتت قليلًا.
ثم قالت الجملة التي شقت قلبي نصفين:
— هل كان عقابك لي لأنني لم أمنحك ما تريد؟ أم لأنني أحببت عمر؟
ارتجفت أصابعي دون إرادة.
وفي اللحظة نفسها أدركت أن الإنسان لا يهرب من مواجهة ماضيه حقًا… هو فقط يؤجله.
رفعت عينيها نحوي بابتسامة شاحبة:
— كنت رجلًا … ذكيًا… وسيمًا… طموحًا… حتى إنني أحيانًا كنت أقارن بينك وبين عمر.
ثم همست:
— إنك خطير جدا.. هل تصدق أنك جعلتني في بعض الأحيان أشعر وكأنني أحبك فعلًا؟
تجمد الهواء بيننا.
أكملت:
— عشت فترة ممزقة بينكما… بين رجل أحببته… ورجل شعرت معه بالأمان. لكنني لم أستطع تجاوز ذلك الحد… لا أعرف لماذا.
ثم سألتني فجأة:
— هل تحب زوجتك الحالية؟
لم أجب.
— هل هي جميلة ؟
هل وجدت فيها ما كنت تبحث عنه عندي؟
ظللت صامتًا.
فابتسمت بحزن:
— أنت عشت حياتك، وربما نسيتني.. . أما أنا… فلم أنس. بل ظللت عالقة في مرارة تلك اللحظة القاسية… لم أستطع النسيان.
كل يوم… كل صباح… أستعيد كل الأحداث… كل الألم.
ورغم مرور كل هذه السنوات، لم أستطع تجاوز ما حدث.
وأدركت شيئًا متأخرًا جدًا: أن النسيان ليس قدرة… بل قرار لا يأتي في وقته أبدًا.
نظرت إليها ،وقد أوجعتني كثيرا كلماتها...
امرأة لم تخصني… ولم تكن لي يومًا.
امرأة أفسدتُ حياتها فقط لأنني أحببتها بطريقة جنونية… حب من طرف واحد... ثم أقنعت نفسي، لسنوات، أنني كنت فقط أدافع عن كرامتي.
أردت أن أقول شيئًا… اعتذارًا… تبريرًا…
نظرت إنجي إليّ وقالت:
— هل تعرف أكثر شيء يؤلمني؟
ورأيت يدها تتحرك ببطء نحو الحقيبة مرة أخرى.
رفعت عيني إليها بصعوبة.
فقالت:
— أنني، حتى الآن… لم أستطع أن أكرهك.
قلت أخيرًا:
— أنتِ تختصرين الأمور بطريقة ظالمة.
ابتسمت بمرارة:
— وهل هناك طريقة عادلة لما حدث؟
رفعت رأسي إليها لأول مرة بثبات:
— نعم… هناك أشياء لا ترينها أنتِ.
مالت بجسدها إلى الخلف.
— مثل ماذا؟
قلت بصوت متعب:
— مثل أنني لم أكن ذلك الوحش الذي تتخيلينه. أنا أحببتك فعلًا… وربما أكثر مما ينبغي.
لم تتكلم.
فواصلت:
— كنتِ جديدة في الشركة… جميلة… ذكية… والجميع يلتف حولك بسرعة غريبة.
قالت بهدوء:
— عمر لم يكن سبب كل شيء.
أجبت فورًا:
— بل كان.
ثم اقتربت قليلًا، دون أن أشعر:
— رجل متزوج… يطارد فتاة أصغر منه داخل شركة… ويعطيها صلاحيات وترقيات أسرع من الجميع… ماذا كنتِ تتوقعين أن يقول الناس؟
ارتفع حاجباها بدهشة ممزوجة بالغضب.
— كنت ترى أنني لا أستحق ما وصلت إليه؟
قلت بحدة:
— نعم.
ساد الصمت فجأة.
أشحت بوجهي قليلًا، ثم قلت بصوت أخفض:
— كنت أعمل لسنوات مثل آلة… لا حياة… لا علاقات… فقط شغل ودراسة وتعب… ثم ظهرتِ أنتِ،تعلقت بك كثيرا كنت كمثل طاقة نور تبدد ظلام قلبي ووحدته، ولكنك جرحتيني، برفضك لي،كنت منهارا، أشعر وكأنك قتلتيني … وفجأة أصبحتِ أنت محور المكان كله.
ضحكت بسخرية هادئة:
— وهل ذنبي أنني امرأة جميلة؟
أجبت بسرعة:
— لأنك كنتِ تعرفين تأثيرك جيدًا.
اتسعت عيناها.
فأكملت بانفعال:
— لا تنظري إليّ هكذا… كنتِ تستغلين هذا. طريقة كلامك… قربك من المديرين… نظراتك… حتى صمتك كان محسوبًا أحيانًا.
قالت ببطء شديد:
— وأنت صدقت أن أي امرأة ناجحة لا بد أنها تستغل أنوثتها؟
تجمدت الكلمات في فمي.
قلت بعناد:
— كنت أحق بالترقية منكِ.
قالت بهدوء موجع:
— ربما كنت أذكى مني فعلًا… وأكثر اجتهادًا… لكن هذا لا يعطيك الحق في تحطيمي.
شعرت بحرارة تتصاعد داخلي.
قلت بصوت متوتر:
— أنا حذرتك من عمر مئات المرات… قلت لك إنه لن يترك زوجته… وإنه يتسلى… لكنكِ لم تسمعي.
ابتسمت بحزنٍ خافت:
حذرتني من عمر، ونسيت أن تحذرني من نفسك
كنتَ تنصحني… وتغار عليّ… وتغار مني… في الوقت نفسه.
سقطت العبارة داخلي كحجرٍ في بئرٍ قديمة.
أخفضتُ رأسي.
وفجأة… رفعت إنجي حقيبتها الصغيرة من فوق الطاولة
كان هناك شيءٌ بداخلها يضغط القماش من الداخل… شيء ثقيل، يبعث على القلق بطريقةٍ غامضة.
شعرت بالخطر...
رفعتُ عيني إليها ببطء… لكنني لم أقل شيئًا.
مدّت يدها داخل الحقيبة في لحظة توترٍ صامت…
وفي اللحظة نفسها تمامًا…
انفتح باب المكتب فجأة.
دخلت ليلى، ابنتي، بملامحها الهادئة وروحها المرحة، تضحك بعفوية وهي تقول:
— بابا حبيبي!
ثم توقفت فجأة حين رأتنا.
وقالت بإحراجٍ لطيف:
— آسفة… كنت فاكرة بابا هنا لوحده.
التفتت إنجي بسرعة نحوها، وانسحبت يدها بهدوء من فوق الحقيبة، كأن شيئًا لم يكن.
ثم أغلقتها بحركةٍ هادئة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة مختلفة تمامًا… ابتسامة دافئة، حقيقية هذه المرة، أذابت شيئًا من قسوة وجهها.
اقتربت ليلى بخطوات خفيفة، تنظر إليها بفضولٍ بريء.
— حضرتكِ مين؟
وقبل أن أجيب، نهضت إنجي بنفسها من مكانها، وكأنها تعرفها منذ زمن.
مدّت يديها إلى ليلى، صافحتها بحنان، ثم
قالت بابتسامة واسعة:
— أنا إنجي… زميلة قديمة جدًا لباباكي… وصديقة عمره.
ابتسمت ليلى فورًا، كأنها ارتاحت لها من اللحظة الأولى.
— بجد؟ أول مرة أشوفك!
ضحكت إنجي وهي تتأملها طويلًا، بنظرةٍ مليئة بشيء يشبه الشوق:
— وأنا أول مرة أشوفك… بس حاسة إني أعرفك من زمان.
اقتربت ليلى أكثر، وجلست على طرف المقعد القريب منها بعفوية.
— أصل بابا عمره ما بيحكي عن حد تقريبًا.
نظرت إنجي إليّ بطرف عينها، ثم عادت إلى ليلى وهي تضحك بخفة:
— أيوه… باباكي من النوع الكتوم جدًا.
ثم أمسكت وجهها برفق، تتأمله كأنها تتأمل طفلة قريبة منها فعلًا.
— يا الله… إنتِ جميلة جدًا… .
ضحكت ليلى بخجلٍ لطيف:
— لا بقى…
ده حضرتك إللي جميلة جدا، شبه الممثلات
فقالت إنجي بسرعة، وكأنها تخشى أن تنكر ليلى جمالها:
— عيونك حلوة جدًا،شبه باباكي كتيير.
ضحكت ليلى فورًا:
— ماما بتزعل لما أقول كده!
فضحكت إنجي معها ، ضحكة ناعمة، إنسانية، لم أسمعها منها طوال الجلسة.
قالت إنجي : طبعا ماما لازم تكون حلوة، هشام طول عمره ذوقه حلو.
ثم جذبت ليلى نحوها قليلًا، وقبّلت رأسها بحنان مفاجئ وهي تقول:
— ربنا يحفظك يا حبيبتي.
وللحظةٍ قصيرة…
ساد دفء غريب داخل الغرفة.
شيء إنساني بسيط… هش… لكنه كان كافيًا ليكسر حدة اللحظة، ويجعل كل ذلك التوتر يبدو بعيدًا فجأة.
وفي هدوءٍ شبه خفي، أغلقت إنجي الحقيبة بالكامل هذه المرة، ثم أبعدتها عنها قليلًا.
قالت ليلى، وهي تنهض بخفة:
— أنا بس جيت أقول لبابا حبيبي إني محتاجة مصاريف الجامعة.
ثم التفتت إلى إنجي بسرعة:
— بس لازم أشوفك تاني… أنا حبيتك جدًا.
ابتسمت إنجي ابتسامة طويلة، بدا فيها حزن خافت لا يُرى بسهولة.
وقالت بصوتٍ دافئ:
— وأنا كمان يا ليلى… جدًا.
ثم ربّتت على خدها بحنان.
خرجت ليلى كما دخلت… فجأة، وببساطةٍ أربكت المكان كله.
وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم همست إنجي، وهي تنظر ناحية الباب المغلق:
— بنتك زي العسل…
أخفضتُ رأسي.
وقلت بصوتٍ متعب:
— إنجي… أنا لم أكن أريد إيذاءكِ لهذه الدرجة. ما حدث كان مزيجًا معقدًا… شيئًا لا يمكن تبسيطه إلى براءةٍ كاملة أو إدانةٍ كاملة.
قالت بهدوءٍ موجع:
— لكنك أردت معاقبتي… لأنني لم أحبك كما أردت.
رفعتُ عيني إليها ببطء.
كانت تنظر نحوي بهدوءٍ غريب… لا كراهية فيه، ولا رغبة في الانتصار.
وذلك تحديدًا ما جعل الأمر أكثر قسوة.
همست:
— هل تعرف أسوأ ما في الأمر يا هشام؟
ثم تابعت بصوتٍ خافت، كأنها تعترف لنفسها أكثر مما تعترف لي:
— أنني ربما أحببتك فعلًا…
أغمضتُ عيني للحظة.
كانت هذه الجملة وحدها كافية لتفسد ما تبقى من سلامي الداخلي.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، متعبة، وقالت:
— لكنك استعجلت خسارتنا جميعًا.
وقفت بهدوء.
ثم قالت، دون أن تنظر إليّ:
— الغريب أنني سامحتُ عمر بسهولة… لأنه كان واضحًا منذ البداية، أما أنت… فكنت رجلًا جيدًا حقًا. ولهذا كان جرحك أصعب.
همستُ بصعوبة:
— كل هذه السنين… ولم تسامحيني؟!
قالت بألمٍ هادئ:
— و هل أنت سامحتَ نفسك على ما فعلته بي؟
ثم نهضت، ولم تنتظر إجابتي.
وتركتني وسط طوفانٍ من المشاعر.
بقيت جالسًا، لا أعرف كم مرّ من الوقت.
كل ما كنت أسمعه هو صدى آخر جملة قالتها:
“كنتَ رجلًا جيدًا… ولهذا كان جرحك أصعب.”
لم تكن جملة عتابٍ فقط…
كانت حكمًا مؤجلًا.
حاولت أن أقنع نفسي أنني دافعت عن كرامتي… … وأنني كنت مظلومًا...
لكن كل تبرير بدا فجأة هشًا… كبيتٍ قديم ينهار لحظة فتح بابه بعد سنواتٍ طويلة من الإغلاق.
وفجأة عادت الأسئلة تنهش رأسي :
هل كانت تحمل فعلًا مسدسًا داخل حقيبتها؟
هل جاءت لتقتلني… ثم أوقفتها مصادفة دخول ليلى؟
تقول أنها ربما أحبتني فعلا ، وأنني تسرعت وأفسدت كل شيء
فهل هي فعلا قد أحبتني؟
أم أنني الذي لازلت أحبها ؟
، وللمرة الأولى، صرت أخاف من حجم الذنب الذي أحمله أكثر من خوفي منها؟
أخرجت هاتفي بلا وعي.
أردت أن أكلمها...
لكن اسمها لم يعد محفوظًا.
،فهو كان فقط على هاتفي القديم
وكأن الزمن نفسه قرر أن يمحوها من كل أماكني… ويتركها فقط في داخلي.
وقفت.
اقتربت من النافذة.
البحر لا يحمل ذاكرة أحد.
لكنني أنا… كنت أحمل ذاكرةً لم تعد تحتمل صاحبها.
تذكرت وجهها وهي تقول:
“لم أنس.”
وأدركت شيئًا متأخرًا جدًا:
أن النسيان ليس قدرة…
بل قرار لا يأتي أبدًا في وقته المناسب.
أغمضتُ عيني.
ولأول مرة…
لم أسأل نفسي: من المخطئ؟
بل سألت سؤالًا أخطر:
كيف يمكن لإنسانٍ أن ينجو من نفسه؟
دخلتُ مكتبي مترددًا… لا أعرف لماذا شعرت، وأنا أمسك مقبض الباب، أنني أفتح غرفة قديمة في نفسي، لا باب مكتبي الخاص.
كانت تقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، ظهرها نحوي، تتأمل شاطئ بحر الإسكندرية الغارق في ضوء الغروب.
وحين التفتت… داهمتني المفاجأة.
شهقت: — معقول… إنجي؟!
اقتحمني طوفان من المشاعر المتضاربة، وعاد بي الزمن سنوات بعيدة.
العينان العسليتان نفسهما… لكن الزمن أضاف إليهما شيئًا آخر؛ هدوء النساء اللواتي خسرن كثيرًا، فتعلمن كيف يخفين الألم تحت طبقة رقيقة من الكبرياء.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
جلستُ أمامها، بينما كانت هي تشعل سيجارة، ثم وضعت حقيبتها الصغيرة إلى جوارها بحركة هادئة ودقيقة، كأنها حريصة أن تبقى قريبة منها طوال الوقت.
ثم رفعت رأسها فجأة وقالت:
— بعد كل هذه السنين… ما زلت لا تستطيع النظر طويلًا في عيني.
تنفستُ ببطء.
كنت أعرف أن هذا اللقاء سيأتي يومًا ما، لكنني لم أتصور أن يكون بهذه الصعوبة.
قالت فجأة:
— لماذا فعلت بي هذا؟
كانت تجلس أمامي بثباتٍ مربك… كأن السنوات الطويلة مرت فوقي وحدي، وتركتها هي كما عرفتها أول مرة؛ بنفس النظرات الحادة… وحتى طريقة ضمّ أصابعها فوق فنجان القهوة، كأنها تستعد لمعركة.
ورغم هدوئها، لاحظت أن يدها الأخرى بقيت تستقر فوق الحقيبة بين لحظة وأخرى، كأنها تتأكد من شيء بداخلها.
تساءلت في أعماقي: هل جاءت بعد كل هذه السنوات لتنتقم مني؟!
وقبل أن أنبس بكلمة، أردفت:
— هل تعرف أنني لم أنم ليلة واحدة بسلام بعد ما فعلته بي؟
رفعت عيني إليها ببطء.
قالت وهي تراقب ارتباكي الخافت:
— أنت أحببتني منذ أول لحظة رأيتني فيها …أو !
توقفت إنجي لحظة، ثم أضافت في مرارة :
أو ربما هكذا أنا ظننت....
تنهدت وهي تعود بظهرها إلى المقعد:
— حاولت الاقتراب مني كثيرًا… وكنت دائمًا أضع ذلك الحاجز الرفيع بين الحب والزمالة، حتى لا أؤذيك، ولا أسمح لك بالاقتراب أكثر.
صمتت قليلا ثم نظرت إليّ في قوة :
— كان قلبي مشغولًا بعمر.
أنا لا أستطيع أن أنكر أنك، في البداية، كنت رائعًا معي… دعمتني في عملي، ساعدتني، فتحت لي أبوابًا كثيرة… لكنك، حين أدركت أنني لن أمنحك ما تريد، تحولت تدريجيًا إلى شخص آخر.
كم تساءلت: كيف للحبيب أن يؤذي من أحب؟
كيف يمكن للحب أن يتحول إلى كل هذا الكره والغضب والانتقام؟!
ربما كان حبك هو من ذلك النوع من الحب المجرم… حب الامتلاك الأناني…فقط مجرد رغبة محمومة كي تمتلك تلك الدمية الجميلة الملونة… وكأنني كنت، في نظرك، مجرد لعبة خشبية، ولما فشلت في الوصول إلى غرضك، حطمت هذه اللعبة إلى آلاف القطع والشظايا.
كانت كلماتها، رغم حدتها، هادئة… وهذا ما جعلها أشد قسوة.
— أنت أذيتني كثيرًا…. أضعت عليّ الترقية… أفسدت علاقتي بعمر… ثم كنت السبب في فصلي من العمل، وفضحي، والتشهير بي.
ابتسمت بمرارة:
— الجميع كان يراك الرجل النزيه المحترم… الموظف الهادئ الذي لا يرفع صوته أبدًا… لكنني وحدي رأيت وجهك الآخر؛ ذلك العقل البارد… الماكر… الذي يعرف كيف يحطم خصمه دون أن يترك أثرًا واحدًا.
واصلت حديثها:
— حربك الخفية صارت معلنة بمجرد أن عرفت بعلاقتي بعمر… والأسوأ أنه كان مديرك. كنت أظنك تكرهه.
ضحكت فجأة… ضحكة قصيرة موجعة.
— لكن المفارقة أنكما اليوم شريكان وأقرب الأصدقاء!
رفعت رأسي أخيرًا نحوها.
كان في عينيها سؤال أكبر من العتاب؛ سؤال امرأة أضاعها الجميع، ثم أكملوا حياتهم كأن شيئًا لم يحدث.
قالت بصوت منخفض:
— حين فضحتني، وشهّرت بعلاقتي بعمر، وأبلغت زوجته بعلاقتنا، حولت حياتنا إلى جحيم،وجعلته يتركني فورًا لينقذ نفسه، وأنا خسرت عملي وسمعتي معًا.
ثم مالت نحوي قليلًا، فاهتزت الحقيبة بجوارها حركة خفيفة، ولا أعرف لماذا شعرت وقتها بانقباضٍ غامض.
— وأنتم الرجال أكملتم حياتكم ببراعة مذهلة. أنت صرت مديرًا كبيرًا… ثم صاحب شركة… وعمر صار شريكك… وكأن المرأة التي احترقت بينكما لم تكن موجودة أصلًا.
صمتت قليلًا.
ثم قالت الجملة التي شقت قلبي نصفين:
— هل كان عقابك لي لأنني لم أمنحك ما تريد؟ أم لأنني أحببت عمر؟
ارتجفت أصابعي دون إرادة.
وفي اللحظة نفسها أدركت أن الإنسان لا يهرب من مواجهة ماضيه حقًا… هو فقط يؤجله.
رفعت عينيها نحوي بابتسامة شاحبة:
— كنت رجلًا … ذكيًا… وسيمًا… طموحًا… حتى إنني أحيانًا كنت أقارن بينك وبين عمر.
ثم همست:
— إنك خطير جدا.. هل تصدق أنك جعلتني في بعض الأحيان أشعر وكأنني أحبك فعلًا؟
تجمد الهواء بيننا.
أكملت:
— عشت فترة ممزقة بينكما… بين رجل أحببته… ورجل شعرت معه بالأمان. لكنني لم أستطع تجاوز ذلك الحد… لا أعرف لماذا.
ثم سألتني فجأة:
— هل تحب زوجتك الحالية؟
لم أجب.
— هل هي جميلة ؟
هل وجدت فيها ما كنت تبحث عنه عندي؟
ظللت صامتًا.
فابتسمت بحزن:
— أنت عشت حياتك، وربما نسيتني.. . أما أنا… فلم أنس. بل ظللت عالقة في مرارة تلك اللحظة القاسية… لم أستطع النسيان.
كل يوم… كل صباح… أستعيد كل الأحداث… كل الألم.
ورغم مرور كل هذه السنوات، لم أستطع تجاوز ما حدث.
وأدركت شيئًا متأخرًا جدًا: أن النسيان ليس قدرة… بل قرار لا يأتي في وقته أبدًا.
نظرت إليها ،وقد أوجعتني كثيرا كلماتها...
امرأة لم تخصني… ولم تكن لي يومًا.
امرأة أفسدتُ حياتها فقط لأنني أحببتها بطريقة جنونية… حب من طرف واحد... ثم أقنعت نفسي، لسنوات، أنني كنت فقط أدافع عن كرامتي.
أردت أن أقول شيئًا… اعتذارًا… تبريرًا…
نظرت إنجي إليّ وقالت:
— هل تعرف أكثر شيء يؤلمني؟
ورأيت يدها تتحرك ببطء نحو الحقيبة مرة أخرى.
رفعت عيني إليها بصعوبة.
فقالت:
— أنني، حتى الآن… لم أستطع أن أكرهك.
قلت أخيرًا:
— أنتِ تختصرين الأمور بطريقة ظالمة.
ابتسمت بمرارة:
— وهل هناك طريقة عادلة لما حدث؟
رفعت رأسي إليها لأول مرة بثبات:
— نعم… هناك أشياء لا ترينها أنتِ.
مالت بجسدها إلى الخلف.
— مثل ماذا؟
قلت بصوت متعب:
— مثل أنني لم أكن ذلك الوحش الذي تتخيلينه. أنا أحببتك فعلًا… وربما أكثر مما ينبغي.
لم تتكلم.
فواصلت:
— كنتِ جديدة في الشركة… جميلة… ذكية… والجميع يلتف حولك بسرعة غريبة.
قالت بهدوء:
— عمر لم يكن سبب كل شيء.
أجبت فورًا:
— بل كان.
ثم اقتربت قليلًا، دون أن أشعر:
— رجل متزوج… يطارد فتاة أصغر منه داخل شركة… ويعطيها صلاحيات وترقيات أسرع من الجميع… ماذا كنتِ تتوقعين أن يقول الناس؟
ارتفع حاجباها بدهشة ممزوجة بالغضب.
— كنت ترى أنني لا أستحق ما وصلت إليه؟
قلت بحدة:
— نعم.
ساد الصمت فجأة.
أشحت بوجهي قليلًا، ثم قلت بصوت أخفض:
— كنت أعمل لسنوات مثل آلة… لا حياة… لا علاقات… فقط شغل ودراسة وتعب… ثم ظهرتِ أنتِ،تعلقت بك كثيرا كنت كمثل طاقة نور تبدد ظلام قلبي ووحدته، ولكنك جرحتيني، برفضك لي،كنت منهارا، أشعر وكأنك قتلتيني … وفجأة أصبحتِ أنت محور المكان كله.
ضحكت بسخرية هادئة:
— وهل ذنبي أنني امرأة جميلة؟
أجبت بسرعة:
— لأنك كنتِ تعرفين تأثيرك جيدًا.
اتسعت عيناها.
فأكملت بانفعال:
— لا تنظري إليّ هكذا… كنتِ تستغلين هذا. طريقة كلامك… قربك من المديرين… نظراتك… حتى صمتك كان محسوبًا أحيانًا.
قالت ببطء شديد:
— وأنت صدقت أن أي امرأة ناجحة لا بد أنها تستغل أنوثتها؟
تجمدت الكلمات في فمي.
قلت بعناد:
— كنت أحق بالترقية منكِ.
قالت بهدوء موجع:
— ربما كنت أذكى مني فعلًا… وأكثر اجتهادًا… لكن هذا لا يعطيك الحق في تحطيمي.
شعرت بحرارة تتصاعد داخلي.
قلت بصوت متوتر:
— أنا حذرتك من عمر مئات المرات… قلت لك إنه لن يترك زوجته… وإنه يتسلى… لكنكِ لم تسمعي.
ابتسمت بحزنٍ خافت:
حذرتني من عمر، ونسيت أن تحذرني من نفسك
كنتَ تنصحني… وتغار عليّ… وتغار مني… في الوقت نفسه.
سقطت العبارة داخلي كحجرٍ في بئرٍ قديمة.
أخفضتُ رأسي.
وفجأة… رفعت إنجي حقيبتها الصغيرة من فوق الطاولة
كان هناك شيءٌ بداخلها يضغط القماش من الداخل… شيء ثقيل، يبعث على القلق بطريقةٍ غامضة.
شعرت بالخطر...
رفعتُ عيني إليها ببطء… لكنني لم أقل شيئًا.
مدّت يدها داخل الحقيبة في لحظة توترٍ صامت…
وفي اللحظة نفسها تمامًا…
انفتح باب المكتب فجأة.
دخلت ليلى، ابنتي، بملامحها الهادئة وروحها المرحة، تضحك بعفوية وهي تقول:
— بابا حبيبي!
ثم توقفت فجأة حين رأتنا.
وقالت بإحراجٍ لطيف:
— آسفة… كنت فاكرة بابا هنا لوحده.
التفتت إنجي بسرعة نحوها، وانسحبت يدها بهدوء من فوق الحقيبة، كأن شيئًا لم يكن.
ثم أغلقتها بحركةٍ هادئة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة مختلفة تمامًا… ابتسامة دافئة، حقيقية هذه المرة، أذابت شيئًا من قسوة وجهها.
اقتربت ليلى بخطوات خفيفة، تنظر إليها بفضولٍ بريء.
— حضرتكِ مين؟
وقبل أن أجيب، نهضت إنجي بنفسها من مكانها، وكأنها تعرفها منذ زمن.
مدّت يديها إلى ليلى، صافحتها بحنان، ثم
قالت بابتسامة واسعة:
— أنا إنجي… زميلة قديمة جدًا لباباكي… وصديقة عمره.
ابتسمت ليلى فورًا، كأنها ارتاحت لها من اللحظة الأولى.
— بجد؟ أول مرة أشوفك!
ضحكت إنجي وهي تتأملها طويلًا، بنظرةٍ مليئة بشيء يشبه الشوق:
— وأنا أول مرة أشوفك… بس حاسة إني أعرفك من زمان.
اقتربت ليلى أكثر، وجلست على طرف المقعد القريب منها بعفوية.
— أصل بابا عمره ما بيحكي عن حد تقريبًا.
نظرت إنجي إليّ بطرف عينها، ثم عادت إلى ليلى وهي تضحك بخفة:
— أيوه… باباكي من النوع الكتوم جدًا.
ثم أمسكت وجهها برفق، تتأمله كأنها تتأمل طفلة قريبة منها فعلًا.
— يا الله… إنتِ جميلة جدًا… .
ضحكت ليلى بخجلٍ لطيف:
— لا بقى…
ده حضرتك إللي جميلة جدا، شبه الممثلات
فقالت إنجي بسرعة، وكأنها تخشى أن تنكر ليلى جمالها:
— عيونك حلوة جدًا،شبه باباكي كتيير.
ضحكت ليلى فورًا:
— ماما بتزعل لما أقول كده!
فضحكت إنجي معها ، ضحكة ناعمة، إنسانية، لم أسمعها منها طوال الجلسة.
قالت إنجي : طبعا ماما لازم تكون حلوة، هشام طول عمره ذوقه حلو.
ثم جذبت ليلى نحوها قليلًا، وقبّلت رأسها بحنان مفاجئ وهي تقول:
— ربنا يحفظك يا حبيبتي.
وللحظةٍ قصيرة…
ساد دفء غريب داخل الغرفة.
شيء إنساني بسيط… هش… لكنه كان كافيًا ليكسر حدة اللحظة، ويجعل كل ذلك التوتر يبدو بعيدًا فجأة.
وفي هدوءٍ شبه خفي، أغلقت إنجي الحقيبة بالكامل هذه المرة، ثم أبعدتها عنها قليلًا.
قالت ليلى، وهي تنهض بخفة:
— أنا بس جيت أقول لبابا حبيبي إني محتاجة مصاريف الجامعة.
ثم التفتت إلى إنجي بسرعة:
— بس لازم أشوفك تاني… أنا حبيتك جدًا.
ابتسمت إنجي ابتسامة طويلة، بدا فيها حزن خافت لا يُرى بسهولة.
وقالت بصوتٍ دافئ:
— وأنا كمان يا ليلى… جدًا.
ثم ربّتت على خدها بحنان.
خرجت ليلى كما دخلت… فجأة، وببساطةٍ أربكت المكان كله.
وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم همست إنجي، وهي تنظر ناحية الباب المغلق:
— بنتك زي العسل…
أخفضتُ رأسي.
وقلت بصوتٍ متعب:
— إنجي… أنا لم أكن أريد إيذاءكِ لهذه الدرجة. ما حدث كان مزيجًا معقدًا… شيئًا لا يمكن تبسيطه إلى براءةٍ كاملة أو إدانةٍ كاملة.
قالت بهدوءٍ موجع:
— لكنك أردت معاقبتي… لأنني لم أحبك كما أردت.
رفعتُ عيني إليها ببطء.
كانت تنظر نحوي بهدوءٍ غريب… لا كراهية فيه، ولا رغبة في الانتصار.
وذلك تحديدًا ما جعل الأمر أكثر قسوة.
همست:
— هل تعرف أسوأ ما في الأمر يا هشام؟
ثم تابعت بصوتٍ خافت، كأنها تعترف لنفسها أكثر مما تعترف لي:
— أنني ربما أحببتك فعلًا…
أغمضتُ عيني للحظة.
كانت هذه الجملة وحدها كافية لتفسد ما تبقى من سلامي الداخلي.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، متعبة، وقالت:
— لكنك استعجلت خسارتنا جميعًا.
وقفت بهدوء.
ثم قالت، دون أن تنظر إليّ:
— الغريب أنني سامحتُ عمر بسهولة… لأنه كان واضحًا منذ البداية، أما أنت… فكنت رجلًا جيدًا حقًا. ولهذا كان جرحك أصعب.
همستُ بصعوبة:
— كل هذه السنين… ولم تسامحيني؟!
قالت بألمٍ هادئ:
— و هل أنت سامحتَ نفسك على ما فعلته بي؟
ثم نهضت، ولم تنتظر إجابتي.
وتركتني وسط طوفانٍ من المشاعر.
بقيت جالسًا، لا أعرف كم مرّ من الوقت.
كل ما كنت أسمعه هو صدى آخر جملة قالتها:
“كنتَ رجلًا جيدًا… ولهذا كان جرحك أصعب.”
لم تكن جملة عتابٍ فقط…
كانت حكمًا مؤجلًا.
حاولت أن أقنع نفسي أنني دافعت عن كرامتي… … وأنني كنت مظلومًا...
لكن كل تبرير بدا فجأة هشًا… كبيتٍ قديم ينهار لحظة فتح بابه بعد سنواتٍ طويلة من الإغلاق.
وفجأة عادت الأسئلة تنهش رأسي :
هل كانت تحمل فعلًا مسدسًا داخل حقيبتها؟
هل جاءت لتقتلني… ثم أوقفتها مصادفة دخول ليلى؟
تقول أنها ربما أحبتني فعلا ، وأنني تسرعت وأفسدت كل شيء
فهل هي فعلا قد أحبتني؟
أم أنني الذي لازلت أحبها ؟
، وللمرة الأولى، صرت أخاف من حجم الذنب الذي أحمله أكثر من خوفي منها؟
أخرجت هاتفي بلا وعي.
أردت أن أكلمها...
لكن اسمها لم يعد محفوظًا.
،فهو كان فقط على هاتفي القديم
وكأن الزمن نفسه قرر أن يمحوها من كل أماكني… ويتركها فقط في داخلي.
وقفت.
اقتربت من النافذة.
البحر لا يحمل ذاكرة أحد.
لكنني أنا… كنت أحمل ذاكرةً لم تعد تحتمل صاحبها.
تذكرت وجهها وهي تقول:
“لم أنس.”
وأدركت شيئًا متأخرًا جدًا:
أن النسيان ليس قدرة…
بل قرار لا يأتي أبدًا في وقته المناسب.
أغمضتُ عيني.
ولأول مرة…
لم أسأل نفسي: من المخطئ؟
بل سألت سؤالًا أخطر:
كيف يمكن لإنسانٍ أن ينجو من نفسه؟