أَوَ قَدْ صَلَّى الحُلْمُ صَلاةَ مُوَدِّع!


ها قد جاء السَّابع عشر من أيَّار يا مها، اليومُ الذي "تتوقّف فيه الأرضُ عن الدوران"، عادَ محملًا بأزهار نهايةِ العامِ الثالثِ من التَّاريخ الجديد، وناكئًا جُرحَ القلبِ الذي ما زالَ يَحملُ النَّعشَ ويرفض أن تُوصد الأبواب...؛

فــ عن أي علامةٍ سيحدثنا هذا اليوم العظيم؟

عن عامٍ لا يعرف أثرَه إلا الله وذاكرتي ويوم السابع عشر...؛
عامٍ "فيه يُغاث النَّاس وفيه يعصرون"،
عامِ ألفٍ وأربعمئة وأربعةٍ وعشرين من هجرةِ العرب نحو حكايةِ الحكايات،
نحو ذلك الكتاب الذي لاريب فيه هُدَىً للمقاتلين العاشقين،
نحو ألف ليلةٍ وليلةٍ لإغراء الله أن يُعطي العربَ ما أعطى بني إسرائيل.

في ذلك العام 1424هـ كنتُ على موعدٍ مع الفجر، فقبل أن أذهبَ إلى جامعتي ودراستي أُوْصِلُ المها إلى مقرِّ عملها في كليةِ التربية لإعداد المعلمات، غرب أسواق ابن دايل، وكانت المها مكتبة المكتبات، ومحتوى الإذاعات، وسحر الكلمات، حيث تُؤَلِفُ حكاية من بطن حكاية في بطن حكاية إلى بطن حكاية ترويها على أيام الأسبوع...؛
في كلِّ أسبوعٍ حكايةٌ متعلقةٌ برقبةِ الحكايةِ في الأسبوع الذي يليه؛ وكأنَّها شهرزاد التي استمع إليها اللهُ فخلق الرقيقَ من ظهر الجبّار.

كانت المها تستبطن حكايات الشُعوب كلها، وتستظهر اللياليَ من عرش ذاكرتها، وتبني لأَلِيْس في بلادِ العجائب قصرًا ممرّدًا من قوارير السَّحائب، وتُعيد كتابةَ السندريلّا مرات وكرات حتى يتدفَّق من الإبداع إبداع، السِّندريلا التي كانت تُسميها: (الفتاة التي كتبت الحلمَ في بطن الحذاء)، ويا لَلْحُلمِ الذي يتكرر كثيرًا في بواطن حكايات المها، حتى ظننتُ أنَّ (الحلم) هو القاسم المشترك العشقي بين الحكايات الأسبوعية كلها، وصحَّ ظني حين استذكرتُ بعضَ تلك الحكايات التي وجدتُ خمسةً منها مبدوءةً بحلم، كانت حكايات المها مذهبة بالحب ولون الله،
إنها (حلم الأحلام) الحكايات التي أبى اللهُ أن تُقرأ كاملة -بلغةِ مؤلفتِها- من غير ربِ الجن والناس، وربما قد آذن لأحد ملائكته بقراءته وحفظه سنوات عدة؛ حتى يحين موعد نزوله على رسولٍ أخير للأرض.

ظلَّت مفردة الحلم تُطاردني منذ تلك السَّنة الدراسية التي أعدُّها أيامًا من الجنة،
تُطاردني لأنَّ المها بدأت بها رحلتها، وانتهت بها. الحلم في نبوءة مها كالصلاة في نبوءةِ الأنبياء وآخر ما يُوْصُونَ به.
"فما الحلم يا مها؟!" هكذا فاجأتُها في فجرِ أحدِ الأيام، فقالت دعني أكمل نصيبَ اليوم من الحكاية واترك الحلمَ لمكانِ الحلم.

(الحلم كالصلاة)
هذه الكلمة هي ما أردتُ أن انتزع إقرارها من المها، لأنَّ حلمها صلاة، ولكنَّها لم تدّع النبوَّة وتجمع الناسَ على دينِ الحلم الجديد، دينٍ تستجلب به المها ملكوتَ الأرضِ والسموات، دينٍ لم يأذن لها اللهُ أن تُذيعه، ربما لأنه سيُغير طرائقَ النبوة، إلى أن تكون كتبًا تُبث في حقائبِ الملائكة السيّارين..؛ وكذلك هي المها، ملاك في حقيبته أسرار الملكوت الأعلى، الحلمِ الذي به ينشأ ناشئ الإبداع، وبه يُصلي الذي يُريد الاتّباع، وبه يجعل البَصر حديدًا قبل أن يتقلّب في ثلاجة الموتى خاسئًا وهو حسير.

لهذا وفاءً لهذا اليوم العظيم السابع عشر من أيار،
سأعتصر ذاكرتي لتجود بــــــعصارة خمس حكايات من حكايا طريقِ عام 1424ه، كان مجموع الحكايات يُقارب خمسةً وعشرين حكاية، كل حكاية استغرقت بطولها وسحرها أسبوعًا، ولكلِ صباحٍ ساعة، وما سأعتصره منها -هنا- ما هو إلا التماس فكرتها وخلاصتها، وسبب اختياري للخمسةِ هذه أني انحنيتُ أمام ذاكرتي ثلاث مرات، في الأولى: دعوتُها أن تنهض لاستحضار الحكايات كلها فأجابتني لذلك. ثم في الثانية: أن تُلهمني أن اختار منها ما يُناسب مقامنا في هذه اليوم المشهود، فأجابتني لذلك وكانت الصلاة أمام قبر المها هي الإشارة التي أعطتني إياها ذاكرتي، قائلة: "الحكايات الخمسة التالية يربطها رباط الصلاة والحلم"، علاقة جعلتني أقول:
إنَّ حلم المها صلاة، وصلاتنا حلم في عقلِ المها.،
وقد انحنيتُ الثالثةَ أمام ذاكرتي لتهبني أقربَ الأوصافِ إلى لغةِ المها، وهيهات أن نبلغ لغتها؛ فلُغَتُها مِن لغةِ السَّماء، أزليةٍ غير مخلوقة، ولا نستطيع أن نُجاريها إلا بترجمةِ أفكارها الكبرى.

أولى الحكايات الخمس هي: (حوافر سَنِيْها)، والاسم غريب، كالحكاية، وأذكر أنَّي لما سألتُ المها عن هذا الاسم قالت: لا تسل عنه، ربما ستدركه لاحقًا. وهذا ما أظنُّه وقع، فأنا عرفتُ المعنى في آخر الحكايات، وعرفتُ (سَنِيْها) بشحمها ولحمها عام 1431ه، و"من ذاق عرف" والثانية: (بخور لقبر ماياوهذه من الحكايات التي أذكر أني دخلتُ معها في عالم موازٍ للجنّة، كنتُ أتمنى ألا تقف المها عن السرد والرواية، والتتابع الساحر للحكاية، كنتُ أرى أنها تغرف -وهي تُؤَلِف- من حوض الكوثر، فيتدفّق الحكي كأنَّه إرادة الله...، وأما الثالثة: فـ (محراث الأبجديةحكاية عزرا الذي لا يُنسى، ومن العجائب أنَّ بطلَ الحكاية جاءني في الحلم وذكرني بما قالته المها؛ إذ قد كنتُ شككتُ هل قالت المها كذا أم كذا؟ ثم وأنا أفكر وأكتب غلبني النوم فجاءني عزرا بنفسه ليخبرني. وأما الحكاية الرابعة فهي (خميرة المسمار)، الحكاية التي قُبضت فيها الأنفاس لمَّا واجه يوحنا الماضي السحيق...!، إنها حكاية القارئ الذي قال عنه الشاعر "غيري جنى وأنا المعاقب فيكم/ فكأنني سبابة المتندم"، وأما الحكاية الخامسة فهي: (جبهة تتدلّى) وبها علت روحي نحو ملكوت المها.

خلاصة
الحكاية الأولى: (حوافر سَنِيْهَا) أنَّ البطلةَ (سنيها) حلمت بعجلٍ يَخطب بين أصدقائه، بحرثٍ لا يُشبه حرثَ آبائه وأمهاته الثيران والأبقار، وقد كانت الخطبةُ في اليومِ الذي يسبق عيدَ ميلاده الأول، العيدَ الذي سيُصبح فيه العجلُ ثورًا، فهل كانت خطبته تحذيرًا لهم من نفسِه في الغد؟ أم كان سيثور على كونه سيصير ثورًا يُقلّد آباءه؟ لكنَّ المهم أنَّ (سنيها) لمَّا صحت من الحلم ذهبت إلى المعبد الذي تُربي في حظيرته المجاورة عجلًا لتراه يرقص وفي فمه الآلة التي يترنمون بها في المعبد، فخافت على غير عادتها، لأنَّ العجل صار له خُوَار ديني، فتراجعت خطوة، وتقدم العجلُ إليها خطوات، فهربت إلى داخل المعبد، وغاب صوتُ العجل...؛ ولمَّا هدأت أنفاسُ (سنيها) أطلت من النافذة فلم ترَ العجل، ورأت صبيّةً كأنَّها في الثامنة من عمرها أو التاسعة، عاريةً من لباسها، وتحلق عانتها التي بدت في الظهور...؛ لكن بعد أن ظنّت (سَنِيْها) أنَّها في الواقع اكتشفت أنَّها في أعماقِ حلمٍ وصحت منه، فوجدت أُمَهَا تُصلِّي في البيتِ على طريقةِ جارتهم (مايا)، مايا!! مايا التي لا تُحبها أبدًا، كيف حصل ذلك؟ فحاولت أن تناديها ولم تستطع؛ كأنَّ هناك أحدا يَخنِقُها، فقامت من سريرها ووجدت أمها وقد صارت جارتهم (مايا) تقول لها: اذهبي إلى المعبد فقد مات العجل. انطلقت (سنيها) إلى المعبد لترى العجلَ واقفًا على أسوار باب المعبد الخارجي ويضربه بِقَرنَيْه، والغريب أنَّه بتنغيمات كأنَّها بشرية، يضرب بهدوءٍ على غير عادةِ آبائه الثيران، يضربُ مرةً ثم يتوقّف حتى يذهب الصوتُ ثم يضرب أخرى، ويُدخِلُ معها ضربةً أقصر من الأولى، وهكذا حتى التفتَ العجلُ بعينين محمرتين على (سَنيها)، فخافت وهربت بلا هُدَى... وبعد أن ظنَّت (سَنِيْها) أنَّها في الواقع اكتشفت أنَّها في أعماقِ حلمٍ وصحت منه، وهي في حفرةٍ عميقة، لا تدري مَنْ جَاء بها هُنَا، وجدت ممرًّا داخل الحفرة، فوضعت قدمها في أوّلِه، فانزلقت إلى حفرةٍ أعمق، أوصلتها إلى سوقٍ في البلدة المجاورة، ووجدت (مايا) تبيع أوراقًا يابسة، وتمتطي (أمَّ سنيها) كأنها بقرة، ولمَّا حاولت أن تنهاها، لم يلتفتا إليها، وكأنَّهما لا يرونها، فقطَّعت الأوراقَ اليابسة نكايةً في (مايا)، فتحول وجهُ أُمِّهَا إلى وجهِ العجل الذي في المعبد، وبقي جسدها كما هو ، فقامت ترقص وتُطلق ثدييها ليهتزّان في الهواء، يرتفعان إلى أعلى عليين ثم يهبطان إلى مستوى نظر (سَنِيْها)، وترى يَدي أُمِّهَا تتحركان بانتظام لمحاولةِ لمسِ الحلمات، ويَخرج من رقصةِ ثدييها وحركات يديها صوتٌ كُلَّ ما خرجَ تَمثَّلَ المعبد أمام (سنيها) ثم يختفي، حتى إذا عاد الصوتُ عاد المعبد...! وهكذا، حتى رأت (مايا) تُقبل إليها محمرةَ العينين ومنكّشَة الشَّعر وبيدها مِرزبّة تُريد أن تضرب بها (سَنِيْها)؛ لأنها قَطَّعت الأوراق، فهربت ولحقتها، و(سنيها) تصرخ: (نار...نار...نار) وإذا بنار تخرج من فَرج (مايا)، وتأكل جسدها، حتى رأت النارَ تقذفُ بالرَحِم بعيدًا عن صاحبته، فأخذته (سنيها) واختبأت خلفَ الشَّجرة الضخمة، فلم ترَ (مايا) ورأت النارَ على شَكل عجلٍ ميت، والصبيةَ الصغيرة -ذات الثمان أعوام- تُطفِئُ النار، ثم تتفرغ لإكمال حلق عانتها. ثم بعد أن ظَنّت (سَنِيْها) أنَّها في الواقع اكتشفت أنها في أعماق حلمٍ، وصحت منه، على صوتِ أُمها تقول لها: "سَنِيْها، قومي لقد احترقت غابات المدينة المجاورة، وسيأتي أهلُها إلينا". فتحت (سَنِيْها) عينيها ولم تجد أمَّهَا أمامها، ولا أحد، لا صوت، هدوء تام، فأغمضت عينيها ودخلت في صلاتها الذهنية، من سرداب الرَحم...!، ففزعت (سَنِيْها) لمَّا رأت نفسَها تدخل في ملكوتِ الرَّحِم الذي خرج من فَرج مايا...

وعند هذه النُقط الثلاث توقّفت المها عن الحكاية، لتصلها بحكايةٍ أخرى تبدأ من فجر الأسبوع التالي، عنوانها (بخور لقبر مايا) الحكاية التي بدأت بحلمٍ أيضًا لكنَّه هذه المرة لمايا وهي ترى رمادها بين يدي مشيعيْها، يتجهزون لذرّه، ومن بين المشيعين سَنِيْها وأمها...، هل حضرتا لتشمتا؟ هكذا تُسائل مايا نفسها...؛ وفي غمضة عين تخطف (أم سنيها) الرمادَ وتبصق فيه...، وبعد أن ظَنّت (مايا) أنَّها في الواقع اكتشفت أنها في أعماق حلمٍ، وصحت منه، لترى زوجها (أناندا) مُتَرَبِّعًا في جلسته، وعاريًا من كل ملابسه، وحانيًا الرأسَ إلى الأسفل، ويُردّد كلامًا سريعًا وغير مفهوم: "لا شكل، لا إحساس، لا إدراك، لا دافع، لا وعي... فراغ...فرااغ...فراااغ"، وتذكَرت بصقةَ (أم سنيها) على رمادها في القبر فلعنتها في سِرّها وتكدر خاطرها، ثم التفتَ إليها زوجُها -بلا سبب- غاضبًا وأمسك برقبتها وهي تُحاول التنفّسَ ولا تستطيع، فإذا بماءِ يُسكَب عليه من النافذة فيتلاشى الزوج كأنَّه غير موجود، فتنظر مايا فإذا بــ (أمِّ سنيها) ممسكة بسطلِ الماء...، وبعد أن ظَنّت (مايا) أنَّها في الواقع اكتشفت أنها في أعماق حلمٍ، وصحت منه، لترى مشهد جنازتها والناس يتجهون برمادها إلى حيث المكان الأخير، وزوجها (أناندا) يُحاول أن يُقنع الناس بأنَّ مايا كانت كافرة ويجب ذرّ كُلِّ جُزءٍ صغيرٍ من رمادها في مكان، حتى تتشتت، وتظل روحها تقفز كالقرد بين أغصان الرغبات ولا تجد راحةً أبدًا...؛ وبعد أن ظنَّت مايا أنها في الواقع اكتشفت أنها في أعماق حلم، وتصحو منه، على صوتِ ابنها الصغير: "آما، آما، أنا لا أرى" فقامت فَزِعَةً نحو ابنها، لتجد بصرَه كُفَّ...؛ فتُحَاوِل أن تُدلّك أجزاءً من جمجمته لعلَّ الأمر يتغير، لكنِّ الذي تغير هو لونُ الطفل إلى الأحمر حتى اشتعل نارًا، فانهارت وصرخت بأعلى صوتها...، وبعد أن ظنت مايا أنَّها في الواقع اكتشفت أنَّها في أعماقِ حلم، وصحت منه، على صوتِ خروفٍ صغير يرعى بجوار النافذة، وقامت مسرعةٍ لرؤيةِ ابنها والتأكّد من سلامته، فلم تجده، وخرجت إلى الحديقةِ الخلفية فوجدت ابنَها الصغير يذبح الخروفَ ويصلبه، فصرخت في وجهه ماذا تفعل أيُّها الكافر؟...، وبعد أن ظنَّت مايا أنها في الواقع اكتشفت أنها في أعماق حلم، وصحت منه، فإذا بها في مكانٍ غريبٍ ببلاطٍ حجري شديد البرودة، نظرت فيه فإذا هو معبد، وصوت إيقاعاتٍ غريبة تأتي من الخارج، أطلّت من النافذة فإذا بعجلٍ يضرب بقرنيْه على الأسوار، و (سَنِيْها) واقفة خلفه خائفة، ثم هجم العجل على (سنيها)، فتلاشت...؛ ثم أخذت ضربات قلب (مايا) تزداد شيئًا فشيئا، حتى سقطت مغشيًا عليها، وحين عاد إليها الوعيُ سمعت صوتًا يُشبه صوتَ (أم سَنيها)، التفتت إليه فإذا هو العجلُ يتحدث بمقاطع صوتية غريبة، كلما نطقَ صوتًا سقطت ورقةٌ يابسة من فمه، حاولت الركضَ في كلِّ أركان المعبد بحثًا عن مخرج، لكنَّها واجهت صلابةَ الجدران وغرابتها، وحين هجم العجل بكل قوته باتجاهها، أمسكت بالأوراق اليابسة وقذفتها في وجهه، وأغمضت عينيها ودخلت في منطقةٍ واسعة بيضاء لا تسمع فيها إلا أنفاسها، ثم لمَّا خرجت من المنطقة شعرت بضربةٍ في خاصرتها، ففتحت عينيها فإذا بالعجل يُصوّت بخواره الغريب، العجل الذي كانت ضربات قرنيه موسيقى على أبوابِ المعبد صار هُنَا نشازًا وهو يتحدث إليها ويضرب في خاصرتها، فابتعدت قليلًا عنه لعلَّها تسمع صوتَه جيدًا، لماذا يشبه صوتَ أم سَنِيْها؟!!، فصرخت بشجاعة: أنتَ لست عجلًا، أنتَ أم سنيها، فبدأ وجه العجل يأخذ نصفًا، ووجه أم سنيها النصفَ الأخر، في مشهدٍ غريب... وحين ظنَّت مايا أنَّها في الواقع، اكتشفت أنَّها في أعماق حلم، لتصحو منه على مكانٍ مظلمٍ، سردابٍ لا قاع له، تسقط فيه بانتظار نهايته...؛ تصرخ لعلَّ أحدًا يسمعها، فرأت أولادها مُضَغًا، فزادت ضربات قلبها خوفًا، أين هي؟ هل هي في رحِمها؟ وفجأةً اهتز الرَّحِمُ وأخرج أصواتًا كأنَّها نبضات قلبِ حيوان ضخم، فتذكّرت صوتَ خوار العجل، فالتفتت فإذا بعجلٍ صغير يتشكّل داخل رحمها بجوار أولادها وبجوار سَنيها...وأمها...! لكنَّ المفجع أنَّ هناك في الزاويةِ رجلًا لا تعرفه، أعمى يَخُطُّ الرَحِمَ بعصاه المهترئة، ملامحه واضحة، لم يكن مُضغةً كبقية سكَّان الرحم...

ومع هذه النُقَط الثلاث توقّفت المها عن الحكاية، لتصلها بحكايةٍ أخرى تبدأ من فجر الأسبوع التَّالي، عنوانها: (محراث الأبجدية) الحكاية التي بدأت بحلم أيضًا، ولكنَّها هذه المرة للرجلِ الأعمى (عزرا)، وهو يتّجه بعصاه مُسْرعًا نحو (مايا)، يمشي كمشي المُبْصِر كأنه يُريد ذبحها والتضحية بها، حتى إذا سيطر الخوفُ على مايا، خرجت إيقاعاتٌ عالية، التفتت (مايا) فإذا بالعجل قد كَبُر، وجدران الرَحِم تنقبض وتنبسط على صوتِ الذبذبات الصاخبة، ومع كل ضربةٍ إيقاعية تتباطأ حركةُ (عزرا)، كأنَّ الضربات تمتصّ ذاكرته، وتُعطلها...، ولكن من أجل مَن وماذا؟ صرخت مايا في وجهه: استسلم...، وكن مضغةً أو ستتجمّد في مكانك؛ وحين ظنَّ عزرا أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم، ليصحو منه وهو في سريره وبيده إبرة نَقْشٍ مُبلّلة بسائلٍ (أمنيوسي)، فانحنى وأمسك بجدار الغرفةِ؛ ليقوم من فراشه، إلا أنَّ الجدار تآكل ببطءٍ وانغرست يد (عزرا) داخله، وكأنَّه أدخل يدَه في كومة لحم وشحم، ووجد نفسه مبصرًا، يرى شخصًا بلا ملامح يسحبه إلى داخل اللحم، ورأى الإبرةَ تحولت إلى محراث، والشخص يقول له: "إن أردت أن تنجو فاحرث لحمَك، اللام لحم، والحاء لحم، والميم لحم، والكاف لحم..." وما إن بدأ (عزرا) بحرث اللحم، سمع صوتَ العجل يتحول من إيقاعات رتيبة إلى خوار يتأوه، التفتَ عزرا فإذا بالعجل قد كبر حتى صار ثورًا، وكلما حرثَ (عزرا) حرفًا، محاه الثور بقرنه، ففكّر (عزرا) بأن يُلاعب الثور، وبدأ ينقل المحراث مرةً باليد اليمنى ومرةً باليسرى، وكلما أمسكت به يدٌ كتبت شيئًا بسرعة، كتبَ باليمنى همزةً، ثم باليسرى ياءً، ونقلها بسرعة إلى اليمنى ليكتب ميمًا، وباليسرى تاء...، فتحولت الحروفُ إلى أسوار كأسوار المعبد، وبدأ ينطحها الثور بعشوائية واضطراب...، وحين ظنَّ عزرا أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم، ليصحو منه على حرارةِ شمسٍ في صحراء قاحلة على مدّ النظر، ووجد أمامه العجلَ وقد تحوّل لونه إلى اللون الذهبي!، ويُحيط به بَشرٌ، يرقصون بنشوةِ السكران...؛ رفع عزرا صوته: "يا ناس...، أين أنا؟" فلم يلتفت إليه أحد، إلا العجل فتحَ عينيه باتجاهه، وأخذ يحرث الأرضَ بأظلافه ويكتب حروفًا عشوائية، ثم توقّف عن الحفر وبدأ يمسح ما كتب، ووضع همزةً بدل الحرف الأخير، وياءً بدل الحرف الثاني، وتذكّر (عزرا) أنَّ هذين الحرفين جزءٌ من حروفه عندما كان يحلم أنَّه في رحم (مايا)، ووضع العجل حرفين آخرين غير موجودين في حروف (عزرا)، وضع السين محلَ الحرف الأول، والنونَ محل الحرف الثالث...، فلاحظ (عزرا) أنَّ أسنانه بدأت تتساقط، ففزع وصرخ، حتى إذا ظنَّ أنه في الواقع، اكتشف عزرا أنه في أعماق حلم ليصحو منه على ساحةٍ خضراء مُلئِت أشجارَ زيتون، وتجلس تحتها (سَنِيْها وأمُّها) وخلفهم رأى تلك الجموع التي كانت ترقص حول العجل، فاتجه إليهم غاضبًا، وأمسك بلوحٍ ملقى على الطريق، وأخذ يضربهم واحدًا واحدا، فتساقطوا كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، وفي الأثناء كانت (أم سنيها) تقطع الأشجار لتسقط على رأس (عزرا)، رفع رأسه نحو الأشجار وهي تقترب منه، حتى إذا ظنَّ أنه في الواقع، اكتشف عزرا أنه في أعماق حلم ليصحو منه على أصواتِ محركات وأبواق سيارات متداخلة، وروائح عوادم وإسفلت جديد، فتح عينيه جيدا فرأى نفسه في مدينة مكتظة لا أحد يهتم بأحد، اختفى الرحم، واختفت الصحراء، وتلاشت الطقوس، فقال: "الآن أنا في الواقع لا محالة" فتنفّس الصعداء، ثم نظر إلى يده اليمنى فإذا بها أوراقًا يابسة تُشبه تلك التي تبيعها (مايا)، وعلى كل واحدةٍ منها الحرفُ نفسُه، وضعها في جيبه، وسار بين النَّاس في الشارع، فأحسّ بجيبه يهتز فأخرج الأوراق فرأى الحرفَ قد تغيّر إلى شكلِ قرن عجلٍ محترق، ثم بدأ الإسفلت يفقد كثافتَه، والناس والمباني والشَّوارع تتلاشى تدريجيًا، وحين ظنَّ عزرا أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم ليصحو منه، على مكانٍ موحش مهجور، لا صوتَ فيه، إلا الزمهرير الذي كسّر ضلوع عزرا من شدته، سار حتى وجد شجرة تينٍ عريقة، ووجد تحتها شيخًا ذا لحية حمراء، يَنْجُر أخشابًا معه، ألقى عليه التحيةَ، فلم يُجِب، وحدسَ أنه أصم وأبكم، ووجد مرآة، نظر فيها فلم يجد جسَدَه، فحاول أن يصرخ ليخبر الشيخَ بما يرى فلم ينطلق لسانه...، ووجد -بجوار المِرآة- الإبرةَ التي كان عليها السائل (الأمنيوسي) أمسك بها فطفا على نهرٍ من السائل ذاته، بلا جسد... ومع هذه النُقَط الثلاث توقّفت المها عن الحكاية، لتصلها بحكايةٍ أخرى تبدأ من فجر الأسبوع التَّالي: وعنوانها: (خميرة المسمار) الحكاية التي بدأت بحلمٍ أيضًا، ولكنَّها هذه المرة للشيخ النجّار (يوحنا) حيث رأى نفسَه في المَنْجرة، ونِشارة الخشب تملأ المكان، ورائحة الصمغ تُصدِّع بالرأس، وفي وسط هذه الفوضى رأى مائدةً خشبيةً مُلئت لحمًا، وفي أطرافها دم، استنكر الأمر، واقترب منها، ولمَّا وضع يده عليها لاحظَ أنَّ الخشبَ يلين، ويُحِسُّ بحرارةٍ غريبة، ابتعد هاربًا، وصار ينظر إلى الاهتزازات العنيفة، وفجأةً تحولت المائدة إلى شجرةِ تينٍ عريقة لها جذور كبيرة تحت مَنْجرته، وتحولت المنجرة إلى فضاءٍ شاسع، سار بلا هدى وتلفّتَ لعله يرى شيئا، ثم عاد إلى الشَّجرة فوجد العجلَ يحتضر تحتها، اقتربَ منه ومسح يده على قرونه...!، وحين ظنَّ يوحنا أنه في الواقع، اكتشف أنه في أعماق حلم ليصحو منه، على شارع مكتظ بالناس، وأصوات السيارات، ورأى (عزرا الأعمى) يتلمس طريقه بالعصا، ويُمْسِك بورقةٍ يابسة تحول فيها الخطُ إلى قرن عجلٍ محترق...؛ ذهب (عزرا) إلى (يوحنا) واختطف منه الورقة، واختبأ خلفَ عمودِ إنارة، نظر في الورقة فإذا بقرن العجل صار خُبزًا مغمّسًا بدم كلونِ الخمر، عاد (يوحنا) إلى (عزرا) ووضع الخبز في فمه، فاختفى... وحين ظنَّ يوحنا أنَّه في الواقع، اكتشف أنه في أعماق حلم ليصحو منه، على نورٍ ساطع في قاعة فسيحة، وفي وسطها مائدة يُحيط بها: مايا، وأناندا، وعزرا، وسَنِيْها وأمها، والعجل مربوط في قدم الطاولة، وفجأة هَبَّ ريحٌ عاصِف، دخلت إلى أفواه الجالسين، فصار (أناندا) يتحدث اللغةَ السنسكريتية، ومايا تصرخ باللغة البالية، وعزرا يترنح كالسكران ويغني بالعبرية، وسَنيها تنادي أمَّها بصوتٍ عالٍ بلغةٍ غير معروفة، وكان يوحنا متلحفًا بفرو الخروف وممدًا جسده تحت المائدة يُدوّن كلام الحاضرين، وحين ظنَّ يوحنا أنَّه في الواقع، اكتشف أنه في أعماق حلم ليصحو منه، على يدٍ تهز كتفَه بلطف، ورائحة عطرٍ نسائي، توقظه من منامه، لتقول له: "صديقك عُميْر واقف في الباب"، فقام من سريره، فتحولت رائحةُ العطر إلى رائحةِ الصَّمغ ونشارة الخشب، فتذكّر حلم المنجرة وشجرة التين العريقة...، وحين ظنَّ يوحنا أنَّه في الواقع، اكتشف أنه في أعماق حلم ليصحو منه، في المستشفى وبجواره صديقه عُمير، والممرضات من حوله أجسادهنَّ كشكلِ الرَحِم، يتحركنَّ بطريقةٍ غريبة، مطاطيّة كأنهنَّ انقباضات رَحِم استقلّ عن صاحبته وسار لوحده...!، تحولت وجوه الممرضات الرَحَميّات إلى مايا وسنيها وأمها، فاشتعل رأس يوحنا شيبًا من هول ما رأى،...، والغريبُ أنَّ صديقه عُمَيْر لا يكترث بما يجري، فحاول يوحنا أن يُؤشِر بيده ليشرح له ما يجري...فابتسم عمير ابتسامةً غامضة، وقام من كرسيّه، ناصبا ظهره واتجه إلى الزاوية، وبدأ يَشْبر المكان، ثم نظر وتفكّر، وكبّر للصلاة، فاهتز المكان واقتحم السائل الأمنيوسي الغرفةَ...

ومع هذه النُقَط الثلاث توقّفت المها عن الحكاية، لتصلها بحكايةٍ أخرى تبدأ من فجر الأسبوع التَّالي، وعنوانها: (جبهة تتدلّى). الحكاية التي بدأت بحلمٍ أيضًا، ولكنَّها هذه المرة لـ(عُميْر)، الذي وجد نفسه غارقًا في بحر السائل الأمنيوسي في مستشفى الرَحِم، ويتلو -من شدة الخوف- أيَّ آية يتذكّرها من القرآن، يُحاول أن يتذكّر آيةَ الغرق، مرّت على ذهنه: "فأغرقنا آل فرعون..."، "حتى إذا أدركه الغرق"، "مما خطيئاتهم أُغرقوا"، "وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم..." .... ثم أخيرا تذكّر ما يُريد: "قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رَحِم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين"، وحين تلاها، امتلأ المكانُ بالممرضات وأشكالهن الرَحمي، وظلَّ عُمَيْر يُردِّد: "إلا من رحم... إلا من رحم...إلا من رحم" انتبه إلى العلاقة المدهشة بين الرحمة والرَحم....، فحاول أن يتحسَّس أجساد الممرضات لكي يَجسَّ الرحمةَ... ولكن حين ظنَّ عمير أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم ليصحو منه، على سردابٍ مُهنْدَس بطريقةٍ بديعة، وفي آخره شيخ قائم يتلو: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين/ثم جعلناه نطفة في قرار مكين/ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر..." فوقف عمير بجانبه ليُصَلِّي معه، وحاول أن يتلو مثل ما يتلو، لكنَّ لسانه انخرس، وتكسرت جدرانُ السرداب، وانفتحت عينُه على الفضاء فرأى ممرضات المستشفى العجيب يتباعدن عنه شيئا فشيئا، وكأنهن يقعن في مكانٍ سحيق، فحاول أن يمد يده ليمسك بهن... ولكن حين ظنَّ عمير أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم ليصحو منه، على عاصفةٍ رملية تلفح وجهَه في صحراء لا حدود لها، وحاول أن يتعرف على المكان فرأى مشهدًا عبثيًا:

العجل الذهبي يجر صخورا ضخمة، وعزرا ينحت عليها كتاباته، ومايا تستفرغ عندها، ويُوحنا يطليها بدمه.

حتى إذا زاد هيجان العاصفة، دخل الرمل في عيني عُمير، وظل يَعركها ثواني معدودة، ولمَّا أبصر مرةً أخرى، رأى برجَ بابل مبني من الصخور التي كان يحملها العجل، فراح إليه مشدوهًا من جمال ما رأى، ولما قال "الله أكبر"، تهاوى البرج!!...، وحين ظنَّ عمير أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم ليصحو منه، في بيتِ جَدّه القديم في القرية، ووجد جدَّه جالسًا في ظلِّ نخلة في هدوء تام، وفجأة تحول الجد إلى ظلّ؛ ففزّ عمير من رهبته وتلفّت باحثًا عن جَدّه، حتى إذا أنهكه التعب سقط مغشيًا عليه فرأى من داخل عينيه أنه يطفو ببطءٍ في سائل دافئ وعَذْب، في ظلامٍ وأصواتٍ تنبض بانتظام، كأنَّها خفقات قلبْ...؛ حاول عمير أن يُحرك يديه فوجدهما مضمومتين إلى صدره، كأنه جنين...؛ حاول أن يسترق السمع ويكسر الهدوء لم يستطع، إلا أنه يسمع أصواتا كلما دخل السائلُ الدافئ العذب إلى أذنيه، وتتوقف إذا خرج، فأدخل فيهما السائلَ وسمع ذبابات بعيدة تُشبه صوتَ سيارات على إسفلت، وصوتَ أبواق، فشهق عمير وسحب السائل الدافئ -بالخطأ- إلى رئتيه، فتسرب إليه عطر نسائي، عطر قد شَمّه في حلم سابق قبل أن يتحول إلى صمغٍ في منجرةِ يوحنا...؛ وحين ظنَّ عمير أنَّه في الواقع، اكتشف أنَّه في أعماق حلم ليصحو منه، في مستشفى الــــ...، وجسده ممدّد في غرفة العناية المركزة، والأطباء يحاولون إنعاش رئتيه.

أنس؛
17، أيَّار، 3 ب.و

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى