في المسافة البيضاء.. رسائل لن تصل

يحدث أحيانًا؛ أن ما يسكن الصمت أجمل من القصيدة نفسها.

الكلمات التي تعانق روحك دون أن تدري، المشاعر التي تختار أن تقيم في تلك المسافة البيضاء، رقصة مشتهاة، حميمة بهذا الدفء، لا شيء أكثر ..

أعرف تمامًا ذلك النوع من حضورك الجميل الذي لا يحتاج إلى باب كي يدخل، ولا إلى صوت كي يُسمع.
يكفي أن يمرّ طيفكَ… حتى يغيّر شكل الداخل.

تأويل حنون لذلك الحضور... الضوء غير القابل للنسيان، كأنما فرحٌ يباغتك حتى أخمس الروح، يتسلل إلى الغرفة دون أن تدرك من أين يغمرك هذا الدفء!

وسؤال يأتي بذات العذوبة، كأنه وطن يسكنك؛
كيف يجعل ذلك ممكنًا ؟

عن تلك الرسائل التي كُتبت إليكَ كاملة، بفواصلها ونقاطها العفوية، ثم مسحتُها دفعة واحدة قبل أن تجد طريقها إلى زر الإرسال.

عن كلماتي الممحوة التي ذهبت لتقيم هناك، في المساحة المتروكة لأكثر من طريق.. يقودنا إلى كل ما تركه عطر الصمت بيننا.

بعض الأشخاص لا يغادروننا حين يرحلون، ولا يحضرون حين نذكر أسماءهم.

أنتَ تقيم في مكان آخر...
في أبدية التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد؛

في كتابٍ ألوذُ إليه بلا سبب.
في رسالة قصيرة توقفتُ عند قراءتها أكثر من مرة.. كأنما رعشة مرّت بين السطور..
في نافذة تُفتح على ضوءٍ لا يشبه ما بعده.

في أغنيةٍ قديمة تعود إليّ دون موعد.
في لحظة صمتٍ بين حديثين، لا تشبه الأيام كلها.
في فنجان قهوة يبرد ببطء لأنني سرحتُ بكَ بعيدًا.

في تفاصيل صغيرة تغيّر مزاج القلب دون إذن.
وفي حنينٍ يتصاعد مرارًا… كأنه لا يعرف طريقًا آخر.

في صمت الغرفة الذي لم يعد موحشاً، كأن جدرانها باتت مزهرة بصدى ضحكة قديمة، أو رنين نبرةٍ ألفناها معاً، هناك حيث تفقد العزلة أنيابها، وتُحوّلُ وحشةَ المكان إلى فرحٍ صغير يشبه العودة إلى البيت بعد سفر طويل.

وفي أثر يدٍ لم تلمسني… لكنها بقيت هناك، بالقرب،
تخفف عواصفي بصمت...

شعورٌ مبهج بالأمان، يزور الروح، فأبتسم بطمأنينة، وأنا أركض بذلك الفرح إلى مكانٍ يشبه بيتاً صغيراً في قلبي…

لهذا لا أخاف على الأشياء الصادقة من الغياب.

ما كُتب له أن يسكن في ذلك البراح، لا يحتاج إلى حضور دائم كي يبقى.
هناك حضور يتجاوز عقارب الساعة؛ فلا هو ماضٍ نتحسر عليه، ولا هو انتظار مؤجل.. إنه حاضر مستمر، يتجدد في كل مرة نلتفت فيها إلى الداخل، كأنه يرفض أن يصبح مجرد ذكرى.

وهناك من نحبّهم بهدوء يشبه التنفس.
وأنا عند حافة الفرح… أكتفي بالقليل منه، وأنكَ مررتَ من هنا،
تركتَ أغنيات تشبه عصافير القلب، ومكانًا لا يشبهه أحد.
ربما لهذا بقيت بعض القصاصات في الذاكرة،
في ذلك المحراب الهادئ من الروح،
وبقي هناك أيضًا...
للأبد.

4 يونيو 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى