العربي عبدالوهاب: يوم تركته على ماسورة "العجلة" وحيداً

الأحزان القديمة ترفرف منسابة فى دفقات من الشجن المر أحيانا.

تلك المرة كان جالسا على ماسورة "العجلة" أمامى.. ماسورة مريحة لعجلة من موديل عتيق، فئة الـ (28) حيث "الجادون" مستوٍ والفرامل عبارة عن وصلات مترابطة من الأسلاك.. "عجلة" متينة مقارنة بـ "العجل" الطالع حديثا، لدرجة أننا كنا نركبها ثلاثتنا ـ أنا وهو وأخى الذى يصغرنى ـ وتجرى بنا دون أنين، أنا على المقعد الخلفى غالبا. أو نتبادل معاـ أنا وشقيقى الذى يصغرنى ـ مقاعدنا،

بعد مناوشات، يحسمها غالبا هو.

أستريحُ أنا حين أكون جالسا على المقعد الخلفى للعجلة، بحيث يتسنى لى الانفلات والترجل، وقت ملاحظة بوادر لأية حادثة قادمة فى الطريق.

تلك المرة كنتُ أنا وشقيقى الأكبر فقط.

أقود أنا،

وهو جالس على الماسورة من أمامى.



سألنى: تعبت ؟

أجبته: لا.

قال: تنزل و أسوق أنا؟

قلت : ليه مش تعبان؟

قال: فيه مطلع صعب جاى.

قلت: عادى.

ولأنه (الأكبر) كان يخشى علينا مواجهة المصاعب، وفى المشاجرات مع الآخرين، عادة يتقدم هو، إذا اعترض طريقنا أحد،

وأحيانا يقوم بتأديبنا إذا لزم الأمر، أما عندما ندِّعى المرض، رغبة فى ترك الشغل، والانفلات منه، كى نعود للعب مع العيال.. فكان يردعنا بكل الوسائل.. إذا لم يفلح فى ترغيبنا وإثنائنا عن هدفنا الصبيانى.. كان ببساطة يضربنا.

وكنا نعلم.

أن النصر حليفه.

فنقلل من اعتراضاتنا غير المجدية.

وإذا إشتكينا لأبى حال عودتنا ـ بعدما يفشل فى التوصل معنا لتسوية الأمر قبل العودة.

تسوية تعوضنا عن الأذى البدنى الذى مارسه علينا.. كأخ أكبر.

يغضب منه أبى، ويلومنا أيضا.. ويعتذر لنا نيابة عنه، ثم يعدنا بحل الأمر.

أعترضُ معلنا عدم ذهابى إلى الشغل معه فى الغد.

يوافقنى أبى بهزة خفيفة من رأسه.

هو الكبير.

وكان أخى يعتذر لى قبيل الذهاب فى النوم،

ننام ثلاثتنا على سرير كبير، فى حجرة واحدة.

ولأنه يتحمل عناء مسؤولية الشغل، وضرورة تسليمه فى الموعد، ولأنه... ولأنه ... يحاول تقديم تبرير لقيامه بضربنا، أملا فى زحزحتى عن قرارى كى أتراجع، وأذهب معه فى الغد،

وتحملنا نفس العجلة.



مؤكد أن مساهماته فى الإنفاق على أسرة مكونة من سبعة أفراد، ومؤكد أن راتب أبى الذى لا يكفى، كان أحد أهم العوامل التى تكبح غضبى منه.

يومها كان هو أمامى على ماسورة "العجلة"، ووعدنى بأننا سنتعامل كأصدقاء.

لن يعتدى أحد منا، على حقوق الآخر.

وقلت له: كلام رجالة؟؟!

وقال: وعد يا سيدى .. كلام رجالة.

كان مفتول العضلات، حتى الحديد كان ينصاع لينا بين يديه، تحت وطأة تقطيعه، وتركيبه ـ كمهنى ماهرـ فى بناء أسقف البيوت والعمارات التى تولاها كمقاول شاب، يتفوق بمهاراته على أقرانه، حتى وصل لمرتبة (معلم) مسؤول عن إدارة دولاب بالكامل. وهو فى سن لا تتجاوز عشرين عاما.

كنا نعمل معه، ونتقاضى أجورنا فى السنوات الأخيرة، كأننا عمال أغراب،

أثناء الإجازات الصيفية.



ذلك الصباح كان قاصدا مقهى بـ "شارع الحمام"، لجلب عامل يشتغل معنا، كى ننتهى من (الشغلانة) ويتمكن من تسليمها،

وتخليص حسابها.

ذلك اليوم رفضتُ النزول مصراً على استكمال القيادة، خاصة بعد عبورنا لـشارع "حلقة السمك"، وكنا على بدايات الصعود نحو كوبرى (أبوعميرة) .. ودُستُ بكل عزمى على البدال، فصعدنا بسرعة كبيرة لا تناسب دخولنا لتقاطع الطريق القادم من ميدان الزراعة، والذى يتقاطع مع القادم من الصاغة.

نبهنى بضرورة تهدئة السرعة.

وتخفيف قدمى عن بدال "العجلة".

حاولتُ لكن الفرامل كانت معطلة ونسينا إصلاحها، منذ أيام.

اكتشفنا هذا العطل فى الوقت الذى كان فيه تاكسى الأجرة الأحمر، قادما بسرعة كبيرة من ناحية "الصاغة"، قاصدا عبور مزلقان السكة الحديد، ولما عجزت عن التصرف، وتحت وابل من الشتائم التى لحقت بى منه.. وقلقه.

وجدتنى أقفز، تاركا إياه على ماسورة "العجلة" وحيدا، يواجه مصيره وحده؛ وترجلت ملاحقا الطريق بأقصى سرعة، سرعة تناسب سرعة العجلة المندفعة، حتى هدأت سرعتى وتوقفت؛

كانت عينى على المشهد، و"العجلة" بسرعتها تواجه مصيرها، وهو ممسك "بالجادون"، وما زال على الماسورة قاعداً،

والعجلة بدون قائد.

رأيته يواجه مصيره بجلد.

وكنت أواجه خوفى عليه برعب.

وخوفى منه كان (يوزنى) أن أهرب منه،

وخوفى يومها أقعدنى متقرفصا على جانب الطريق، متابعا نهاية المشهد.

لذلك فقد بقيتُ فى مكانى متابعا.. وبقيت روحى ترفرف من أجله،

أخيراً تمكن سائق التاكسى من القبض على فرامل سيارته، فاحتكت العجلات فى الاسفلت محدثة صوتا مفزعا، ورأيته ينزل من فوق الماسورة، بعدما تمكن من ايقاف "العجلة" بسحب قدمه على الأرض، بديلا عن الفرامل المعطلة،

حمدتُ الله على سلامته.

ثم رأيته يسحب "العجلة"،

ويمشى فى طريقه.

دون أن يلتفت وراءه،

تبعته وأنا منكس الرأس.. ذليلا.. خائفا،

راجياً من الله أن يمر ذلك اليوم على خير.

ولا ينتهى بـ "علقة ساخنة" منه.

أدرك تماما أننى أستحقها

كما أدرك أننى خشيتُ الموت،

ماذا أفعل والروح غالية والفرامل معطلة، وهو يستصرختى.

وأنا فقدت تركيزى تماما، فهمست لى نفسى بأنانية شديدة أن أنجو بنفسى.

وتكون الخسارة غير مضاعفة.. شفقة بأبى الرجل العجوز.

فتركت أخى وحيدا.

هل يمر ذلك اليوم على خير؟؟؟

وهو هل سامحنى ـ الآن ـ بعد مرور خمس سنوات على رحيله.

هل؟!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى