سمير لوبه - رفيق العراف...

في منطقة العلواية خلف محطة مصر أزقة ضيقة تتعفن فيها المياه الراكدة تحت أقدام المارة وبيوت قديمة أنهكها العمر، وفي بيتٍ صغير يتنفس العفن والظلام يثير رهبة البيوت المسكونة في النفس.
على بابه الخشبي المتهالك تمساحٌ صغير محنط مفتوح الفم وبجواره خفاشٌ أسود متدلٍ من حبل مهترئ تدفعه الريح فيدور كجثةٍ معلقة لم تجد من يدفنها، الباب تتوسطه عينٌ ضخمة مرسومة بلون أحمر قانٍ عينٌ تحدق في كل من يقترب وكأنها تنظر داخله.
كان أهل العلواية يسمونه بيت رفيق العراف.
لا يذكر أحد اسمه مجردًا فكلمة العراف ملتصقة بروحه حتى محت ما تبقى من إنسانيته.
ما إن تمر بجوار البيت حتى تهجم عليك رائحة كريهة، خليط من عطن الرطوبة ودخان بخور رخيص وشيء يشبه رائحة اللحم الفاسد، رائحة تبقى عالقة في أنفك ساعات طويلة حتى تشعر أنها تسللت إلى حلقك ورئتيك.
أما رفيق فكان صورة للفقر المقزز.
رجل نحيل يرتدي جلبابًا متسخًا ولحيته متناثرة وعيناه غائرتان سوداوان، إذا مر في الشارع انكمشت الوجوه من رائحته وإذا جلس على القهوة العالية أم سلالم تحرك الرجال بعيدًا عنه بحجة إفساح المكان.
أتذكره جيدًا وأنا طفل.
كان يجلس في الركن القصي من القهوة أمام كوب شاي أسود بارد تتدلى مسبحته الطويلة على صدره وأمامه أحجبةٌ مطوية، تهمس إليه أمهاتٌ يبحثن عن ابنٍ ضاع ورجالٌ يخشون الحسد ونساءٌ يردن فك المربوط.
كنا صغارًا ونراقبه من بعيد، ثم نهرب إذا التفت إلينا لأننا نظن أنه يرى الجن واقفين خلفنا.
لا يجرؤ أحد على دخول بيته إلا قلة من المنكسرين الذين دفعتهم المصائب إلى بيته العفن.
ثم مرت السنوات وكبرنا وتبدلت حال الدنيا.
تغيرت محطة مصر واكتسى الميدان بأضواء زاهية واختفت الحناطير وارتفعت الواجهات الزجاجية والمحال الحديثة وصار الميدان أكثر صخبًا وأناقة.
لكن العلواية ظلت كما هي يرفض الزمن دخولها.
بيوت متشققة كأفواه عجائز بلا أسنان وجدران أكلتها الرطوبة وأكوام قمامة تتنازعها القطط والقوارض وكلاب ضالة تنام وسط الطريق غير عابئةٍ بأحد حتى الهواء أثقل من هواء المدينة كلها فالأنفاس هناك تصدأ قبل أن تخرج من الصدور.
وذات مساء شتوي ساقني الحنين إلى القهوة العالية أم سلالم، الكراسي جديدة والإضاءة ساطعة وماكينة القهوة الحديثة والشاشات المعلقة على الجدران، كل شيء صار يواكب العصر.
جلست أحتسي قهوتي وأنا أراقب الناس حين توقفت سيارة سوداء فارهة ونزل منها رجلٌ أنيق يرتدي بدلة زرقاء داكنة تفوح منه رائحة عطرٍ فاخر.
يفتح الباب الخلفي باحترامٍ بالغ لينزل رجلٌ آخر
في البداية لم أعرفه، رجلٌ ممتلئ الجسد يرتدي جلبابًا ناصعًا فوقه عباءة سوداء مطرزة بخيوط ذهبية تتلألأ أصابعه بخواتمَ فضيةٍ ضخمة ذات فصوص حمراء وخضراء وزرقاء ولحيته مهذبة بعناية وفي عنقه سلسلة ثقيلة يتدلى منها حجر أزرق كبير لكن الشيء الوحيد الذي بقي كما هو العينان، نفس النظرة القديمة باردة غامضة تشعر أنها تعرف عنك ما لا تعرفه أنت عن نفسك.
انتابتني قشعريرة فقلت دون وعي:
- رفيق العراف.
اندفع نحوه رجلٌ ذو هيئةٍ أنيقة ينحنى أمامه ويمسك يده يقبلها في خضوعٍ أثار ذهولي.
ثم تبعه شابٌ أنيق يحمل هاتفين يخفي وجهه بنظارةٍ سوداء يحيطان به في توقير واحترام.
شعرت بغثيان وراقبته وهو يجلس في صدر القهوة والهواء حوله بدا مختلفًا؛ الآن تنبعث منه رائحة عطر راقٍ.
رفع رأسه فجأة والتقت عيناي بعينيه، ولثانيةٍ واحدة عاد إليَّ الطفل القديم المختبئ داخلي الطفل الذي كان يهرب من نظرة هذا الرجل.
ابتسم رفيق ابتسامةً لا دفء فيها، ثم أشاح بوجهه
فدفعت الحساب وخرجت والليل قد تمدد فوق محطة مصر بأضوائها الزاهية وانعطفت نحو العلواية شعرت أنني أعبر من زمن إلى زمن؛ هناك لم يتغير شيء فالبيوت تتآكل بصمت وركام البيوت المتهدمة مكدس مكانها، القوارض تفر بين الحجارة كأشباح صغيرة والكلاب الضالة تنبح في الظلام تحرس الخراب أما بيت رفيق العراف قائمٌ كما هو.
الباب الخشبي المتهالك والعين الحمراء والخفاش المعلق والتمساح المحنط الذي يفتح فمه للريح منذ زمن بعيد.
فشعرت أن العلواية كلها تشبه لعنة قديمة فالميدان يتجمل من الخارج أما العفن الحقيقي فما زال حيًا في الداخل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى