فاتن صبحي - جرعة زائدة...

الباب موارب.
دفعه الأب برفق، ثم توقف عند العتبة. جال ببصره في الغرفة؛ ملابس متناثرة فوق الأرض، كتب مبعثرة بين السرير والمكتب، درج نصف مفتوح، كوب على حافته بقايا عصير جفّت، والغطاء ملتف، مهزومًا في معركة مع النوم.
تنهد طويلًا وقال:
ما هذه الفوضى التي تعيش فيها؟
رفع الابن رأسه عن هاتفه، ألقى نظرة عابرة، ثم أعاد بصره إلى الشاشة، غير عابئ بالسؤال.
وقبل أن يضيف الأب كلمة أخرى، أسرعت الأم إلى الداخل.
انحنت تجمع الملابس، وأعادت الكتب إلى رفوفها، وسوت الغطاء بيديها، وقالت في لهفة:
دعها... سأهتم بها.
نظر إليها الأب بصمت، ثم قال:
المشكلة ليست في الغرفة... المشكلة أننا كل يوم نرتب له ما يبعثره، حتى يأتي يوم لا يعرف فيه من أين يبدأ.
ابتسمت، وربتت على كتف ابنها برفق.
لا يزال صغيرًا... سيتعلم.
خرج الأب.
وبقيت هي ترتب ما تركه خلفه.
اعتادت أن تسبقه إلى كل ما يتركه ناقصًا.
عاد يومًا من المدرسة، ألقى حقيبته عند الباب، ثم تمدد أمام التلفاز.
نادت عليه:
ألم يبق لك واجب؟
قال وهو يثبت عينيه على الشاشة:
سأنهيه لاحقًا.
ابتسمت، وسحبت الدفتر إلى جوارها.
راحت تمحو أخطاءه، وتكمل السطور الناقصة، مقلدةً خطه الصغير، ثم أعادت الدفتر إلى الحقيبة قبل أن ينتبه.
وفي الصباح، حملها تحت ذراعه، ومضى.
وفي مساء آخر، ارتطمت كرته الصغيرة بالمزهرية القديمة.
تناثرت شظاياها في أرجاء الصالة.
وقف الصغير واجمًا.
اقتربت الأم، نظرت إليه، ثم إلى الزجاج المتناثر.
وقبل أن يصل الأب، دفعت الكرة بقدمها أسفل الأريكة، وانحنت تجمع الشظايا.
دخل الأب مسرعًا.
ماذا حدث؟
رفعت رأسها وقالت بهدوء:
أفلتت من يدي.
ظل الصغير يراقبها.
لم تعاتبه.
ولم تطلب منه أن يعتذر.
اكتفت بأن جمعت آخر قطعة زجاج، ثم ابتسمت له.
كبر الصبي...
وكبر معه يقينه أن للأخطاء دائمًا يدًا أخرى تتحملها.
أما هي، فبقيت تدور في فلكه.
توقظه كل صباح، وتعد له فطوره، وتكوي ثيابه، وتبحث عن مفاتيحه إن أضاعها، وتسبق يده إلى كل ما يحتاج إليه.
إذا طلب، لبّت.
وإذا ناداها، أجابت.
ومع كل مرة تلبي فيها طلبًا، كان شيء صغير من انتباهه إليها يتلاشى.
لم يعد يلحظ بطء خطواتها وهي تصعد الدرج.
ولا ارتجاف يدها وهي تحمل الطعام.
ولا انقطاع أنفاسها بعد أقل مجهود.
كان جالسًا أمام التلفاز.
قال دون أن يلتفت:
أمي... أريد كوبًا من العصير.
نهضت على مهل.
وفي طريقها إلى المطبخ، توقفت لحظة تستند إلى حافة الطاولة، ثم أكملت كأنها تخفي تعبها عن البيت كله.
عادت بالكوب.
تناوله منها دون أن ينظر إلى وجهها.
ارتشف رشفة، ثم قال بضيق:
ليس باردًا بما يكفي.
أخذت الكوب من يده، وابتسمت.
سأبدله.
وفي صباح بدا مختلفًا...
استيقظ متأخرًا.
ظل ممددًا لحظات ينتظر وقع خطواتها، وصوت الأكواب في المطبخ، ورائحة الفطور التي كانت تسبقه إليه.
لم يأتِ شيء.
فتح عينيه.
القميص الذي خلعه بالأمس ما يزال على الأرض.
الكتب متناثرة.
الغطاء كما تركه.
الكوب على حاله.
اعتدل في جلسته.
نظر إلى الباب.
ظل مفتوحًا...
لكن أحدًا لم يعبره.
قال بصوت خافت:
أمي...
ابتلع البيت صوته.
نهض على عجل.
خرج يبحث عنها في أرجاء البيت.
أمي...
أمى...
ارتفع صوته هذه المرة، وقد خالطه ضيق لم يعتده.
فتح باب المطبخ.
لم يجدها.
مر بالصالة.
ثم اتجه إلى غرفتها.
طرق الباب بقوة ودفعه بقدمه
وقف في منتصف الغرفة...
صامتًا...
ولأول مرة...
يدرك أن الفوضى لن تمتد يدٌ إليها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى