إبراهيم محمود - قصاصات في الريح...

1783401191344.png




استهواه الطيران كثيراً، فاستسهل التحليق عالياً، وهو واقف على أعلى ذروة جبل معمَّم بالضباب.. رمى بنفسه في الفراغ الهائل تحت وطأة نشوة استباقية. أدرك سريعاً أن ثمة هاوية سحيقة تنتظره .

***

قال الولد لأبيه: لقد أصبحتُبالغاً وراشداً وقد نبت شعر ذقني ولحيتي، وآن أوان زواجي.
ابتسم الأب، ومع ابتسامته، أبصر الولد فأراً يدخل الغرفة، وفي ثانية احتمى بأبيه.

***
أراد الشاعر العاشق إثبات براعته في قول الشعر وحبه لحبيته، وهو يستهل قوله بـ" سأضع الأرض بين يديك تلعبين بها كما تريدين"، سألته ساخرة: حينها أين سنكون ؟

***

كان عاشقان يتغازلان في ضوء القمر، تحت ظل شجرة ، والعاشق يظهر شجاعته وخروجه في الليل البهيم..في اللحظة تلك، غطت القمرَ سحابةٌ سوداء قاتمة. ترك العاشق يد عاشقته سريعاً، متسلقاً الشجرة ، وهو يردد: أنا لا أطيق العتمة .

***

كان الرجل الخمسيني يسلك طريقاً طويلاً، وهو يكرر يا لهذا الطريق، أليس له من نهاية، ليتناهى إلى مسمعه صوت: ومن أجبرك على سلوكه بداية؟

***

بحماس منقطع النظير، صرَّح العاشق لعاشقته أنه لا يستطيع تخيّلها وهي زعلانة منه. فعلقت على كلامه قائلة: لا تبالغ كثيراً. فاحتد وهو يقول لها: قوليها صراحةً : أنت تكذب؟

***

بصق الشاب اليافع على المرآة وهو يدقق في وجهه مقارناً إياه بنجم سينمائي، ويقول: اللعنة عليك كم تبشّعين الوجوه. ارتدت بصقته إليه ، وصوت خارج في المرآة: ما ذنبي إذا أريتُكَ وجهك الذي تحمله وليس من تحبه؟

***

قالت المرأة لجارتها : أنت لا تهتمين برائحة فمك .. إنها منفّرة .
ردت الجارة : لكن زوجي لم ينبّهني إلى رائحة فمي أبداً، وهو لا يكف عن تقبيلي ؟

***

ثمة امرأة كانت تخرج من الحمّام كل صباح، وهي تمشّط شعرها أمام مرآتها الصدئة، زاعمة أن زوجها لم يتخل عنها، رغم أنه فارقها منذ سنوات طوال .

***
دخل كاتبٌ مجلساً، تداخلت أصوات المتواجدين فيه حول الثقافة والأدب.وخرج سريعاً، فسأله أحدهم: أنت لم تقل شيئاً. فرد وهو يتجه نحو الأب: ها قد قلته !

***

رجل ثمانيني، يقتعد ظل شجرة بيته الصغير يومياً، وصورة زوجته المتوفاة أمامه. الذين يعرفونه عن قرب لا يكفّون عن التعليق بأنه فقد وعيه، بينما كان يستعيد لحظات حياته الدقيقة معها، ليمضي بعدها إلى بستانه الصغير وملؤه شعور أنها تعمل بجانبه.

***

حطت فراشة على مقربة من خنفساء الروث، وامتعضت وهي تقول لها : يا لك من كريهة الرائحة. فأسمعتْها صوتَها في الحال: تلك طريقتي في العيش، ولم أقم معك علاقة تعايش مشتركة !
***

أطلق الطاغية رغبة ترددَ صداها في المكان، وهو يأمر النهر بالتوقف عن الجريان، فمضى في سيره غير عابىء به وهو محاط بحاشيته . فما كان منه إلا أن أصدر أمراً بردم النهر من منبعه إلى مصبه ، وتملّكته الهستيريا حين عجز مأموريه عن فعل ذلك.

***
نبح كلبٌ في وجه الأسد. تجاهله الأسد، حتى شبع نباحاً ومضى. وردد الأسد في سره: يا للأحمق، ماذا كانت تقول عنّي حيوانات الغابة ، إذا بادرته ولو ببعض زئير مني؟
***
قالت المرأة المتزوجة حديثاً، وهي في قصرها المنيف للبلبل: أنا وأنت سواء، كلانا في قفص. رد عليها البلبل: أخطأت بقولك هذا. أنا أسيرُ القفص الذي لم أرده يوماً، بينما أردت أنت أن تعيشي هكذا، ولا أشعر بحريتي إلا في الهواء الطلق ومع من هم مثلي .
***

استنبح أحدهم ليلاً في العراء ، فأحاط به قطيع من الكلاب. اقترب منه كبيرها وهو يقول له: تحتاج إلى الكثير لنصدّق أنك تنبح مثلنا، عليك أن تعرف أولاً من تكون ، لتحسن تقليد سواك جيداً.

***
الشاعر الذي أطلق العنان لجموح خياله في وصف من يحب، وهو يحلَّق مع خياله هذا منتشياً به ، غاب عن أنظار المحيطين به، وعجز عن العودة إليهم.

***
سألت البنت أمها: هل تحريك المؤخرة بالنسبة لنا كاف ٍ لشد انتباه الرجال؟ ردت عليها أمها بابتسامة سخرية: ربما تكسبين بذلك ركلة على مؤخرتك، لا بد من نصْب الشراك جيداً لاصطيادهم، أي كيفية هز البدن كله!
***

كان المريض يتلوى ألماً في فراشه، ويتقلب يمنة ويسرة .وهو يصبُّ جام غضبه على فِراشه بزعم أنه غير مريح . دخل صوت خافت في أذنه يحاول تهدئته: دع الفراش وشأنه، العلة في جسمك أنت ، والفراش هو الفراش نفسه .

***
كان الرياضي عدّاءً ماهراً، ولكنه ما أن قطع مسافة قصيرة حتى شعر بصعوبة التحرك، حيث إنه سخَّر كل قواه الحركية دفعة واحدة في انطلاقته الأولى

***

تنفست النملة الصعداء وهي تقول: لقد جمعت مؤونة سنة كاملة. سمعتها قردة صغيرة، فابتسمت وهي تعلق عليها: يا لك ما جاهلة، مجموعة حبّاتك لا تكفيني ليوم واحد.. ردت عليها دون أن تلتفت إليها: أيتها الحمقاء، أتحدث عن نفسي كنملة لا كقردة مثلك.
***

عاش ابن عربي وحدة العالم في نفسه، لم يعتمد على أي جهاز اسطرلاب لتأكيد ذلك، قال أنا هو هذا الجهاز، تاركاً التأويل الصوفي يأخذ مجراه، استفظع خصومه أمرَه، بينما كان يعيش هو نشوة وحدة وجوده.

***
سأل كاتب مشاكس الشاعرَ الكردي أحمد خاني صاحب ملحمة " مم وزين " الشعرية الشهيرة، لماذا وحدتَ بين عاشقيْك في موتهما، رد سريعاً: حتى لا يلتقي حبهما النقي بحبكم الفاسد الذي تتباهون به في حياتكم هذه التي تعيشونها .
***
أكد غاليليه لمن حوله، ولقضاته أن الأرض تدور، اتهموه بالكفر، لأنه كلما أشار إلى أن الأرض تدور، كانوا يتلفتون حول أنفسهم فقط ويتحسسونها ، وحده غاليليه كان يعيش دورة الأرض في كونيتها .

***

في لقاء غير مسجل مع نيتشه، سأله أحد الحضور، هناك تناقض كبير جداً بين أنفك الذي يبدو صغيراً مقارنة بشاربيك الكثين اللذين يكادان يسرقان الأضواء حتى من وجهك. ابتسم من وراء شاربيه هازاً رأسه وهو يقول: في هذه النقطة اقرأوني تعرفوني جيداً.

***
قال بورخيس لمن حوله موضّحاً موقفه من الرواية : ليس هناك رواية إطلاقاً، لأن حياتنا كلها تلتقي في رواية واحدة، وهي تضم كل شيء، هناك قصة، والتحدي هو في كيفية كتابة قصة تتضمن نثريات وجود مختلفة، حتى ما هو فلسفي وخرافي وشعري، فاعترفوا ببراعته في هذا المجال.
***
يقال أن دريدا في جلسة نقاش حول منهجه في التفكيك أوضح ما تميّز به وهو أن أغلب من قرأ لهم من الفلاسفة والمفكرين يمضون إلى النهايات، سوى أنه يمضي إلى البدايات وكيف تشكلت بدايات ٍ، ثمة من لم يوافقوا على طريقته، لكنهم في داخلهم كانوا ينظرون إلى الوراء.

***
تحدى الزمنَ وهو يريد رؤية العالم بكل ما فيه ومن فيه، أمهله الزمن كثيراً، طاف العالم جميعاً، تنبه إلى نفسه فجأة، إلى أن أصبح بادي الصغَر، بالكاد كان يرى صورته في المرآة، وقد عجز عن الرجوع إلى الوراء ولو قيد أنملة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى