إبراهيم الديب - أنا بنت ناس...

بعد خطوبة سمير لصباح بفترة قصيرة وأثناء دردشته معها قال لها فجأة : ما هو رأيك الذي كونتيه عن شخصي فقالت مباشرة وكأنها مذيعة نشرة أخبار: أنت ابن حلال و مؤدب ومن أسرة طيبة، فلم يبدي سمير: سعادة لإجابة صباح الروتينية المجاملة التي عادة ما تقال في مثل الظروف وخاصة أنه لم يقف على حقيقة شخصية خطيبته، وكانت رغبته عدم تكوينها صورة مثالية من نسج خيالها عنه : يخدمها سلوك وتطيح بها تصرفات بعد اختبار الأيام له، لكونه سمير شخص بسيط وصادق ويرغب بوقوف خطيبته على شخصيته الحقيقية .

ويتمنى الا تتكلف خطيبته أثناء الحديث معه وتظهر تلقائية عفوية ، وحبذا لو أخبرته بمشاعرها الحقيقية تجاهه وهل هي سعيدة لتقدمه لخطبتها، أم كانت موافقتها عليه بناء على رغبتها الشخصية أو تحت ضغط الأسرة ، فشكرها سمير :ولكنه سألها :من اين استقيتي معلوماتك عني فقالت: من والدتي فقال: كانت سعادتي أكبر لو ان هذه النتيجة أنتي من خلصتي إليها عن قناعة وليس ترديدا لرأي آخرين فقالت : لم أجد فيما ذكرته ما يسوؤك حتي تعكس ملامحك هذا الغضب إذا كنت نادم على ارتباطنا، ولا تجد في نفسك لمواصلة الخطبة كل منا يذهب لحال سبيله، هنا ابدت ملامح سمير سعادة الإجابة صباح الصريح القاطعة فقال لها بعد اجابتك الأخيرة أنتي الإنسانة التي كنت أبحث عنها وصدقت فيك فراستي ولم يخب ظني باختياري لك : اصدقك القول كان أشد ما أتخوف منه ان تبدأ علاقتنا مثالية يرتدي كل منا عدة أقنعة تسقط تباعا أمام الاخر بمرور الوقت فأنا لم اكره شيء في حياتي مثل بعضي للتكلف والمجاملة الزائدة التي تصل بالشخص لدرجة البرود و الرخامة ..

وبما أننا نشبه بعض الصفات كثيرة وعما قليل سنتزوج: عندي رغبة في اطلاعك على مزيد من صفاتي: ليس من بينها اني ابن حلال وأصول و من اسرة محترمة الى اخر المجاملات التي تخفي أكثر مما تبين ، وتمثل قيدا على من يحبس نفسه بداخلها لأني أعتبرها عملة المزيفة يتداولها الناس كمن يحمل ليس له رصيد، صباح تنصت لسمير،: بدهشة وشغف دون الوقوف على حقيقة مشاعرها تجاهه فهي ليست سعيدة ولا غاضبة ولكنه توقف فجأة سألها :هل كنتي تتوقعين مني مثل هذا الحديث فقالت على الفور وكأنها كانت تنظر سؤاله : لا كنت انتظر منك حديثاً في الحب والغرام كنت سأكون سعيدة لو انصت اليه ولكني أشد فرحا بصراحتك التي ابانت عن دخيلة نفسك .

ثم غابت صباح في سرحه طويلة لمناقشة ما قاله خطيبها الذي طلبت منه مواصلة تعريف نفسه فقال سمير الذي قرأ من ملامح خطيبته رغبتها في معرفة المزيد عنه : اتفقنا اليك ما عندي أنا شخص مولع بالقراءة فإذا صادفتي مني خلوة بالكتب بعد زواجنا مستغرقا في القراءة فلا يكون اقترابك مني حينها إلا لضرورة قصوى، وعدم اقترابك أفضل حتي أفرغ لك، وعليك تقدير الوقت الذي أتناول فيه كوبا من القهوة بعد انتهائي: إفراغ سابقه في بطني ساعتها عليك القيام بإعداد كوبا جديداً. وأمر آخر فقالت ما هو قال: دخولي في سرحات طويلة اغيب فيها عن الواقع فإذا شاهدتي ذلك فعليك عدم الحديث معي أو مناقشتي في أي شيء: لأنك لن تظفري مني بشيء ثم رفع اصبع يده من الكف الذي يرتدي فيه دبلة الخطوبة، أنا لا أحب ارتداء شيء في أصابعي منذ أن خلقني الله ولذلك اضع الدبلة في جيبي ، لا ارتديها الا مرة واحدة كل أسبوع وهي الفترة التي نقضيها معا :وتحديداً قبل طرقي لباب بيتكم ثم سألها, ان كان ثمة يسوئها مما انصتت اليه او اذا كانت ترغب تغييره حتى لا يقف حائلاً دون إتمام زواجنا فأجابت بالنفي..

ثم سألته عن اي نوع العطور تفضله حاسة الشم لديه، بعد أن وضعت صباح نقطة من زجاجة على ظهر كف يده فأخذ سمير يقرب ظهر كغه من أنفه قائلا : رائحة فواحة لم تنفر منها حاسة الشم ، ولكن ولكن أجمل ما وصل لأنفه من رائحة على الاطلاق رائحة الفجر المحمل بشبورة تخلفها ثمار الفاكهة والزهور في بداية فصل الربيع من كل عام : هي رائحة أقرب حريق تم اطفاؤه منذ قليل، وأنه شديد الحرص إذا صادفها أن يعب منها عب الظمأن وأن يملئ منها كهوف صدره. شجع حديث سمير عن نفسه : صباح على البوح والحفر بداخل أعماقها ما استطاعت التعبير عنه وسمير ينصت إليها في سعادة بالغة لكونه تجول بداخل نفس وعقل خطيبته .
بعد زواجهما و عودة سمير للبيت في أحد الايام وأثناء صعوده درج البيت كانت هناك رائحة لحم مشوي نفاذة تداعب غريزة الجوع ،وكانت زوجته قبل خروجه أخبرته أن ستطهي اللحم شوربة وبعد طرقه باب شقته ودخوله اخذت زوجته بالاعتذار له بعد مداهمة رائحة للحم مشوي بعد نسيته على النار وتبخر ماءه تماماً والتصق بالوعاء بعد نسيت نفسها مندمجة في مشاهدة فيلم" أنا بنت ناس" لفاتن حمامة" بعد ان توحدت مع البطلة ورثت لحالها طيلة أحداث القصة, فقال لها سمير: لا عليك يا زوجتي ولكنك لم تذكري لي يوماً أثناء فترة الخطوبة عن انفصالك عن الواقع عند تقمصك لبطلة العمل الفني فقالت : نسيت وأخذت تعتذر مرة أخرى عما حدث للحم الذي كانت سبباً في فساده ، فقال لها سمير الذي وضع اللحم المفحم أمامه وأخذ في التهامه بشهية مفتوحة ما حدث من تحول للحم من شوربة لمشوي هو عين الصواب ونموذج للطعام المفضل لدي ، فأنا منذ صغري من المغرمين ومن عشاق اللحم المشوي ألم أذكر لك ذلك أثناء فترة الخطوبة؟ ..

إبراهيم الديب
**********************

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى