د. محمد سعيد شحاتة - الذاكرة الجريحة وشعرية التكرار في قصة "شريعة التكرار" لوئام أبو شادي

ترتكز قصة "شريعة التكرار" لوئام أبو شادي على تصور سردي لا تكون فيه الحادثة هي مركز الدلالة بقدر ما تكون الذكرى التي تخلّفها الحادثة داخل النفس؛ فالقصة لا تتجه إلى رواية سيرة متكاملة، ولا تسعى إلى بناء حبكة خارجية تتنامى عبر سلسلة من الأفعال المتعاقبة، وإنما تختار لحظة يومية محدودة تبدو عابرة في ظاهرها، وهي امرأة توصِّل ابنها إلى المدرسة، ثم تمضي في الشوارع على غير هدى، قبل أن يستوقفها صوت رجل مسنٍّ يمسح السيارات ويغني إحدى أغنيات سيد درويش، غير أن هذه اللحظة القصيرة سرعان ما تنفتح على زمن نفسي شديد الكثافة؛ إذ يوقظ صوت الرجل في وعي الراوية صورة أمها الراحلة، ويستدعي رائحة قُرَح الفراش التي لازمت جسدها قبل الموت، ثم يجرُّ وراءه صور الطلاق والوحدة وفقدان الشغف بالحياة، ومن ثم فإن لا تتحرك من بداية حدث إلى نهايته، لكنها تتحرك من سطح الحاضر إلى قاع الذاكرة، أي إنها تستبدل بالتتابع الزمني الأفقي حركةً رأسية تغوص في طبقات الوعي كلما تقدمت جملة أو صورة، ويتجلى هذا منذ العبارة الافتتاحية "تقدَّم صوته كل المعارك التي شحذت أظفارها في رأسي المتعب" (ص95)، فالصوت لا يصل إلى الراوية بوصفه عنصرًا سمعيًّا محايدًا، وإنما يتقدم معاركها الداخلية، كأنه يزيحها مؤقتًا ليصل إلى موضع أعمق منها، واختيار فعل "تقدَّم" يكشف أن الذاكرة في النص ليست مخزونًا ساكنًا تستحضره الذات بإرادتها، بل هي قوة مباغتة تقتحم الحاضر وتعيد تنظيمه من الداخل، ولهذا لا ينبغي فهم القصة على أنها حكاية حزن على أم ميتة فحسب؛ لأن الأم ليست سوى البؤرة الأولى لجرح أوسع يتصل بالزواج والطلاق والأبناء والغربة والعمل والفقد التدريجي للرغبة في الحياة، تقول الراوية، وهي تختصر مسارها "عمل.. استقالة.. زواج.. طلاق.. أبناء.. وحدة.. محاولات جادة عبثية للوصول لشيء ما لا سبيل له" (ص95)، ولا تؤدي هذه الكلمات وظيفة الإخبار عن مراحل السيرة بقدر ما تكشف انكسار الصلة بين مراحلها؛ فقد تحولت الحياة إلى مفردات منفصلة تفصل بينها نقاط الحذف، كأن الذاكرة لم تعد قادرة على تشكيلها في مسار متصل ذي غاية، إننا لا نواجه ذاتًا تتذكر ماضيًا انقضى، بل نواجه ذاتًا ما زال الماضي يحدث فيها، ولذلك يكتسب التكرار الوارد في العنوان معناه الأول، ليس التكرار إعادةً موضوعية للواقعة نفسها، وإنما استمرار أثرها النفسي على الرغم من انتهائها في الزمن الخارجي، لقد مر على موت الأم سبع سنوات، لكن رائحة القُرَح لم تنقضِ، ووقع الطلاق لم يتحول إلى ذكرى بعيدة، وصوت الرجل المسنِّ قادر على إلغاء المسافة بين الأزمنة وإعادة الجرح كاملًا إلى الحاضر، وتتحدد إشكالية الدراسة، بناءً على ذلك في السؤال الآتي، كيف استطاعت الكاتبة أن تحوّل لحظة حسية عابرة إلى بنية سردية تستعيد من خلالها الصدمة، وتجعل التكرار قانونًا يحكم الذاكرة والجسد والزمن واللغة؟ ويتفرع من هذا السؤال بحث العلاقة بين الحاضر القصصي المحدود والماضي النفسي الممتد، وبين قُرَح الجسد وقُرَح الذاكرة، وبين الصوت الفردي والأغنية الجماعية، وصولًا إلى القفلة التي تتسع فيها القُرَح حتى "ابتلعت الشارع كله" (ص97)، فالقصة تبدأ بجرح مستتر داخل الراوية، ثم تمنحه هيئة حسية في رائحة جسد الأم، قبل أن تخرجه من المجال الفردي إلى المجال العام، وبذلك لا يعود الشارع خلفية مكانية، ولكنه يصبح امتدادًا للوعي المصاب، وهذه الحركة من الداخل إلى الخارج هي التي تمنح النص وحدته العميقة؛ إذ تتآزر عناصره، مهما بدت متناثرة، لتأكيد أن الصدمة لا تحفظ الواقعة كما حدثت، وإنما تعيد إنتاجها في صور وأصوات وروائح تفرض نفسها على الإدراك، ومن ثم تقارب الدراسة النص من منظور سردي نفسي لا يفصل تقنية القص عن دلالة التجربة؛ لأن اختزال الحدث، وتشظي الزمن، وهيمنة التبئير الداخلي، واستدعاء التناص، وتنامي رمز القُرَح، ليست محسنات مستقلة، لكنها أدوات تتشكل بها تجربة إنسانية جوهرها عجز الذات عن مغادرة ما مضى، وعلى هذا الأساس تمثل قصة "شريعة التكرار" نموذجًا للقصة القصيرة التي تحقق قوتها لا بكثرة ما ترويه، وإنما بكثافة ما توقظه؛ فهي لا تقدم تاريخ الألم كله، بل تختار اللحظة التي يعود فيها ذلك التاريخ دفعة واحدة، فيغدو الحاضر مجرد سطح هشٍّ يوشك الماضي في أية لحظة أن يشقه ويطفو من تحته.
من مركزية الحدث إلى مركزية الأثر
إذا كانت القصة القصيرة التقليدية تستمد تماسكها غالبًا من حدث مركزي تتجمع حوله الشخصيات والأزمنة والأمكنة، فإن قصة "شريعة التكرار" تنقل مركز الثقل من الحدث إلى أثره، فما وقع في حياة الراوية لا يحضر في صورة وقائع مكتملة يمكن ترتيبها واستعادة تفاصيلها، بل يظهر في هيئة شظايا نفسية وحسية تتواتر كلما صادفت الذات مثيرًا قادرًا على استدعائها، ولعل هذا التحول هو المدخل الأهم لفهم البنية الفنية للنص؛ لأن الأم قد ماتت منذ سبع سنوات، والطلاق حدث في زمن أسبق، والغربة والعمل والأبناء صاروا أجزاء من سيرة ممتدة، ومع ذلك لا تمنح الكاتبة أيًّا من هذه الوقائع مساحة حكائية مستقلة، إنها تكتفي بنتائجها الراسخة في الوعي، كما لو أن الحياة لا تُختزن في الذاكرة بحسب ترتيب حدوثها، وإنما بحسب مقدار الجرح الذي تتركه، ولهذا تقول الراوية "حياتي تشبه الأقاصيص.. تُصَبُّ وتُفرَّغ من حوادثها سريعًا.. كأنها لم تُخلق من الأساس" (ص95)، والمفارقة أن تشبيه الحياة بالأقاصيص لا يعني غناها بالحكايات، ولكن يشير إلى قابليتها للتبدد؛ فالحوادث تُصَبُّ ثم تُفرَّغ، ولا يبقى منها إلا الإحساس الغامض بأن شيئًا وقع من غير أن يكتمل معناه، وعند هذه النقطة يتجاوز النص مجرد التعبير عن الحزن، ليطرح سؤالًا ضمنيًّا عن طبيعة الذاكرة، هل تحفظ الذاكرة ما عشناه فعلًا، أم تحفظ فقط ما عجزنا عن تجاوزه؟ إن الراوية لا تستعيد صورة الأم في لحظات عافيتها أو تفاصيل علاقتها بها، بل تستعيد قُرَح جسدها ورائحتها، ولا تستعيد زواجها من خلال بدايته وتطوره، بل من خلال الكلام الأخير الذي قاله الزوج في الليلة الأخيرة، وهكذا تنتخب الذاكرة من التجربة أكثر عناصرها إيلامًا، ثم تمنحها قدرة على البقاء تفوق قدرة الأحداث السعيدة والعادية، وتكشف العبارة "لم أكن من هؤلاء البنات اللاتي تعلقن بأثداء أمهاتهن، يتغلغلن في حليبهنَّ، ولا يفطمهنَّ إلا فاجعة الموت" (ص95) عن محاولة دفاعية لنفي التعلق قبل الاعتراف بسطوته؛ فالراوية تبدأ بإبعاد نفسها عن صورة الابنة التي لا تفطمها عن أمها إلا فاجعة الموت، ثم يبرهن النص كله أن الفطام لم يتحقق، وأن الأم بقيت حاضرة لا من خلال الحنان وحده، بل من خلال أقسى صورة يمكن أن يحتفظ بها الوعي لجسدها، ومن ثم يصبح النفي في بداية العبارة قرينة على عمق الإثبات الكامن وراءه؛ إذ تحاول الذات أن تقنع نفسها بأنها تجاوزت علاقة الاعتماد العاطفي، بينما يكشف التداعي اللاحق أن رائحة القُرَح لا تزال تطاردها بعد سبع سنوات، وفي هذا المستوى تتجلى القيمة النفسية لطريقة السرد، فالراوية ليست واعية تمامًا بما يحركها، ولا تبدأ حديثها معلنة أنها تعاني صدمة قديمة، وإنما تنكشف صدمتها تدريجيًّا من خلال الروابط التي يعقدها وعيها بين أشياء تبدو متباعدة، كصوت ماسح السيارات، وأغنية سيد درويش، وقرح الأم، وكلام الطبيب، وصورة الطليق، وليلة السابع والعشرين من يناير، إن هذه العناصر لا يجمعها منطق خارجي واضح، لكن الذاكرة الانفعالية تجمعها؛ لأنها تحمل درجة متشابهة من الإحساس بالفقد والعجز، لذلك لا تتأسس وحدة القصة على وحدة الموضوع الظاهر، لكنها تتأسس على وحدة النبرة الداخلية التي تصبغ كل تفصيل بمعنى الانطفاء، وتؤكد الراوية هذا الانطفاء بقولها "فقدت شغفي بالحياة وتفاصيلها.. لا أعرف وقتًا محددًا بدأ منه ذلك التلاشي، لكنه يمضي قدمًا في وَلَهٍ كَلَفٍ" (ص96)، إن فقدان القدرة على تحديد بداية التلاشي يعني أن الألم لم يعد حادثة ذات حدود، وإنما صار مناخًا وجوديًّا تتنفسه الشخصية من غير أن تعرف متى دخل إليها، وبذلك يصبح التكرار فعلًا مزدوجًا، فالذاكرة تكرر الألم، والحياة نفسها تكرر أنماط الخسارة، فالأم تموت، والزواج ينتهي، والشغف ينطفئ، والحاضر يعيد استدعاء الماضي في صورة أخرى، ولا تقدم القصة هذا كله عبر تفسير نفسي مباشر، بل عبر انتظام الصور حول مركز خفي هو العجز عن الإنهاء؛ إذ انتهت الوقائع في العالم، لكنها لم تنته داخل الذات، ومن هنا يمكن القول إن النص يحقق شرط وحدة الأثر بمعناه العميق، فليس المقصود أن يخرج القارئ بانفعال واحد بسيط، وإنما أن تتضافر الأصوات والروائح والصور والانقطاعات الزمنية لتضعه داخل تجربة استمرار الجرح، إننا لا نقرأ عن موت الأم أو فشل الزواج بوصفهما موضوعين منفصلين، ولكننا نعاين كيفية تحولهما إلى بنية إدراك تجعل الراوية ترى الشارع والعجوز والزجاج والأغنية من خلال ماضيها، وعلى هذا النحو لا تسأل القصة ماذا وقع؟ فقد وقع كل شيء وانتهى، وإنما تسأل لماذا يظل ما انتهى قادرًا على الحدوث مرة أخرى؟ وهذا السؤال هو الذي يمنح قصة "شريعة التكرار" خصوصيتها، ويجعلها قصة عن سلطة الأثر حين يتحرر من زمن سببه، ويواصل حياته داخل الإنسان.
العنوان ومفارقة التكرار في زمن لا يعود
يؤدي العنوان "شريعة التكرار" وظيفة تتجاوز تسمية النص إلى تأسيس المفارقة الفكرية التي تحكم بنيته؛ فالجمع بين كلمتي "الشريعة" و"التكرار" يخلع على العودة صفة القانون الملزم، ويجعلها أقرب إلى نظام لا تستطيع الذات الإفلات منه؛ فالشريعة في أصل دلالتها طريق واضح يُقصد ويُتبع، ثم اتسع معناها ليشير إلى منظومة من الأحكام الضابطة للفعل الإنساني، في حين يدل التكرار على عودة الشيء أو تجدد وقوعه، وعندما تجمع الكاتبة بينهما فإنها لا تصف حادثة تتكرر مصادفة، بل توحي بأن الوجود نفسه خاضع لسلطة الاستعادة، وأن ما يظنه الإنسان منقضيًا يظل قادرًا على الرجوع في صورة ذكرى أو إحساس أو رائحة أو صوت، بيد أن هذا المعنى يصطدم داخل القصة بتأمل الراوية في الزمن حين تقول "نظرت في ساعة يدي لأتحقق من الوقت، الوقت الإنساني لا يسير في شكل دائري، بل في خط مستقيم، هكذا كانت فكرة ميلان كونديرا عما سماه بشريعة التكرار وأثرها في الكائن الذي لا تحتمل خِفَّته" (ص96)، وتنشأ المفارقة من تعارض حركتين، زمن خارجي يمضي إلى الأمام ولا يعيد لحظة مضت، وزمن نفسي يدور حول مواضع الجرح ويعيدها كلما ظنت الذات أنها ابتعدت عنها؛ فالأم لن تعود بعد سبع سنوات من رحيلها، والزواج المنتهي لن يستعاد، والليلة الأخيرة لا يمكن تعديل ما وقع فيها، ومع ذلك تظل هذه الوقائع حاضرة في التجربة الداخلية بقوة تفوق حاضر الراوية نفسه، ولذلك لا يكون التكرار في القصة تكرارًا للحدث، بل تكرارًا لأثره، ولا يكون دائريًّا بالمعنى الزمني الحرفي، بل بالمعنى الإدراكي الذي يجعل الوعي يعود إلى النقطة ذاتها مهما ابتعد عنها في خط حياته، لقد مرت سبع سنوات، وأنجبت الراوية واشتغلت وسافرت وخاضت تحولات عديدة، لكن الزمن الذي راكم هذه الوقائع لم ينجح في إزاحة رائحة قرح الأم أو صوت الطليق، فكأن الخط المستقيم الذي يمضي فيه العمر يحتوي في داخله دوائر خفية تلتف حول الخسارات القديمة، ويكشف العنوان كذلك عن انقسام الإنسان بين زمنين، زمن الساعة الذي يمكن التحقق منه بالنظر إلى المعصم، وزمن الذاكرة الذي لا تقيسه الساعات، ولا يخضع لتعاقب الماضي والحاضر، وليس تفصيل النظر إلى الساعة عابرًا؛ لأنه يمثل محاولة من الراوية لاستعادة موقعها في اللحظة الراهنة، كما لو أنها تريد أن تستدل على الحاضر بعلامة مادية بعد أن بعثر التداعي حدود الأزمنة، لكنها ما إن تنظر إلى الساعة حتى تنفتح أمامها فكرة الزمن نفسه، فلا تعيدها أداة القياس إلى الواقع، بل تدفعها إلى مزيد من التأمل في استحالة العودة، وبهذا تتحول الساعة من وسيلة لضبط الوقت إلى دليل على عجز الإنسان أمامه؛ فهي تؤكد أن الماضي انقضى، في الوقت الذي يثبت فيه الألم أن الماضي لم ينته، وتحيل الراوية هذا التوتر إلى ميلان كونديرا، فتقول إن هذه كانت فكرته "عما سماه بشريعة التكرار وأثرها في ذلك الكائن الذي لا تحتمل خفته" (ص96)، ولا تستدعي الإحالة كونديرا لتزيين السرد باسم ثقافي، بل لتوسيع سؤال القصة، فإذا كانت الحياة لا تعاش إلا مرة واحدة، ولا تتيح للإنسان أن يعود ليصحح اختياراته أو يختبر إمكانًا آخر، فمن أين يأتي هذا الإحساس بأننا نعيش الألم نفسه مرارًا؟ إن ما يتكرر ليس الوجود الفعلي، وإنما المحاكمة الداخلية له؛ فالراوية تعيد النظر في علاقتها بأمها، وفي تضحياتها، وفي زواجها، وفي الكلمات الأخيرة، لكنها لا تملك تغيير شيء، وهنا تغدو العودة أشد قسوة من العودة الواقعية؛ لأنها استعادة بلا فرصة للفعل، ومن هذه الزاوية تحمل كلمة "الشريعة" مسحة تهكمية مُرَّة؛ فالذات تخضع لقانون لم تختره، وتؤدي طقوس التذكر من غير وعد بالتطهر أو الخلاص، وكل استدعاء للماضي لا يخفف ثقله، بل يرسخه في الحاضر، ويمنحه سياقًا جديدًا للاستمرار، ولذلك لا يَعِد التكرار في القصة بالتصالح، وإنما يكشف فشل النسيان؛ فالراوية تقول إن العقل يحذف الذكريات التي تعوق استمرارنا، ثم تكتشف أن هذه الذكريات لم تُمْحَ، بل "يتم الاحتفاظ بها في مكان آخر" (ص95)، إنها تنتقل من الوعي الظاهر إلى منطقة كامنة، وتنتظر علامة حسية تستدعيها، وبذلك يصبح عنوان القصة وصفًا لآلية نفسية كاملة، فالكبت يهيئ للعودة، والنسيان الظاهري يحفظ ما يدعي محوه، والحاضر يتحول إلى مناسبة لتجدد الماضي، إن "شريعة التكرار" ليست إذن قانون تشابه الحوادث، بل قانون استحالة الخلاص الكامل منها، وهي الدلالة التي تمنح العنوان كثافته؛ لأنه يختصر مأساة ذات تمضي في خط الزمن بجسدها، بينما تبقى روحها معلقة في دوائر ما فقدته.
من التكرار الفردي إلى قانون الهزيمة الجماعية
لا يستنفد عنوان قصة "شريعة التكرار" دلالته في عودة الذكريات الشخصية؛ لأن القصة توسع مفهوم التكرار تدريجيًّا من دائرة الذات إلى دائرة المجتمع والتاريخ، فالراوية لا تستعيد موت الأم وطلاقها في فراغ، وإنما تستعيدهما وسط شارع تتجسد فيه علامات الفقر والتفاوت والعجز، ومن خلال صوت رجل تجاوز الثمانين، يعمل في مسح السيارات، ويردد أغنيات سيد درويش، وهكذا يتقاطع جرحها الفردي مع جرح اجتماعي أقدم، حتى يصعب الفصل بين ما ينتمي إلى سيرتها وما ينتمي إلى تاريخ الجماعة، ويظهر هذا التداخل منذ الأغنية الأولى التي يتقدم صوتها معارك الراوية "تلوم عليّا إزاي يا سيدنا .. وخير بلادنا مهوش في إيدنا .. قولي عن أشياء تفيدنا.. وبعدها ابقى لوم عليّا" (ص95)، فالأغنية لا تستدعي زمن سيد درويش بوصفه ماضيًا فنيًّا جميلًا، بل تستدعي سؤالًا سياسيًّا واجتماعيًّا بقي بلا جواب، كيف يلام المقهور على عجزه بينما لا يملك خير بلاده ولا شروط تغيير حياته؟ إن استمرار صلاحية الأغنية في الحاضر يعني أن الواقع الذي أنتجها لم ينقضِ تمامًا؛ فالرجل المسنُّ الذي يمسح السيارات يعيد أداء الشكوى القديمة داخل مشهد معاصر، وكأن الأزمنة السياسية تغير أسماءها وأشكالها، لكنها تحفظ علاقات القهر نفسها، ومن هنا يغدو التكرار قانونًا اجتماعيًّا يوازي قانون الذاكرة، فمثلما لا تتخلص الذات من جرحها، لا يتخلص المجتمع من البنى التي تعيد إنتاج الفقر والتهميش، ويكتسب الرجل في هذا السياق قيمة تتجاوز حضوره العابر؛ فهو ليس شخصية مكتملة السيرة، ولا تزودنا القصة باسمه أو بتاريخه، وإنما تقدمه من خلال عمره وجلبابه البالي وقطعة القماش التي غاب لونها الأصلي، تقول الراوية "كان يمسح السيارات بقطعة قماش غاب لونها الأصلي.. يكسوه جلباب قديم يناسب مآسيه التي قامت من رقادها باتجاه قلبي" (ص96)، وتتأسس الصورة على تبادل دلالي بين الإنسان والأشياء، فلون القماش غائب، والجلباب قديم، والمآسي كانت راقدة ثم نهضت، فكأن البلى الذي أصاب الأشياء أصاب صاحبه، وكأن الزمن لم يمر عليه ليغير شروط حياته، بل مر ليعمق آثار الحرمان في جسده وثيابه، ولا تنظر الراوية إليه من الخارج نظرة شفقة محايدة؛ لأن مآسيه تتحرك باتجاه قلبها فتوقظ مآسيها، وتكشف القرابة الخفية بينهما، إنها امرأة تبدو من موقعها الاجتماعي بعيدة عن عالم ماسح السيارات، لكنه يردها بصوته إلى حقيقة أن الألم، مع اختلاف أسبابه، ينتظم في بنية واحدة قوامها فقدان القدرة على السيطرة على المصير، ويتأكد هذا الاتساع حين تربط الراوية كلمات طليقها بليلة السابع والعشرين من يناير لسنة الثورة، فالتاريخ هنا ليس مجرد تحديد زمني لليلة الانفصال، بل نقطة التقاء بين انهيار العلاقة الخاصة واضطراب المجال العام؛ فالزواج يتفكك في زمن كانت فيه البلاد نفسها تدخل لحظة احتجاج ورغبة في القطع مع الماضي، غير أن القصة تُكتب من موقع لاحق يكشف أن وعد التحول لم ينهِ التكرار، كما لم يؤدِّ الطلاق إلى تحرير الذاكرة من العلاقة، لقد تغير الشكل الخارجي للحياة، لكن البنية العميقة للألم ظلت قائمة، ولذلك يأتي صوت سيد درويش من زمن تاريخي سابق ليتصل بزمن الثورة ثم بالحاضر الذي يعمل فيه العجوز ماسحًا للسيارات، ويبلغ الامتزاج بين الخاص والعام ذروته عندما يغني الرجل "بدل ما يشمت فينا حاسد/ إيدك في إيدي قوم نجاهد/ وإحنا نبقى الكل واحد/ والأيادي تكون قوية" (ص96)، وتبدو الكلمات دعوة إلى الاتحاد والفعل، إلا أن وضعها داخل المشهد يمنحها مفارقة مؤلمة؛ فالرجل يغني القوة الجماعية وهو في أقصى حالات الضعف الفردي، والراوية تسمع نداء النهوض بينما تعاني التلاشي وفقدان الشغف، بذلك تتجاور في الأغنية إمكانية المقاومة واستمرار العجز، كأنها تحتفظ بحلم لم يتحقق، وتعيد عرضه على أجيال متعاقبة، وتصبح "شريعة التكرار" عندئذ شريعة توارث الأسئلة المؤجلة، فالوجوه تتغير ويبقى الفقر، وتتبدل اللحظات السياسية وتبقى الحاجة إلى النجاة، وتنتهي الزيجات وتبقى جراحها، وتموت الأم وتبقى رائحة قُرَحها، ومن ثم لا تعزل القصة الاضطراب النفسي عن شروطه التاريخية، بل تجعل الذاكرة الفردية مرآة مصغرة لذاكرة جماعية مثقلة بالإخفاقات، إن الراوية لا ترى في الرجل نفسها بمعنى التطابق الاجتماعي، وإنما ترى القانون الذي يشملهما معًا، فكلاهما يحمل ماضيًا لم ينتهِ، وكلاهما يتحرك داخل حاضر يعيد إنتاج الخسارة في صورة جديدة، وهكذا يتجاوز العنوان حدود التجربة الذاتية ليشير إلى عالم تتكرر فيه الهزائم؛ لأن أسبابها العميقة لم تتغير، فيصبح التكرار ذاكرةً عند الفرد، وتاريخًا عند الجماعة، وشريعةً غير مكتوبة تحكم كليهما.
ضآلة الحدث وكثافة التحول الداخلي
تقوم بنية الحدث في القصة على قدر لافت من التقشف؛ إذ يمكن اختزال ما يقع في المستوى الخارجي في بضعة أفعال، هي: توصِّل الراوية ابنها إلى المدرسة، وتمشي في الشوارع على غير هدى، وتسمع رجلًا مسنًّا يغني وهو يمسح السيارات، وتتوقف وتنظر إليه، ثم ترى صورتها منعكسة على زجاج إحدى الواجهات، ولا تقع مواجهة بين الشخصيتين، ولا ينشأ حوار، ولا يتغير مصير أحدهما في المعنى الواقعي المباشر، ومع ذلك تبدو القصة ممتلئة بحركة داخلية كثيفة؛ لأن الكاتبة تستبدل بالفعل الخارجي سلسلةً من التحولات الإدراكية التي تنقل الراوية من الانشغال المضطرب بمعاركها الراهنة إلى استعادة صورة الأم، ثم إلى التفكير في النسيان، واستحضار الطلاق، وتأمل الزمن، والانتباه إلى هشاشة الذات، قبل أن ينتهي المشهد باتساع قُرَح الذاكرة حتى تبتلع الشارع، ويكشف هذا البناء عن فهم حديث للحدث القصصي؛ فالحدث ليس بالضرورة واقعة كبيرة تغير شروط العالم، بل قد يكون انزياحًا في وعي الشخصية يجعلها ترى ما كان قائمًا أمامها على نحو مختلف، فقبل سماع الصوت كان الشارع فضاءً عاديًّا تمشي فيه الراوية شاردة، وبعده صار مجالًا مشبعًا بماضيها وبآلام الرجل وبالذاكرة الاجتماعية التي تحملها أغنيات سيد درويش، إن شيئًا لم يتغير في العالم الخارجي، لكن معنى العالم كله تغير داخلها، وهذا التحول هو الحدث الحقيقي الذي تنتظم حوله القصة، وتؤسس العبارة الافتتاحية لهذا الانتقال بقول الراوية "تقدَّم صوته كل المعارك التي شحذت أظفارها في رأسي المتعب" (ص95)، فالقصة تبدأ بعد أن تكون المعارك قد وقعت أو بدأت بالفعل، لكنها تحجب تفاصيلها؛ لأنها لا تمثل موضوعها الأساسي؛ إذ لا يهم أن نعرف أسباب كل معركة، وإنما أن ندرك أن الوعي كان ممتلئًا بضوضاء داخلية قبل أن يخترقه صوت الرجل، ومن هنا يؤدي الصوت وظيفة العامل المحفز الذي يفصل بين حالتين، حالة التشتت السابق وحالة الاستعادة اللاحقة، وهو لا يستدعي ذكرى واحدة مكتملة، بل يفتح ممرًا تتدفق خلاله ذكريات متعددة، كأن البنية النفسية للراوية كانت تنتظر أقل إشارة كي ينكشف ما أخفته، وتعبّر عن هذه المباغتة بقولها إن صوته "يتعرف إلى جزء مهمل مني" (ص95)، وهي صياغة تمنح الصوت فاعلية تكاد تكون مستقلة عن صاحبه؛ فالرجل لا يعرف الراوية، ولا يقصد مخاطبتها، لكن صوته يعرف فيها ما أهملته هي، ويصبح الفعل السردي بذلك علاقة بين مثير خارجي ومنطقة نفسية مطمورة، وليس بين شخصيتين تتبادلان الكلام والعمل، وهذه الدقة في تحديد الحدث تمنح النص وحدته؛ لأن كل ما يأتي بعد الصوت يمثل نتيجة مباشرة لاختراقه، حتى حين تبدو التداعيات متباعدة، فذكر الأم يقود إلى قرحها، والقرح تقود إلى تفسير الطبيب لرائحتها، والرائحة تستدعي فكرة بقاء الجزء الميت داخل الجسد، ومنها تنبثق صورة الطلاق بوصفه جزءًا مات في الحياة لكنه ظل يطلق رائحته في الذاكرة، وعلى هذا النحو تحلُّ السببية النفسية محلَّ السببية الواقعية، فلا تتوالى الوقائع لأن بعضها أحدث بعضًا في الخارج، بل لأن بينها روابط خفية في شعور الشخصية، وتساعد الكاتبة على إحكام هذه الحركة من خلال التفاوت بين التلخيص والمشهد، فسنوات الحياة الطويلة تُختزل في كلمات منفصلة "عمل.. استقالة.. زواج.. طلاق.. أبناء.. وحدة" (ص95)، بينما تتباطأ حركة السرد عند ظهور الرجل، فتلتقط قطعة القماش والجلباب القديم ونظراته الخاطفة واتساع غنائه واهتزاز أوراق الشجر وانعكاس صورة الراوية على الزجاج، ويدل هذا التفاوت على أن أهمية الزمن لا تقاس بطوله؛ فقد تمر السنوات في سطر، بينما تتسع لحظة في الشارع لتحتوي حياة كاملة، وبذلك يحقق النص خاصية جوهرية من خصائص القصة القصيرة، وهي اختيار اللحظة القادرة على تمثيل ما يتجاوزها، فالكاتبة لا تروي تجربة رعاية الأم في مرضها، ولا تفاصيل الطلاق، ولا ما جرى في السنوات السبع التالية، بل تختار اللحظة التي تعود فيها هذه الأزمنة مجتمعة، ومن ثم تقوم وحدة الحدث على وحدة الاستثارة والاستجابة، أي صوت ينفذ إلى الوعي، ووعي يعيد بناء العالم وفق جرحه، وحتى القفلة ليست واقعة جديدة تضاف إلى المسار، بل الصورة القصوى للتحول الذي بدأ منذ الاستهلال؛ إذ إن القرح التي كانت ذكرى جزئية في جسد الأم تتضخم حتى تصير هيئة للمكان كله، وهكذا تثبت القصة أن ضآلة الحدث الخارجي لا تعني فقر البناء، بل قد تكون شرطًا لكثافته؛ لأن تقليل الحركة الظاهرة يتيح للنص أن يلاحق الحركة الأكثر خفاء، وهي اللحظة التي يخرج فيها الماضي من موضعه المهمل، ويستولي على إدراك الشخصية لحاضرها.
وحدة اللحظة وتدرّج الحدث من السماع إلى الاستحواذ
على الرغم من اعتماد على التداعي النفسي، فإنها لا تُترك لحركة الذاكرة الحرة من غير ضبط بنائي، بل تنتظم في مسار دقيق يبدأ بالسماع وينتهي بالاستحواذ الكامل على المجال البصري، ويمكن تتبع هذا المسار عبر ثلاث درجات متصاعدة، في الأولى يصل صوت الرجل إلى الراوية فينافس المعارك الدائرة في رأسها، وفي الثانية تتجه إليه بحواسها، فتتوقف وتتأمله وتقرأ في مظهره تاريخًا من البؤس، وفي الثالثة يهيمن الأثر الذي أثاره على إدراكها، فتتفرق مشاهد الشارع ولا يبقى في الصورة سواهما، قبل أن تذوب الحدود بين القرحة والجسد والشارع، ومن ثم لا تسير القصة في خط حدثي تقليدي يقوم على الفعل ورد الفعل المادي، وإنما تبني حبكتها على درجات استيلاء الماضي على الحاضر، وما يمنح هذا الاستيلاء قوته أن النص لا يبدأ من السكون، بل من وعي مثقل سلفًا؛ إذ كانت الراوية تمشّط الشوارع على غير هدى بعد أن أوصلت ابنها إلى المدرسة، وهذه الحركة المكانية غير الموجَّهة تعكس غياب الوجهة النفسية، فالراوية تمشي من دون مقصد مثلما تمضي حياتها في "محاولات جادة عبثية للوصول لشيء ما لا سبيل له"، وبذلك يؤدي المكان منذ البداية وظيفة موازية للحالة الداخلية، فالشارع مفتوح ظاهريًّا، لكن الشخصية لا تعرف أين تمضي، والحركة قائمة جسديًّا، بينما الوعي عالق في موضع لا يستطيع مغادرته، وحين يظهر الصوت لا يقطع هذه الحركة فقط، بل يمنح التيه نقطة تركيز مؤقتة، تلتفت الراوية إلى مصدره، ثم تقول "تسمَّرت قدماي بقوة خفية، وتفرقت كل المشاهد بالشارع فلم يبق في الصورة سوانا أنا وهو" (ص96)، وتمثل هذه العبارة نقطة التحول المركزية؛ فالتسمّر يوقف المسير الواقعي، وتفرّق المشاهد يوقف الإدراك العادي، ثم يعاد تكوين العالم في صورة ثنائية تجمع الراوية والرجل، ولا يقوم هذا الجمع على معرفة سابقة أو تواصل مباشر، وإنما على اعتراف باطني غير معلن؛ إذ ترى فيه ما يوقظ الجزء المهمل منها، بينما يطيل هو النظر إليها في عربات خاطفة يظن أنها لم تلحظها، إن غياب الحوار بينهما شديد الدلالة؛ لأن الكلام المباشر كان سيحول اللقاء إلى واقعة اجتماعية محددة، في حين يحفظ الصمت له طبيعته الرمزية، فكل منهما يصبح للآخر مرآة محتملة من غير أن يملك يقينًا بما يراه، والرجل يغني للجميع، لكنه يصل إليها وحدها، وهي تتأمله من غير أن تسأله عن شيء؛ لأن أهمية حضوره لا تكمن في سيرته الواقعية، بل في الطاقة التي يطلقها داخل ذاكرتها، ويزداد الحدث كثافة عندما يتسع الغناء ويصير في وصفها "محيطيًّا"، وهي صفة تنقل الصوت من مصدر محدود إلى فضاء شامل يحيط بالشخصية من كل جانب، في البداية كان الصوت متقدمًا على معارك الرأس، ثم صار محيطًا، أي إن حركته انتقلت من الاختراق إلى الاحتواء، ويقابل هذا الاتساع السمعي تضاؤل قدرة الراوية على تثبيت صورتها؛ فعندما تغمض عينيها وتفتحهما ترى خيالها على زجاج الواجهة "باهتًا متفرقًا كقطع متناهية الصغر لا تتماثل لرقعة بازل" (ص96)، وهنا يبلغ الحدث الداخلي ذروته قبل القفلة؛ فالصوت الذي جمع العالم حول ثنائية "أنا وهو" يؤدي، في الوقت نفسه، إلى تفكيك صورة الأنا ذاتها، إنها لا ترى وجهًا متكاملًا، بل شظايا عاجزة عن تكوين صورة، بما يعني أن الذاكرة لم تستعد الماضي فقط، وإنما زعزعت وحدة الهوية التي ظنت الشخصية أنها حافظت عليها، ومن هذه الزاوية لا تأتي القفلة قفزة مفاجئة، بل تأتي نتيجة منطقية لتدرج الاستحواذ، فحين تتفتت صورة الذات يغدو الحد الفاصل بينها وبين العالم هشًّا، وتستطيع القرحة أن تتسع من الجسد إلى الشارع، كما تسهم الطبيعة في دعم هذا التصاعد؛ إذ "تمايل الشجر وارتعشت أوراقه مع كتلة هواء قاسية لافحة" (ص96)، فتبدو حركة الخارج ترجمة لحركة الداخل، من غير أن تتحول الطبيعة إلى مجرد زينة وصفية، فالهواء القاسي لا يمر على المكان وحده، ولكن يلفح المعاني ويفتح الطريق أمام تداعي المشاعر الكثيفة المتلاحقة، وتتحقق بذلك وحدة الأثر لا عن طريق ثبات النبرة، بل عبر تصاعدها المنظم: تيه، ثم التفات، فتسمّر، فاستدعاء، فتشظٍّ، ثم ابتلاع، وكل مرحلة تنشأ من سابقتها وتزيدها عمقًا، حتى تنتهي اللحظة القصيرة إلى تغيير هيئة العالم في وعي الراوية، ولهذا لا تبدو القصة مجموعة خواطر متجاورة، رغم لغتها التأملية؛ إذ يضبطها قوس واضح يبدأ بصوت يدخل الرأس وينتهي بجرح يخرج منه ليستولي على الشارع، وبين الدخول والخروج تتشكل وحدة الحدث النفسي التي تمنح النص إحكامه القصصي.
الراوية المشاركة وحدود المعرفة بالذات
تُروى قصة "شريعة التكرار" بضمير المتكلم من خلال شخصية تشارك في التجربة وتستعيدها في أثناء وقوعها، ولذلك لا توجد مسافة واضحة بين من يعيش الحدث ومن يرويه؛ فالراوية لا تقف خارج ألمها لتفسره بعد اكتماله، لكنها تتكلم وهي ما تزال واقعة تحت تأثير الصوت والذكرى والرائحة، ويترتب على هذا الاختيار أن المعرفة التي تقدمها القصة معرفة داخلية محدودة، لا تحيط بالأسباب والنتائج إحاطة موضوعية، وإنما تتشكل عبر إحساس الشخصية بذاتها وبما يحيط بها، ومن ثم لا ينبغي التعامل مع أقوال الراوية بوصفها تقريرًا نهائيًّا عن حقيقة تجربتها، بل بوصفها علامات على كيفية إدراكها لهذه التجربة، ومحاولتها الدفاع عن نفسها أمامها، يظهر ذلك في قولها "لم أكن من هؤلاء البنات اللاتي تعلقن بأثداء أمهاتهن.. يتغلغلن في حليبهن ولا يفطمهن إلا فاجعة الموت" (ص95)، تبدو العبارة في ظاهرها إعلانًا للاستقلال العاطفي، لكنها سرعان ما تتناقض مع ما يكشفه السرد من استمرار صورة الأم في وعيها، وليس هذا التناقض خللًا في بناء الشخصية، بل إحدى وسائل تعميقها؛ فالراوية تقول ما تريد أن تصدقه عن نفسها، في حين تقول الصور الحسية ما لا تستطيع الاعتراف به مباشرة، إنها تنفي التعلق، لكن رائحة قُرَح الأم تظل تلوك الفراغات الكبيرة والدقيقة من مخيلتها بعد سبع سنوات (ص96)، وبذلك يصبح وعيها منقسمًا بين خطاب عقلاني يعلن التجاوز وذاكرة جسدية تثبت استحالته، وهذا الانقسام يجعل الراوية غير موثوقة بالمعنى النفسي، لا بمعنى تعمُّد الكذب أو تضليل القارئ؛ فهي صادقة في نقل ما تشعر به، لكنها لا تملك معرفة كاملة بالدوافع الكامنة وراء مشاعرها، وتصرح القصة بهذه المحدودية حين تستعيد ما أخبرها به طبيبها النفسي "العقل يحذف تلقائيًّا بعض الذكريات التي تعوق استمرارنا لحمايتنا من السقوط" (ص95)، غير أنها تضيف أن الطبيب لم يخبرها بأن الذكريات تُحفظ في مكان آخر، وتقرر العودة إلى الجزء الذي صار أميًّا في الإنسان، وبهذا تبني الراوية معرفة جديدة من خبرتها الخاصة، لكنها معرفة مجازية وليست تشخيصًا علميًّا؛ فهي لا تحدد طبيعة ذلك المكان الآخر، بل تكتشفه من خلال رجوع الرائحة والصور، وتنبع قيمة التبئير الداخلي هنا من أن القارئ لا يتلقى تفسيرًا جاهزًا للصدمة، وإنما يشهد ارتباك الذات وهي تحاول أن تصوغ معنى لما يحدث فيها؛ فهي تارة تستعين بالطبيب، وتارة بكونديرا، وتارة بأغنية سيد درويش، وكأن صوتها الفردي لا يكفي لتسمية التجربة، فتبحث في خطابات الآخرين عما يعينها على التعرف إلى نفسها، ومع ذلك تظل هذه الخطابات كلها خاضعة لمنظورها؛ فنحن لا نسمع الرجل المسن في ذاته، بل نسمعه كما وصل إليها، ولا نرى ملامحه مستقلة عن ألمها، بل تراها تناسب مآسيه، وتبعث مآسيه باتجاه قلبها، إنها تمنحه تاريخًا كاملًا انطلاقًا من جلبابه وقطعة القماش وصوته، مع أن النص لا يثبت معرفتها بشيء من سيرته، ويكشف ذلك أن الرجل يتحول، تحت ضغط التبئير، إلى تركيب من المرئي والمتخيل، فبعضه موجود في الشارع، وبعضه الآخر تصنعه حاجة الراوية إلى العثور على صورة خارجية لجرحها، بل إنها تقرُّ بأنها قرأت في تعابيره شيئًا ما لم تُعنَ بتفسيره (ص96)، وهو اعتراف بوجود منطقة تظل خارج معرفتها رغم مركزية منظورها، ومن هنا لا يلغي ضمير المتكلم غموض الشخصية الأخرى، بل يزيده؛ لأن كل ما نعرفه عنها يمرُّ عبر وعي مضطرب، شديد الاستعداد لإسقاط آلامه على الأشياء، كذلك يظهر ضيق مجال المعرفة في عجز الراوية عن تحديد بداية فقدان الشغف "لا أعرف وقتًا محددًا بدأ منه ذلك التلاشي" (ص96)، إنها تعرف النتيجة ولا تعرف لحظة نشأتها، تمامًا كما تعرف أن الصوت آلمها من غير أن تفهم منذ البداية سبب تأثيره، ويمنح هذا العجز السرد صدقه الإنساني؛ فالإنسان لا يعيش أزماته دائمًا في صورة حبكات مرتبة، ولا يستطيع تحديد اللحظة التي تحول فيها التعب العابر إلى التلاشي الممتد، لذلك تعمل اللغة المجازية على سد الفراغ الذي تعجز المعرفة المباشرة عن ملئه؛ فحين لا تستطيع الراوية تفسير حالتها تقول إن القرحة تتسع، وإن صورتها تتفتت، وإن الصوت يصير محيطيًّا، والمجاز هنا ليس تزيينًا لصوت الراوية، بل أداة معرفتها الأساسية؛ فمن خلاله تدرك ما لا تستطيع صياغته في خطاب منطقي، وهكذا يضعنا ضمير المتكلم داخل وعي يكتشف نفسه في أثناء السرد، فلا تكون الراوية مصدرًا للمعلومات بقدر ما تكون موضوعًا للكشف؛ إذ نرى من وراء ما تقوله مقدار ما تخفيه عنها دفاعاتها، ويقودنا تناقضها بين إعلان القوة واستمرار الجرح إلى فهم أكثر عمقًا لهشاشتها.
جدلية النظر وتشظّي صورة الأنا
لا يقتصر التبئير الداخلي في قصة "شريعة التكرار" على نقل الأفكار والمشاعر، بل يتجسد من خلال فعل النظر الذي يتحول تدريجيًّا إلى وسيلة لاكتشاف اضطراب الهوية، فالراوية تبدأ بالالتفات إلى مصدر الصوت، ثم تتأمل ملامح الرجل وثيابه وحركاته قبل أن تنتبه إلى أنه ينظر إليها بدوره، وتنتهي إلى رؤية خيالها متشظّيًا على زجاج إحدى الواجهات، وبهذا ينتقل النظر عبر ثلاث حركات متتابعة: تنظر الراوية إلى الآخر، وتشعر بنظر الآخر إليها، ثم تعود لترى نفسها في سطح عاكس، غير أن هذه العودة لا تمنحها معرفة مستقرة بذاتها؛ فالزجاج لا يعيد إليها صورة موحدة، وإنما يكشف أنها لم تعد قادرة على التعرّف إلى نفسها بوصفها كيانًا متماسكًا، تقول "أغمض عينيَّ وأفتحهما فيتراءى لي خيالي على زجاج إحدى الواجهات التجارية العريضة باهتًا متفرقًا كقطع متناهية الصغر لا تتماثل لرقعة بازل" (ص96)، ولا تستخدم الراوية المرآة المنزلية المرتبطة عادةً بصورة شخصية ثابتة، ولكنها ترى انعكاسها على واجهة تجارية في فضاء عام، ولذلك تتداخل صورتها مع الشارع والأشياء والحركة من خلف الزجاج، ويعبر هذا التداخل عن فقدان الحدود بين الداخل والخارج، فالذات التي أسقطت ألمها على الرجل والمكان تعود فتجد صورتها ممتزجة بما أسقطته، فلا تستطيع استرداد ملامحها منفصلة عنه، كما تحمل صفة "باهتًا" دلالة على تراجع الشعور بالحضور؛ فالخيال موجود لكنه يفتقد الكثافة، ويظهر في أجزاء لا تتماثل ولا تستجيب لإمكان التركيب، وتشبيه الأجزاء برقعة البازل يفتح معنى إضافيًّا؛ إذ تفترض لعبة البازل أن لكل قطعة موضعًا صحيحًا داخل صورة سابقة الاكتمال، أما شظايا الراوية فلا تتطابق، وكأن الأصل الذي يمكن الرجوع إليه قد فُقِد. إنها لا تعجز فقط عن جمع حياتها، بل لم تعد واثقة من وجود صورة كاملة لها قبل التفتت، ويتصل ذلك باختزال سيرتها في سلسلة من الوقائع المنفصلة "عمل.. استقالة.. زواج.. طلاق.. أبناء.. وحدة" (ص95)، فكما ظهرت مراحل الحياة كلماتٍ متجاورة بلا روابط، تظهر صورة الجسد قطعًا متجاورة بلا اكتمال، وهكذا يترجم المستوى البصري ما سبق أن كشفت عنه بنية اللغة، أي تشظي السيرة يؤدي إلى تشظي الهوية، ولا تستطيع الذاكرة أن تمنح هذه الأجزاء وحدة؛ لأنها هي نفسها مصدر التفكك، لكن هذه اللحظة لا تنشأ من النظر إلى الذات مباشرة، بل تمر أولًا عبر الرجل المسن، تقول الراوية إنه "أطال النظر إليّ جافلًا في عربات خاطفة ظن أنني لم ألحظها" (ص96)، وتكشف العبارة عن مفارقة دقيقة؛ فهي تراه يراها، لكنها تدعي معرفة ما ظنه هو، فتتجاوز حدود التبئير الواقعية لتمنح نظراته معنى مستمدًّا من حالتها، وقد يكون الرجل متعجبًا من توقفها، أو متوجسًا من مراقبتها، أو مأخوذًا بتأثرها بالغناء، إلا أن السرد لا يحسم شيئًا، والمهم أن نظرته تجعلها تنتقل من موقع المراقِبة إلى موقع المرئية؛ فبعد أن كانت تفكك مظهره وتقرأ بؤسه، تدرك أن وجودها هي صار بدوره موضع قراءة، وهذا التبادل يزعزع المسافة التي يمكن أن تحتمي بها؛ إذ لم يعد الرجل موضوعًا خارجيًّا تتأمله، بل صار شاهدًا محتملًا على اضطرابها، ومن هنا تتكثف الصلة الصامتة بينهما، فهو لا يعرف قصتها، وهي لا تعرف قصته، لكن كلًّا منهما يلتقط في الآخر علامة لا يستطيع تفسيرها، وحين تقول "صرت أنا المشهد.. الكلام والسكوت والطريق والناس" (ص96)، فإنها لا تعلن استعادة مركزيتها، بل تكشف ذوبانها في مكونات المشهد، فالضمير "أنا" لا يعود دالًّا على ذات منفصلة، وإنما يصبح موضعًا تتجمع فيه المتناقضات: الكلام والسكوت، والذات والطريق، والفرد والناس، إنها ترى العالم من داخلها، لكن العالم في اللحظة نفسها يدخل إليها، ولذلك لا نعود قادرين على التمييز بين ما يقع في الشارع وما يقع في وعيها، ويزداد هذا الذوبان مع قولها إن المرأة ذات الجثة الباردة بداخلي قد ماتت كثيرًا (ص96)، حيث تنقسم الأنا إلى ذات تتكلم وامرأة داخلها فقدت الحياة، ثم يظهر خيال ثالث على الزجاج لا يشبه أيًّا منهما بصورة مكتملة، وبذلك يتيح التبئير الداخلي تعددًا داخل الصوت الواحد؛ فالراوية ليست وحدة صلبة، وإنما طبقات من امرأة تمشي، وأخرى تتذكر، وثالثة مات شغفها، وصورة خارجية تتفتت أمام العين، ومن ثم يصبح فعل النظر جزءًا من الصراع النفسي لا مجرد وسيلة وصفية، فهي تنظر إلى الرجل بحثًا عن تفسير لألمه، فيعيدها نظره إلى ألمها، ثم يعجز الزجاج عن منحها صورة تطمئن إليها، وعلى هذا النحو يحول النص المشهد العابر إلى اختبار لهوية الشخصية؛ إذ لا يكشف لها ما نسيته فقط، بل يكشف أن الذات التي حاولت النسيان لم تعد تعرف على أي صورة استقرت.
مفارقة الزمن بين قِصر اللحظة واتساع الذاكرة
يتأسس الزمن في قصة "شريعة التكرار" على مفارقة بين القِصر الخارجي والامتداد الداخلي؛ فالحدث الحاضر لا يستغرق، في تقدير واقعي، أكثر من دقائق قليلة تبدأ بعد توصيل الراوية ابنها إلى المدرسة، وتنتهي باستماعها إلى غناء الرجل وتأملها صورته وصورتها على زجاج الواجهة، غير أن هذه الدقائق تستوعب سبع سنوات تفصلها عن موت الأم، وتمتد إلى زمن الزواج والطلاق والعمل والاستقالة والغربة والأبناء، كما تعود إلى ليلة السابع والعشرين من يناير في سنة الثورة، وبذلك يصبح زمن القصة أوسع كثيرًا من زمن الحادثة؛ إذ لا تقيسه حركة الساعة، وإنما مقدار ما تستطيع اللحظة الراهنة استدعاءه من طبقات الماضي، وهذا من الخصائص الجوهرية للزمن النفسي، فقد تمر سنوات كاملة في عبارة قصيرة، بينما تتمدد ثانية واحدة حين تتكاثف داخلها مشاعر الخوف والفقد والاستعادة، وتعلن القصة هذه المفارقة منذ انتقالها السريع من فعل يومي مألوف إلى تاريخ طويل من المعاناة؛ فالراوية تقول إن سبع سنوات مرت على رحيل أمها، وقد سبقتها "سبع عجاف لساق مبتورة أنهت مشوارًا حافلًا بالقفزات والأسفار والمدونات والكثير الكثير من الإنجازات والعمل والغربة" (ص95)، ولا تُسْرَد السنوات الأربع عشرة بوصفها مدة متجانسة، بل تنقسم إلى سبع سنوات من مرض الأم، وسبع لاحقة من الغياب، وكأن الرقم نفسه يعيد إنتاج دورة الألم في مرحلتين: حياة مقيدة بالمرض، ثم حياة مقيدة بالذكرى، كما أن وصف سنوات المرض بالساق المبتورة يحول الزمن إلى جسد ناقص؛ فهي سنوات لم تعد قادرة على حمل الحياة إلى الأمام، على الرغم من امتلائها الظاهري بالإنجازات والأسفار. إن القفزات الخارجية لا تلغي البتر الداخلي، بل تبدو محاولة لتعويضه، ولهذا تجمع العبارة بين الحركة الكثيرة والعجز العميق، فتشير إلى أن قياس الزمن بما أُنجز فيه لا يكشف حقيقته النفسية، وفي مقابل هذا التلخيص الواسع، يتباطأ السرد عند اللحظة الحاضرة: تلتفت الراوية إلى الرجل، وتقرأ قسماته، وتلاحظ قطعة القماش والجلباب، وترصد نظرته، وتستمع إلى مقاطع الأغنية، ثم تغمض عينيها وتفتحهما، إن هذه التفاصيل التي قد تقع في ثوانٍ تشغل مساحة تقترب من المساحة المخصَّصة لسنوات العمر، وهو تفاوت يكشف أن الأهمية السردية لا تتبع المدة الواقعية، فالسنوات السابقة تُختزل؛ لأنها تؤدي وظيفة الخلفية، أما اللحظة الحاضرة فتتسع لأنها لحظة الكشف التي تعود فيها تلك السنوات إلى الوعي. ومن ثم يمكن التمييز بين زمنين متداخلين: زمن الحكاية، الذي يضم تاريخ الأم والزواج والطلاق وما تلاها، وزمن الخطاب الذي يعيد ترتيب هذا التاريخ انطلاقًا من لحظة السماع، ولا تلتزم الراوية الترتيب الزمني للوقائع؛ إذ يبدأ السرد بالصوت في الحاضر، ثم يعود إلى الأم، وينتقل إلى سرد مراحل الحياة، ثم يستحضر كلام الطبيب النفسي، ويعود إلى الرجل، وينتقل ثانية إلى طبيب الأم، ثم إلى الطليق، قبل أن يرجع إلى الساعة والشارع، هذه الارتدادات لا تبدو اعتباطية؛ لأنها تخضع لمنطق التذكر لا لمنطق التأريخ، فالذاكرة لا تقول حدث أولًا كذا ثم تلاه كذا، بل تنتقل من صورة إلى أخرى بحسب صلات الألم بينهما، وهنا تؤدي الاسترجاعات وظيفةً مزدوجة، فهي تفسر سبب تأثر الراوية بالصوت، وتكشف في الوقت نفسه أن التأثير لا يملك سببًا واحدًا يمكن عزله، فلو كان موت الأم وحده مصدر الأزمة لأمكن بناء استرجاع مكتمل حوله، لكن التداعي يصل إلى الطلاق وفقدان الشغف، وهذا يدل على أن الذاكرة دمجت الخسارات المختلفة داخل إحساس واحد، ويظهر هذا الدمج في عجز الراوية عن تعيين البداية لا أعرف وقتًا محددًا بدأ منه ذلك التلاشي، لكنه يمضي قدمًا في وهن وكلل" (ص96)، إن الزمن هنا لا يتحدد بتاريخ؛ لأن التلاشي لم يقع دفعة واحدة، لقد تراكم ببطء حتى صار حالة مستمرة، ولذلك لا تستطيع الشخصية التمييز بين سببه الأول ونتائجه المتأخرة، ومن المفارقات أن الراوية تنظر إلى ساعتها للتحقق من الوقت، بينما تكشف القصة أن الوقت الذي يسيطر عليها غير قابل للتحقق بأداة خارجية، فالساعة تستطيع تحديد لحظة الوقوف في الشارع، لكنها لا تستطيع قياس المسافة بين رحيل الأم وحضور رائحتها، ولا بين ليلة الطلاق واستمرار كلماتها في الوعي، وهكذا تتحول اللحظة القصيرة إلى ما يشبه الشقّ الذي تنفتح من خلاله الأزمنة المكبوتة، ويغدو الحاضر أقل اتساعًا من الماضي الذي يحمله. إن الراوية تقف في شارع واحد وفي وقت محدود، لكنها تعيش في آن واحد ابنةً جوار أمها، وزوجةً في ليلتها الأخيرة، ومطلقةً فقدت شغفها، وأمًّا أوصلت ابنها إلى المدرسة، ولذلك لا يمثل الزمن النفسي خلفية للحدث، بل هو الحدث نفسه، لحظة تتعدد داخلها أعمار الشخصية، فيفقد الحاضر استقلاله، ويصبح ملتقىً لكل ما ظنت أنه مضى.
الجسد والقرح والذاكرة الحسية
تنتقل قصة "شريعة التكرار" من الذاكرة بوصفها نشاطًا ذهنيًّا إلى الذاكرة بوصفها خبرةً جسدية حين تجعل قرح الأم، ولا سيما رائحتها، مركزًا حسيًّا لاستعادة الصدمة. فالراوية لا تتذكر أمها من خلال وجهها أو صوتها أو كلماتها، ولا تستدعي لحظة الوفاة نفسها، وإنما يعود الماضي إليها عبر رائحة الجزء المتحلل من جسد الأم "بعد مرور سبع سنوات ما زالت رائحة القرح تلوك الفراغات الكبيرة والدقيقة من مخيلتي" (ص96)، ويكشف اختيار الرائحة عن طبيعة خاصة للذاكرة؛ لأن الشمَّ أقل الحواس خضوعًا للإرادة العقلية، وأكثرها قدرة على مباغتة الإنسان وإعادته إلى موقف سابق بكثافته الانفعالية، فقد تستطيع الشخصية أن تتجنب صورة أو تكبح فكرة أو تعيد تأويل كلام، لكنها لا تملك أن تفاوض رائحةً عادت فجأة؛ فالرائحة لا تستأذن الوعي، ولا تقدم الماضي في هيئة حكاية يمكن ترتيبها، بل تستحضره تجربة حاضرة في الجسد، ولهذا لا تقول الراوية إنها تتذكر رائحة القرح، بل تقول إن الرائحة نفسها تلوك مخيلتها، فتغدو الرائحة فاعلًا، وتصبح المخيلة مادة تقع تحت فعل المضغ المتكرر، ويحمل الفعل "تلوك" معنىً يتجاوز العنف إلى الاستمرار الرتيب؛ فاللوْك لا يبتلع الشيء ولا ينهيه، وإنما يعيده داخل الفم مرة بعد أخرى، وهو ما يتناسب مع "شريعة التكرار" التي لا تسمح للألم بأن يُهضَم أو يخرج من الذات، أما الفراغات الكبيرة والدقيقة فتشير إلى أن الذاكرة لا تحتل المواضع الممتلئة وحدها، بل تتسلل إلى المساحات التي يفترض أن تكون خالية، فتسدّ على الشخصية إمكان بناء حاضر منفصل عن الماضي، وبذلك لا يعود النسيان محوًا، وإنما يصبح فراغًا تسكنه الرائحة، وتثبت من خلاله استمرار ما غاب.
وتزداد دلالة القُرَح عمقًا حين تستعيد الراوية تفسير طبيب أمها "قرح الفراش لها رائحة الجثث العفنة؛ لأنها جزء قد مات بالفعل في جسم الإنسان" (ص96)، وتجمع القرحة في هذه العبارة بين الحياة والموت؛ فهي نسيج ميت ما زال متصلًا بجسد حي، ولذلك تمثل حالة وسطى لا يتحقق فيها الانفصال الكامل، ويمكن النظر إليها بوصفها معادلًا جسديًّا لعلاقة الراوية بماضيها؛ فالأم ماتت، والزواج انتهى، لكنهما ظلَّا جزءًا من بنية الذات، تمامًا كما يبقى النسيج الميت متصلًّا بالجسم قبل سقوطه أو استئصاله، ومن هنا لا تكون القرحة مجرد أثر من آثار مرض الأم، بل نموذجًا مصغَّرًا لذاكرة تحتفظ بما انتهى داخل ما يستمر، وهذا هو سبب انتقال الراوية مباشرة من كلام الطبيب إلى صورة طليقها في الليلة الأخيرة؛ إذ تقول "طفت صورة طليقي وهو ينفض تضحياتي وصبري عن مساره في كلماتنا الأخيرة" (ص96)، فالصلة بين الصورتين لا تقوم على تتابع زمني، ولكن على تماثل دلالي؛ ففي كلتيهما جزء ميت لم ينفصل عن الجسد الحي، لقد انتهت العلاقة الزوجية قانونيًّا، لكنها بقيت نسيجًا تالفًا داخل الذاكرة، تطلق رائحتها كلما استُثيرت الشخصية، وتوحي هذه الموازاة بأن الجرح النفسي لا يقل مادية عن الجرح الجسدي؛ فكلاهما يحتل مساحة، ويترك رائحةً، ويقاوم الشفاء، كما تحمل قرح الفراش دلالة العجز والثبات؛ فهي تنشأ حين يبقى الجسد في وضع واحد زمنًا طويلًا، عاجزًا عن الحركة التي تخفف الضغط عنه، وبذلك تتصل القرحة بحال الأم الراقدة، لكنها تصف أيضًا حال الراوية المعلّقة في موضع نفسي واحد رغم حركة حياتها الخارجية، فقد سافرت وعملت وتزوجت وأنجبت وانفصلت، إلا أن هذه الحركة لم تمنع تكوُّن القرح داخل ذاكرتها؛ لأنها ظلت في العمق راقدة فوق مواضع الفقد نفسها، ومن هنا تبدو الإنجازات التي تحدثت عنها في البداية نوعًا من الحركة الظاهرة التي لا تصل إلى الجزء المشلول في الداخل، وإذا كان تغيير وضع الجسد شرطًا لتجنب قرح الفراش فإن عجز الشخصية عن تغيير علاقتها بماضيها يجعل جرحها يتسع بدل أن يلتئم.
وتتجاوز صورة القرحة حدود الأم والراوية عندما تنتهي القصة بقولها "اتسعت القُرَح.. اتسعت وابتلعت الشارع كله" (ص97)، فالقرح التي بدأت علامة مرضية في جسد فردي تتحول إلى بنية للمكان العام، ولا يعني هذا أن الراوية تهذي فحسب، بل يعني أن الرؤية المشبعة بالألم صارت تدرك العالم كله بوصفه جسدًا مضغوطًا ومتآكلًا، فالرجل المسنّ، والجلباب القديم، وقطعة القماش الباهتة، والأغنية التي ما زالت تردد مظالم زمن سابق، جميعها شواهد على أن القرحة ليست خاصة بالأم، إنها صورة لمجتمع بقي طويلًا في الوضع نفسه حتى ماتت أجزاء منه وهو لا يزال حيًّا، وبذلك تنجز الكاتبة انتقالًا متدرِّجًا من الجسد العائلي إلى الجسد النفسي، ثم إلى الجسد الاجتماعي، فقرحة الأم توقظ جرح الابنة، وجرح الابنة يعيد قراءة الشارع، والشارع يكشف أن التعفُّن الذي ظنته فرديًّا ظاهرة عامة، وهذا التحول هو الذي يمنح الرمز قيمته؛ فالقرحة لا تُفرض على النص من الخارج، بل تنمو من ذكرى حسية محددة حتى تصبح صيغةً لرؤية العالم، ومن ثم يغدو الجسد في القصة أرشيفًا لا يحتفظ بالأحداث كما وقعت، وإنما يحتفظ بما فعلته بالأعصاب والحواس، ويغدو الشفاء متعذرًا ما دام الجزء الميت لم ينفصل عن الحي، وما دامت الرائحة قادرة على إعادة الماضي كلما ظنت الذات أنها تجاوزته.
التناص وتعدد أصوات الذاكرة
لا يظهر التناص في قصة "شريعة التكرار" باعتباره إحالة ثقافية منفصلة عن التجربة، بل يدخل في تكوين صوت الراوية، ويمنح ما تعجز عن التعبير عنه بلسانها صيغًا جاهزة تأتيها من الأدب والغناء، وتستدعي القصة مرجعين متباعدين ظاهريًّا، هما أغنيات سيد درويش المتصلة بالوجدان الشعبي المصري، وفكرة ميلان كونديرا عن التكرار وخفة الكائن الإنساني، ويمثل كل مرجع منهما مستوى مختلفًا من التجربة، فسيد درويش يمنح الألم الفردي صلته بالذاكرة الاجتماعية، بينما يمنح كونديرا الحيرة الشخصية أفقًا فلسفيًّا يتصل بطبيعة الزمن واستحالة استعادة الحياة، غير أن النص لا يضع المرجعين في علاقة تناظر ساكنة، ولكن يجعلهما يتجادلان داخل وعي الشخصية، فالأغنية توحي بأن المظالم تتكرر تاريخيًّا، في حين يؤكد التأمل الفلسفي أن حياة الإنسان تمضي في خط مستقيم، ولا تمنحه فرصةً ثانية. وبين التكرار الجماعي واستحالة التكرار الفردي تتشكل مفارقة القصة؛ فالتاريخ يعيد الشروط نفسها، بينما لا يستطيع الفرد إعادة حياته لتصحيح ما خسره.
يبدأ حضور سيد درويش قبل أن نرى الرجل الذي يغني، أي أن الصوت يسبق الجسد، ويكتسب استقلالًا عن صاحبه، وتسمع الراوية "تلوم عليّا إزاي يا سيدنا/ وخير بلادنا مهوش في إيدنا" (ص95)، فتدخل الأغنية إلى النص محملةً بسياقها التاريخي والاجتماعي، لكنها تكتسب دلالة جديدة من موقع أدائها، فالرجل الذي يردِّدها تجاوز الثمانين، وما زال يمسح السيارات في الشارع، وبذلك يتحول جسده إلى برهان معاصر على أن السؤال القديم لم يفقد ضرورته، إن الأغنية لا تستحضر زمنها فحسب، بل تكشف استمرار ذلك الزمن داخل الحاضر، وقد كان من الممكن أن تكتفي الكاتبة بوصف الرجل فقيرًا أو منهكًا، لكن استنطاقه بكلمات سيد درويش يمنحه صوتًا يتجاوز فرديته، فيصبح حاملًا لذاكرة طبقات كاملة من المهمَّشين، وهو لا يشكو حاله بعبارات مباشرة، بل يغني نصًّا سابقًا على وجوده، كأن معاناته لم تجد لغة جديدة لأنها لم تجد واقعًا جديدًا، ثم ينتقل الغناء من العتاب إلى الدعوة الجماعية "إيدك في إيدي قوم نجاهد/ وإحنا نبقى الكل واحد/ والأيادي تكون قوية" (ص96)، تخلق هذه الكلمات مفارقة بين مضمون القوة وهيئة المؤدي؛ فالدعوة إلى اتحاد الأيدي تخرج من رجل يعتمد في بقائه على يديه المرهقتين في مسح سيارات الآخرين، ولكن المفارقة لا تلغي إمكان المقاومة، بل تحفظه في مستوى الصوت، فالجسد ضعيف، لكن الأغنية ما زالت قادرة على اختراق وعي الراوية وإيقاف حركتها، ومن هذه الزاوية يحقق الغناء فعلًا لم يستطع الخطاب المباشر تحقيقه، فهو يعيد وصل الشخصية بالعالم بعد أن انغلقت داخل معاركها الخاصة، حتى ولو كان هذا الوصل مؤلمًا، لقد ظنت أن جرحها فردي، فجاء صوت الرجل ليكشف أنه جزء من إيقاع أوسع يتردد في أزمنة وأجساد متعددة.
أما استدعاء كونديرا فيأتي بعد النظر إلى الساعة، حين تقول الراوية إن "الوقت الإنساني لا يسير في شكل دائري، بل في خط مستقيم"، ثم تحيل إلى "شريعة التكرار وأثرها في ذلك الكائن الذي لا تُحتمل خفته" (ص96)، وتعيد هذه الإحالة صياغة مأزق الشخصية؛ فالإنسان لا يعيش التجربة إلا مرة واحدة، ولذلك لا يستطيع معرفة ما إذا كان اختياره صحيحًا، ولا العودة لاختبار بديله، ومع ذلك يعيش نتائج اختياره مرارًا في الذاكرة، لقد وقع الزواج والطلاق مرة واحدة في الزمن، لكن الراوية تعيد الليلة الأخيرة كلما استدعتها إشارة، وماتت الأم مرة واحدة، لكن رائحة قرحها تتجدد بلا نهاية، وبذلك تقلب القصة معنى التكرار الفلسفي، أي ما لا يتكرر واقعيًّا يثقل الذات نفسيًّا بتكراره، وتتحول خفة الحياة العابرة إلى ثقل الأثر الذي لا يزول.
ويتباين المرجعان لغويًّا وثقافيًّا: أغنية عامية تخرج من الشارع، وتأمل فلسفي مترجم تستحضره امرأة ذات وعي ثقافي، لكن اجتماعهما لا يبدو تلفيقًا؛ لأنه يكشف تركيب صوت الراوية بين الانتماء إلى واقعها المحلي ومحاولة فهمه بمفاهيم تتجاوز حدوده، إنها تلجأ إلى سيد درويش حين يفيض الألم عن الفرد، وإلى كونديرا حين يفيض الزمن عن التفسير المباشر، ولا يطمس أي من الصوتين صوتها، بل يكشفان أن الذات لا تتذكر وحدها، إنها تتذكر من خلال ما قرأت وسمعت، وأن ذاكرتها الشخصية مسكونة بأصوات الثقافة، ولذلك تنتهي المقاطع التناصية بالعودة إلى أغنية "أهو ده اللي صار وآدي اللي كان" (ص97)، وهي صيغة تبدو كأنها تميز بين الحاضر والماضي، لكنها تؤكد في سياق القصة تداخلهما: "ما صار" ما زال حاضرًا، و"ما كان" لم ينقضِ، هكذا يجعل التناص القصة متعددة الأصوات من غير أن يُفقِدها وحدتها؛ فصوت العجوز، وأغنية سيد درويش، وفكرة كونديرا، وصوت الراوية، تلتقي جميعًا عند سؤال واحد، وهو كيف يمضي الزمن إلى الأمام، بينما يظل الإنسان محكومًا بما يعود منه؟
القفلة والرؤية الكلية والنتائج النقدية
تتكثف الرؤية الكلية لقصة "شريعة التكرار" في قفلتها "تنهّدت كأني أنزع شوكةً من روحي.. واتسعت القرح.. اتسعت وابتلعت الشارع كله"، ولا تستمد هذه النهاية قوتها من مفاجأة حدثية، فما من واقعة جديدة تقع في اللحظة الأخيرة، وإنما من التحول الدلالي الذي يصيب الصورة المركزية في النص، فقد ظهرت القرح أولًا بوصفها أثرًا مرضيًّا في جسد الأم، ثم تحولت إلى ذكرى حسية تلاحق الابنة، قبل أن تصبح صيغة لإدراك العالم الخارجي، وهكذا تتنامى الصورة من المحدود إلى الشامل، أي من موضع صغير في الجسد إلى فضاء المخيلة، ومن المخيلة إلى الشارع كله، ويكشف هذا الاتساع أن الجرح لم يعد قابلًا للعزل داخل ماضي الراوية؛ إذ تجاوز صاحبه وسببه وزمنه، وصار منظورًا ترى الشخصية من خلاله كل ما حولها، فالشارع بعد ظهور الرجل المسنّ وثيابه البالية وعمله الهامشي وأغنيات الاحتجاج القديمة، لم يعد مكانًا محايدًا، ولكنه غدا جسدًا اجتماعيًّا يحمل قُرَحه الخاصة، ومن ثم فإن جملة "ابتلعت الشارع كله" لا تعني أن الذات أسقطت حزنها على العالم فحسب، وإنما تعني أيضًا أنها اكتشفت في العالم ما يبرر هذا الإسقاط، وهو التهميش الذي أصاب الرجل، والهزائم التي بقيت أغنيات سيد درويش شاهدة عليها، والألم الذي يتكرر في الفرد والجماعة رغم مرور الزمن.
ويقوم إيقاع القفلة على التدرج ثم الانفجار، فهو يبدأ بالتنهيدة، وهي فعل جسدي يوحي بمحاولة إخراج ثقل داخلي، ثم تأتي صورة نزع الشوكة من الروح، فتبدو الشخصية كأنها توشك أن تبلغ قدرًا من الراحة، غير أن ما يحدث يناقض هذا التوقع؛ فالتنهيدة لا تطهّرها، والشوكة لا تخرج نهائيًّا، بل تتسع القُرَح بعدها، ويؤدي تكرار الفعل "اتسعت" وظيفة إيقاعية ودلالية في آن واحد؛ فهو يجعل اللغة نفسها تمارس ما يتحدث عنه العنوان، ولا يكتفي النص بالإخبار عن التكرار، بل يكرّر الكلمة عند لحظة الذروة، فتتقدم الصورة على دفعتين، هما اتساع أول لا تُذكر حدوده، ثم اتساع ثان ينتهي بابتلاع الشارع، أما الفعل "ابتلعت" فيقلب العلاقة بين الذات والمكان؛ فقد كانت الراوية في بداية القصة تمشّط الشوارع، أي أن الشارع كان موضوعًا لحركتها، ثم صارت القرح في النهاية هي القوة التي تحتويه وتلغيه، وبذلك تتحول الشخصية من إنسان يتحرك داخل المكان إلى وعي يعيد إنتاج المكان وفق جرحه.
وتحقق القفلة شرطًا أساسيًّا من شروط النهاية الفنية، هو أن تعيد إضاءة ما سبقها، فعند العودة منها إلى بداية القصة نفهم أن صوت الرجل لم يتقدم معارك الراوية ليهدئها، بل ليفتح الطريق أمام الجرح الكامن، وأن توقفها أمامه لم يكن تعاطفًا عابرًا، بل لحظة تعرُّفٍ خفيٍّ بين جرحين، وأن استحضار الأم والطليق لم يكن خروجًا عن مسار الحدث، بل إعدادًا لاتحاد القرحة الخاصة بالقرحة العامة، كما يكتسب عنوان "شريعة التكرار" معناه النهائي، وهو أن ما يتكرر ليس حادثة بعينها، بل بنية إنتاج الألم؛ فالجسد يكرر موته الجزئي في القرحة، والذاكرة تكرر الخسارة، والأغنية تكرر احتجاجها، والمجتمع يكرر عجزه، واللغة تكرر فعل الاتساع.
وتكشف القراءة، في ضوء ذلك، أن أبرز قيمة فنية للقصة تتمثل في التناسب بين قصر متنها واتساع دلالتها، لقد استطاعت الكاتبة أن تبني نصًّا كاملًا انطلاقًا من لحظة محدودة، وأن تستعيض عن كثرة الشخصيات والوقائع بكثافة العلاقات بين الصوت والرائحة والصورة والذاكرة، كما نجحت في جعل الراوية موضوعًا للكشف لا مجرد ناقلة للأحداث؛ إذ أظهرت التناقض بين ادعائها التحرر من التعلق بالأم واستمرار جسد الأم داخل مخيلتها، وبين حركة حياتها الخارجية وتعطلها النفسي، وأسهم التناص مع سيد درويش وكونديرا في توسيع التجربة من الحزن الشخصي إلى السؤال الاجتماعي والفلسفي، من غير أن يفقد النص مركزه الحسي المتمثل في القرحة.
ومع ذلك لا تخلو القصة من مواضع قابلة للمساءلة، فالإحالة المباشرة إلى كونديرا تقترب أحيانًا من تفسير العنوان بدل تركه يتولد كاملًا من الصور، كما أن تراكم المجازات في مساحة قصيرة يهدد بعض المواضع بالمبالغة، ولا سيما حين تتجاور القرحة والجثة والساق المبتورة والشوكة والمرأة الباردة والبازل، غير أن وحدة الحقل الدلالي، الذي يجمع الموت الجزئي والتشظي والعجز، تمنع هذا التراكم غالبًا من التحول إلى زخرفة منفصلة، ولهذا تظلّ قصة "شريعة التكرار" من أكثر قصص المجموعة إحكامًا؛ لأنها لا تعتمد على مأساة ضخمة أو قفلة صادمة مصطنعة، بل تجعل المأساة كامنة في طريقة إدراك العالم، وهي تنتهي من غير أن تغلق جرحها؛ لأن الإغلاق يناقض رؤيتها الأساسية، وهي أن ما ينتهي في الزمن قد يواصل وجوده في الجسد والذاكرة، وما يبدو ألمًا فرديًّا قد يتسع حين تُرفع عنه حواجز النسيان، ليكشف أن الشارع كله مصاب بالقرحة نفسها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى