الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي - على ضفاف "النهر الثالث"... سؤال وجواب

سؤال وجواب
=====================
الحلقة الرابعة – سؤال البرفسور قاسم حسين (الأكاديمي والخبير النفسي):
ما الذي يميز هذا المشروع الموسوعي عن الآخرين؟
تتكاثر الأسئلة كما تتكاثر الظلال في مساءٍ طويل، كل سؤال يضيء زاوية من مشروعٍ أراد أن يعيد للذاكرة العراقية صوتها المفقود. هنا، يطلّ البرفسور قاسم حسين، الأكاديمي والخبير النفسي، بسؤاله العميق: ما الذي يميز هذا المشروع الموسوعي عن الآخرين؟ سؤالٌ يشبه مرآةً تُرينا الفرق بين التوثيق كعادة، وبين التوثيق كوعي ومعرفة.
+++++++++

1786009519249.png


جوابي
حين بدأت بفكرة المشروع، كان أول ما فعلت أن قرأت بعض السير التي كتبها زملاء مشكورون على جهدهم الثقافي والوطني في توثيق الذاكرة العراقية. قرأت من باب الاطلاع والاستفادة، لكنني سرعان ما أدركت أنني لا أستطيع أن أكرر ما فعلوه، بل يجب أن أختلف عنهم بمسافة كبيرة. فالموسوعة التي أطمح إليها لا تكتفي بالمعلومة المجرّدة، ولا بالسرد الأكاديمي الجاف الذي يُقدّم الشخصيات وكأنها ملفات وظيفية أو طلبات عمل.
مشروعي يذهب أبعد من ذلك: إنه يضع الأسماء في سياقها السياسي والاجتماعي والثقافي، ليقرأ القارئ المرحلة من خلالهم، لا كأفراد معزولين، بل كجزء من تاريخ حيّ صنعهم وألهمهم. القارئ سيجد في الموسوعة ليس فقط سيرًا، بل مقالات تكمل مسيرتهم، لأنهم بشر قبل أن يكونوا مبدعين، لهم تنشئة وأفكار استمدّوها من واقعهم، ولهم مواقف صنعتهم كما صنعوا الكلمة.
ومن هنا لم تكن غايتي أن أُنتج أرشيفًا جديدًا يضاف إلى رفوف المكتبات، بل أن أبني ذاكرةً حيّةً تستعيد وجوه العراق المبدعة، وتمنحها حقها في الحضور والخلود. فالموسوعة، في جوهرها، مشروعٌ معرفي قبل أن تكون سجلًا للتراجم، ومشروعٌ إنساني قبل أن تكون عملًا أكاديميًا، لأنها تؤمن بأن الأمم تحفظ ذاكرتها بحفظ مبدعيها، وأن الأوطان تُكتب بالكلمة كما تُبنى بالحجر.
ويسعدني اليوم أن أرى هذا المشروع قد أسهم، ولو بقدر، في إحياء ثقافة الكتابة عن المبدعين؛ إذ بدأت أقلام الزملاء، كما شرعت صحفٌ ومواقع إلكترونية، تتجه إلى توثيق سير الرواد وأصحاب المنجز، بعد أن لقيت هذه الموسوعة ترحيبًا واسعًا في الأوساط الثقافية والإعلامية، وأصبحت محورًا للنقاش في مجالس المثقفين والباحثين.
وإذا كان هذا العمل قد نجح في أن يحفّز الآخرين على الالتفات إلى ذاكرة العراق الثقافية، فإن ذلك، في تقديري، يمثل أحد أهم إنجازاته؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل بما ينجزه فرد، بل بما يوقظه من مبادرات، وما يزرعه من وعي، وما يفتحه من آفاق أمام الآخرين.
هكذا، يتبيّن أن المشروع ليس مجرد أرشيف للأسماء، بل محاولة لإعادة بناء الذاكرة العراقية بروح إنسانية، تجمع بين دقة الباحث وبلاغة الأديب. ومع كل اسمٍ يُستعاد، ينهض جزء من التاريخ ليحيا من جديد.
وسيكون سؤال الحلقة الخامسة: ماهي معايير اختيار الشخصيات، وأنت أمام أسماء كثيرة في مجال الصحافة والأدب والفكر؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى