توجس بين التداعي الحر وتيار الوعي والبعد الفلسفي الوجودي للازمة سردية (للوجه) كقناع زائف بمنأى عن الطمأنينة ويعتبرها فخاخا... تتحفنا القاصة نجوى عبدالجواد: نحن أمام قصة نفسية فلسفية من الطراز الأول لنمذجة الشك الديكارتي واستحالة الحقيقة لسارتر، التشويق ثيمتها الغالبة المثخنة بألوان الرهاب المرضي؛ وربما كان هذا التوجس الذِّهانيّ نتيجة لثلاثة عوامل إما الاضطرابات الفصام كالهلاوس السمعية والبصرية أو وسواس قهري أو اضطراب ما بعد الصدمةPTSD وهو اكثر شيوعا في هذا العصر، لقد لجأت القاصة إلى سارد عليم مشاركٍ للبطلة حيث تم ترسيمها منذ البداية إلى النهاية كفريسة أو طريدة للظنون والأوهام الفتاكة، يبدأ المشهد الاستجدائي الاستهلالي الذي يعضد من جلدها للذات وهذا التشظي النفسي وتبئير الصراع في دواخلها من خلال تسارع نبضات القلب وحيل الوعي والتداعي الحُر كما ابتكره الأديب الراحل ت إس إليوت في محاولات بائسة انها لا تخاف ولا تهاب أيما شيء، في حين أنها تعاني من عضال مزمن جعلها تؤمن حتى بأن الهواء الذي يتسرب إلى أنفاسها يتواطؤ ضدها، وكأن الكون كله من حولها يتآمر، بدأت سلسال المتآمرين الذين يمكرون لها بغريب يوقد سيجارته مصرحة (أتراه منهم؟) ثم تنظر إلى باب جارها العم سمير وتهاب الاقتراب لما أبصرت كاميرا المراقبه وكأنه يقصدها، أرادت القاصة أن تهدينا خيطا لمسبب تلك الفزعة ( تبا المسكنات بلا فائدة) ثم البواب الذي ربما قد اغضبته منذ أيام أو بائعة النعناع قد تقدح بكلمات نابية وتبتغي لها شرا، ثم العم محمود البقال الذي قد يضمر لها لأنها لم تشتر منه منذ دهر لقلة الدخل، إيماءة من القاصة لسوء الأحوال الاقتصادية التي قد تدفع الإنسان إلى فقد الشعور بالأمان والسلام النفسي، حتى صوت طنين الهاتف اللافت قد أفزعها لدرجة التدثر بالاغطية والتنائي آنذاك وربما من صديقة متزوجة لديها مشكلات وتبحث عنها للمؤازرة، لكن تلك المذعورة لا تعرف في قواميسها إلا مرادفات الرعب والرهبة، تعاظم المشهد وتأجج الصراع الدرامي
منزوية على الكنبة، منكشمة على نفسها، غطاء خفيف( فوقها، أخيرًا غفت بعد ليالٍ من السهر.
منكفئة على وجهها، تتخبط في غطائها، أفزعتها رناتٌ متتالية، جرس الباب)
وكأن تلك الوجوه تألبت وتقرع بابها وهي تدنو في ترقب ممزوج وجسد متخشب وعينان غائبتين لترى رجلاََ يترك حقيبة ويبتعد على إثر نداء لجار.. تكاد تعرف هذا الوجه الذي أكتنف صوتها المخنوق لتنته ذروة المشهد الممسرح بلحظة إضاءة بأن الزائر كان أمها.. ربما لم تكن الخاتمة على مستوى هذه الثائرة النفسية أو الصدمة لأنها قفلت المشهد ولم تترك الفرصة لخيال الملتقى أن يضع تصوره.
نهنئ القاصة على هذا الامتاع والاقناع في تحفتها وهذا الايقاع الداخلي المشوق لهذا الهاجس المرعب، وهذه المشهدية ويثير تساؤلا يفرض نفسه، كيف نتعامل مع هذا التوجس كمرض عصري وكيف نتعامل مع مريضه دون التدخل العلاجي التي قد يكون لها تأثيرها العكسي؟
*****************************
النص:
توجس
...........
صراع حاد بين ضربات قلبها المتسارعة وتمتماتها التي لا تنقطع، دموعها تتنافس في الهروب من محجريها الملتهبين، تريده أن يخفِّف من حركته المتسارعة، هذا الجَزِع الذي يحتويه صدرها. السكينة تبدو صعبة المنال، لا رغبة لها في شيء منذ أن وصل إليها سؤالهم عنها.
تغيِّر وضعها، تمسك بالهاتف، تنظر في الأرقام ثم تلقيه، تعود وتمسكه، تحاول التماسك: «لم أفعل شيئًا أخاف منه». تبحث مرة أخرى ثم تلقي به بعيدًا، وعلامات الغضب على وجهها، تحدِّث نفسها: «لا يكفي أنك لم تفعل شيئًا».
فتحتا الأنف تحتاجان دعمًا، ابتعد الفكَّان بُعد المشرق والمغرب؛ تنشد الهواء البارد، يندفع إليها مع فتحها ضلفة الشباك، شعورها بالامتنان له يجعله لا يعلن عن ضجره من هذا الداخل الملتهب. تمسح الشارع بعينيها، الناس في حركة مستمرة، أغلبهم سكان الشارع منذ سنين، لم تره من قبل، غريب جالس عند البقال، تخاله ينظر إليها عبر دخان سيجارته، قلبها يعلو ويهبط:
«أتراه منهم؟»
نظراته تفضحه، حتمًا منهم. هكذا اقتنعت.
الهواء البارد فقد مفعوله، صوت إغلاق الشباك فاقه صوت دقات قلبها، لا تدري إلى أين، تكتم صرخة كادت أن تخرج، يوقفها ألم ركبتها التي اصطدمت بالكرسي في الصالة. تمد رجلها بصعوبة على الكنبة، طبقة كثيفة مع تدليك خفيف، «تبا للمسكنات؛ لا فائدة منها». تحدِّث نفسها.
تتذكر الرجل؛ يعاودها الاختناق، شبّاك الصالة يطل على الشارع نفسه، باب الشقة قريب منها، تنزل رجلها المتعبة، يدها على مقبض الشقة: «ربما لو فتحته تجد واحدًا منهم؟ لا، لا، إنه باب عمي سمير الطيب، وباب العمارة مغلق بالتأكيد». تحاول طمأنة نفسها.
بعض الهدوء يصطحبه الهواء المتسلل، تمتماتها تتوقف فجأة: «منذ متى؟ لا، لا، عمي سمير صرتَ منهم؟! كاميرا فوق باب شقتك؟!»
تغلق باب الشقة وتعيد إحكام الإغلاق. تصطك أسنانها، برد، تشعر أنها عارية، تجرّ قدمها، كثير مما بباطن الدولاب طُرح أرضًا، الشال الصوف تتدثر به، والطرحة الثقيلة تلف رأسها بها.
تفكر في صنع مشروب ساخن يدفئها، تدخل المطبخ، ما زالت رجلها تؤلمها، كيس القمامة لم تخرجه، أغضبت البواب من عدة أيام؛ تأخر في أخذ الكيس، يباغتها احتمال:
«ماذا لو كان معهم؟»
غبية أنا، ليتني ما فعلت، ليتني ما فعلت، يا لكِ من غبية.
لحظة صمت وتعاود: «ليس البواب فقط؟ ربما بائعة النعناع أيضًا؛ تنظر إليّ في طريق الذهاب والعودة، وأحيانًا تخفي تعمّدها النظر بابتسامة وإماءة بالرأس، لِمَ لمْ أجزل لها العطاء؟ لقد اشتروها، هي معهم بالتأكيد!»
كيس مكرونة وحيد بالمطبخ الخشبي:
منذ قلَّ الدخل، لم أشترِ من عمي محمود البقال كما كنت أفعل، عمي محمود! يا ويلي! البيت في دائرة كاميرا محله، مكان جيد لهم، أصبح عينهم الآن!
تقفز مفزوعة من صوت الهاتف، بيد مرتعشة تمسك به، رقم غير مسجل، قد يكون أحدهم، لن ترد، لن ترد.
«لا تغضبيهم، ردي، ربما يأتون إذا لم تفعلي، كفى غباءً». تلوم نفسها.
تضغط زر الهاتف، صوت زميلتها السابقة، تعرف هذا الصوت جيدًا: «لِمَ الآن؟! آخر حوار معها كان غريبًا، كثيرة الأسئلة عن زوجها الغائب، عن أولادها، كيف تدبّر أمورها، أتكون...؟! لا، لا، مستحيل، إنها ليست كالآخرين».
تعود وتتراجع: «لا مستحيل في هذا العالم!». تكاد تجن؛ كيف توقف هذا الذي يستعر بداخلها؟!
منزوية على الكنبة، منكشمة على نفسها، غطاء خفيف فوقها، أخيرًا غفت بعد ليالٍ من السهر.
منكفئة على وجهها، تتخبط في غطائها، أفزعتها رناتٌ متتالية، جرس الباب. تحاول التخلص من الغطاء الذي التف حول قدمها، لا تدري كيف، تتشظى الحروف: «و، وص، ل، وا».
«لا، لن، لن أفتح». الرنين مستمر: «ربما يكسرون الباب ويدخلون، سوف يكونون قساة، الأفضل أن أفتح».
طرقات تصاحب صوت الجرس، بنظرات عينيها الزائغة تقترب من عين الباب، تشعر بدوار، رأس أصلع، آخر بجواره لا تتبينه، يدها المهتزة على مقبض الباب، يعاود الرنين والطرق، تشعر بروحها تنسحب من جسدها، سوف تخرج إليهم؛ ما يمكن حدوثه ليس بأقسى مما هي فيه.
تجد صعوبة في إدارة المقبض، تضع يدها على الأخرى المهتزة وتحاول مرة أخرى، تتراجع للخلف لتفسح لهم، لا تكاد تراه، رجل يُدخل حقيبة، غاب عنها اسمه ولا ماذا يقول، جرى مسرعًا حينما سمع الجار يناديه، دفعت الحقيبة بقدمها، ودخلت مستنكرة التأخير في فتح الباب، وهذا الوجه شديد الصفرة، وتبدي قلقها من هذا الجسد المتخشب، هذا الصوت مألوف لها، بعينيها الغائمتين تحاول، هذا الوجه تعرفه تمامًا، هذا الوجه...
قبل أن تغيب عن الوعي بين ذراعي السيدة، وبصوت ضعيف مخنوق هتفت: «ماما!».
كتبتها / نجوى عبد الجواد - مصر
منزوية على الكنبة، منكشمة على نفسها، غطاء خفيف( فوقها، أخيرًا غفت بعد ليالٍ من السهر.
منكفئة على وجهها، تتخبط في غطائها، أفزعتها رناتٌ متتالية، جرس الباب)
وكأن تلك الوجوه تألبت وتقرع بابها وهي تدنو في ترقب ممزوج وجسد متخشب وعينان غائبتين لترى رجلاََ يترك حقيبة ويبتعد على إثر نداء لجار.. تكاد تعرف هذا الوجه الذي أكتنف صوتها المخنوق لتنته ذروة المشهد الممسرح بلحظة إضاءة بأن الزائر كان أمها.. ربما لم تكن الخاتمة على مستوى هذه الثائرة النفسية أو الصدمة لأنها قفلت المشهد ولم تترك الفرصة لخيال الملتقى أن يضع تصوره.
نهنئ القاصة على هذا الامتاع والاقناع في تحفتها وهذا الايقاع الداخلي المشوق لهذا الهاجس المرعب، وهذه المشهدية ويثير تساؤلا يفرض نفسه، كيف نتعامل مع هذا التوجس كمرض عصري وكيف نتعامل مع مريضه دون التدخل العلاجي التي قد يكون لها تأثيرها العكسي؟
*****************************
النص:
توجس
...........
صراع حاد بين ضربات قلبها المتسارعة وتمتماتها التي لا تنقطع، دموعها تتنافس في الهروب من محجريها الملتهبين، تريده أن يخفِّف من حركته المتسارعة، هذا الجَزِع الذي يحتويه صدرها. السكينة تبدو صعبة المنال، لا رغبة لها في شيء منذ أن وصل إليها سؤالهم عنها.
تغيِّر وضعها، تمسك بالهاتف، تنظر في الأرقام ثم تلقيه، تعود وتمسكه، تحاول التماسك: «لم أفعل شيئًا أخاف منه». تبحث مرة أخرى ثم تلقي به بعيدًا، وعلامات الغضب على وجهها، تحدِّث نفسها: «لا يكفي أنك لم تفعل شيئًا».
فتحتا الأنف تحتاجان دعمًا، ابتعد الفكَّان بُعد المشرق والمغرب؛ تنشد الهواء البارد، يندفع إليها مع فتحها ضلفة الشباك، شعورها بالامتنان له يجعله لا يعلن عن ضجره من هذا الداخل الملتهب. تمسح الشارع بعينيها، الناس في حركة مستمرة، أغلبهم سكان الشارع منذ سنين، لم تره من قبل، غريب جالس عند البقال، تخاله ينظر إليها عبر دخان سيجارته، قلبها يعلو ويهبط:
«أتراه منهم؟»
نظراته تفضحه، حتمًا منهم. هكذا اقتنعت.
الهواء البارد فقد مفعوله، صوت إغلاق الشباك فاقه صوت دقات قلبها، لا تدري إلى أين، تكتم صرخة كادت أن تخرج، يوقفها ألم ركبتها التي اصطدمت بالكرسي في الصالة. تمد رجلها بصعوبة على الكنبة، طبقة كثيفة مع تدليك خفيف، «تبا للمسكنات؛ لا فائدة منها». تحدِّث نفسها.
تتذكر الرجل؛ يعاودها الاختناق، شبّاك الصالة يطل على الشارع نفسه، باب الشقة قريب منها، تنزل رجلها المتعبة، يدها على مقبض الشقة: «ربما لو فتحته تجد واحدًا منهم؟ لا، لا، إنه باب عمي سمير الطيب، وباب العمارة مغلق بالتأكيد». تحاول طمأنة نفسها.
بعض الهدوء يصطحبه الهواء المتسلل، تمتماتها تتوقف فجأة: «منذ متى؟ لا، لا، عمي سمير صرتَ منهم؟! كاميرا فوق باب شقتك؟!»
تغلق باب الشقة وتعيد إحكام الإغلاق. تصطك أسنانها، برد، تشعر أنها عارية، تجرّ قدمها، كثير مما بباطن الدولاب طُرح أرضًا، الشال الصوف تتدثر به، والطرحة الثقيلة تلف رأسها بها.
تفكر في صنع مشروب ساخن يدفئها، تدخل المطبخ، ما زالت رجلها تؤلمها، كيس القمامة لم تخرجه، أغضبت البواب من عدة أيام؛ تأخر في أخذ الكيس، يباغتها احتمال:
«ماذا لو كان معهم؟»
غبية أنا، ليتني ما فعلت، ليتني ما فعلت، يا لكِ من غبية.
لحظة صمت وتعاود: «ليس البواب فقط؟ ربما بائعة النعناع أيضًا؛ تنظر إليّ في طريق الذهاب والعودة، وأحيانًا تخفي تعمّدها النظر بابتسامة وإماءة بالرأس، لِمَ لمْ أجزل لها العطاء؟ لقد اشتروها، هي معهم بالتأكيد!»
كيس مكرونة وحيد بالمطبخ الخشبي:
منذ قلَّ الدخل، لم أشترِ من عمي محمود البقال كما كنت أفعل، عمي محمود! يا ويلي! البيت في دائرة كاميرا محله، مكان جيد لهم، أصبح عينهم الآن!
تقفز مفزوعة من صوت الهاتف، بيد مرتعشة تمسك به، رقم غير مسجل، قد يكون أحدهم، لن ترد، لن ترد.
«لا تغضبيهم، ردي، ربما يأتون إذا لم تفعلي، كفى غباءً». تلوم نفسها.
تضغط زر الهاتف، صوت زميلتها السابقة، تعرف هذا الصوت جيدًا: «لِمَ الآن؟! آخر حوار معها كان غريبًا، كثيرة الأسئلة عن زوجها الغائب، عن أولادها، كيف تدبّر أمورها، أتكون...؟! لا، لا، مستحيل، إنها ليست كالآخرين».
تعود وتتراجع: «لا مستحيل في هذا العالم!». تكاد تجن؛ كيف توقف هذا الذي يستعر بداخلها؟!
منزوية على الكنبة، منكشمة على نفسها، غطاء خفيف فوقها، أخيرًا غفت بعد ليالٍ من السهر.
منكفئة على وجهها، تتخبط في غطائها، أفزعتها رناتٌ متتالية، جرس الباب. تحاول التخلص من الغطاء الذي التف حول قدمها، لا تدري كيف، تتشظى الحروف: «و، وص، ل، وا».
«لا، لن، لن أفتح». الرنين مستمر: «ربما يكسرون الباب ويدخلون، سوف يكونون قساة، الأفضل أن أفتح».
طرقات تصاحب صوت الجرس، بنظرات عينيها الزائغة تقترب من عين الباب، تشعر بدوار، رأس أصلع، آخر بجواره لا تتبينه، يدها المهتزة على مقبض الباب، يعاود الرنين والطرق، تشعر بروحها تنسحب من جسدها، سوف تخرج إليهم؛ ما يمكن حدوثه ليس بأقسى مما هي فيه.
تجد صعوبة في إدارة المقبض، تضع يدها على الأخرى المهتزة وتحاول مرة أخرى، تتراجع للخلف لتفسح لهم، لا تكاد تراه، رجل يُدخل حقيبة، غاب عنها اسمه ولا ماذا يقول، جرى مسرعًا حينما سمع الجار يناديه، دفعت الحقيبة بقدمها، ودخلت مستنكرة التأخير في فتح الباب، وهذا الوجه شديد الصفرة، وتبدي قلقها من هذا الجسد المتخشب، هذا الصوت مألوف لها، بعينيها الغائمتين تحاول، هذا الوجه تعرفه تمامًا، هذا الوجه...
قبل أن تغيب عن الوعي بين ذراعي السيدة، وبصوت ضعيف مخنوق هتفت: «ماما!».
كتبتها / نجوى عبد الجواد - مصر