في الأدب الأندلسي

ثم يمضى ابن القزاز في موشحه فيقول في المقطع الشهير: “بدر تـم/ شمس ضحـى/ غصن نقـا/ مسك شم ما أتــم / ما أوضحـ،ـا/ ما أورقــا/ ما أنم لا جــرم / من لمحــ،ـا/ قد عشقــا/ قد حرم فالوصــال/ ما قد خـــلا/ من أمل فائت والخيـــال/ ما قد عـــلا/ من نفس خافت” ولا بد أن ننتبه إلى أن تنفيذ هذا الموشح...
أستأذن القارئ الكريم في استعارة هذا العنوان من كتاب ابن سعيد الأندلسي الذي أدرك بفطنته العالية وحساسيته الموسيقية والشعرية أن بعض الموشحات ليست سوى توقيعات نغمية خصصت للرقص، فلا يستطيع منشد أن يتمالك نفسه من الاهتزاز الحسّي والهزة النفسية عندما يتغنى بها. ولعل من أبرزها موشحة ابن القزاز (500هـ ـ...
قبل أن نورد المقطع الأخير من موشحة ابن غرلة التي يجاهر فيها بصيده الغزالة من مراتع الأسود؛ وهي إشارة واضحة لعشقه للأميرة رميلة أخت الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي، يجدر بنا أن نتذكر قطعة فريدة وشهيرة من معلقة امرئ القيس يقول فيها: “وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجلِ تجاوزت...
هناك بعض الموشحات المثيرة، ذات الطابع الفني والموضوعي اللافت، مما يجعلها تستحق الذكر والتأمل، خاصة إذا كانت ترتكز على أبرز تقنية شعرية انتبه لها النقد المعاصر، وهي التناصّ أو تداخل النصوص، فالوشاح الأندلسي والمغاربي كان متجذرا في تراثه العربي ومستوعبا لعناصر ثقافته المائزة، فهو يقرأ الشعر...
يمضي الشاعر الأندلسي عيسى ابن لبون في موشحته التي يشرح فيها طقوس دين الحب فيقول: أفنيت صبرا/ ولم أزل ذا اصطبار عبدا حرا/ مستعبد الأحرار باللحظ قسرا/ لم يقل باعتذار فمن رآني/ على انحطاط لشاني ففي انذعاني/ إليه أقوى برهان ولكي ندرك ما في هذا الشعر من تحريك تقدمي لمنظومة القيم التي كانت سائدة في...
نعود قليلا إلى بعض نماذج الموشحات الجميلة في عصر ملوك الطوائف بالأندلس، وقد استغرق القرن الخامس الهجري الموافق للحادي عشر الميلادي، لنجد من أبرز شعرائه أبوعيسى ابن لبون الذي كان قاضيا ووزيرا في مدينة بلنسية حتى سقطت في يد المغامر الإسباني السيد القمبيطور، فذهب ابن ليون عام 478 هـ إلى مدينة مربيط...
تستمر الموشحة التي أملاها الأعمى التطيلي وجعلها مذيلة بجملة قصيرة تصلح لترجيع الجوقة المغنية عقب كل مقطع فتقول: “أهلا وإن عرّض بي للمنون بمائس الأعطاف ساجي الجفون يا قسوة يحسبها الصب لين علمتني كيف أسيء الظنون مذبان عن تلك الليالي القصار كأنما بين جنوني عرار نومي غرار” يرحب الشاعر بمحبوبه وإن...
أدب أندلسي صلاح فضل - ماء ونار
للأعمى التطيلي موشح آخر يجرب فيه لونا من الترجيع، بكلمات تصلح للجوقة كي ترددها، بما أطلق عليه العروضيون مصطلح “التذييل” وفيه يتجلى الحس الموسيقي الذي يعتمد عليه المؤلفون والملحنون في اختيار المفارقات اللافتة والإيقاعات المنظومة، فالتقابل الدلالي بين الأطراف يضفي على النغم الصوتي الخارجي انسجاما...
كان الأعمى التطيلي يمزج في موشحاته بين مدح النساء بالغزل ومدح الأمراء برقة تفوق الغزل نعومة وظرفا، وكان يتغنى بجمال الممدوحات والممدوحين ويشغف بهم حبا، وكثير من قصائده تتوزع على هذين الطرفين بالتساوى، لكنها تختتم غالبا بالحديث عن فتاة عاشقة قامت تغني كاشفة عن وجدها وصبابتها، فالحب الأندلسي في...
كان ولع هذا الوشاح الأندلسي العجيب، الأعمى التطيلي، بمفهوم الجمال وقدرته على التغني به سابقا لزمانه، فهو يكرر ذلك كما رأينا بأشكال مختلفة، فيجعله مرة عبادة، ومرة فريضة، ومرة همه الوجودي الوحيد، فيقول فى إحدى موشحاته: “أنا والجمال/ وهم وما اختاروا” مكتفيا بذلك مطلعا للموشحة، ولا بد أنه كان...
أحسب أن الشعر الأندلسي، والموشحات خصوصا، هي التي أبرزت قيمة الجمال باعتباره معنى كليا يتجسد في مظاهر عديدة، في البشر؛ خاصة النساء، وفي الطبيعة، بحيث يمكننا أن نقول إنه قد تفوق في ذلك على الشعر المشرقي، فهذا هو الأعمى التطيلي يقول في موشحته: “حلو المجاني/ ما ضرّ لو أجناني كما عناني/ شغلني به...
من ألطف ما تتميز به الموشحات، وهو من خواص شعريتها، هذا اللون من الظرف وحسن الدعابة الطريفة. وقد اجتهد بعض منظري الشعر في التدليل على أن طبقاته الحميمة تتضمن شيئا من روح الفكاهة التي تثير الابتسام؛ فمفارقات اللغة واللعب بالكلمات وابتكار المجازات يمتع القارئ وينعش وجدانه حتى تنفرج أساريره. ولنتابع...
يتجلى ولع الوشاحين الأندلسيين بالمزج اللغوي في خرجات قصائدهم بين العربية والقشتالية، أي الإسبانية القديمة، فالأعمى التطيلي يكمل الموشحة التي ذكرنا فقراتها الأولى قائلا: “يا من قتل الريم بتقتيره ومن فتن الحوار بتصويره ومن زاغت الأبصار من نوره هواك هو التشويق ما عشت لا بحتُ به دهري، لا بحتُ”...
من خواص الموشحات الأساسية بناؤها على أغنيات شعبية ملحونة وملحنة، وتناسلها الداخل في سلالات شعرية متوارثة خلفا على سلف، إما في المطالع الشهيرة كله أو في بعض صيغها الأثيرة فحسب. والموشح الذي نتوقف عنده اليوم للأعمى التطيلي أيضاً، وإن كانت خرجته أعجمية من تلك الخرجات التي فك شفرتها المستعرب...
أما بقية هذا الموشح الذي بهر الشعراء وأعجزهم عن منافسته، فمزقوا موشحاتهم كما قطعت النسوة أيديهن افتنانا بجمال يوسف، فيقول فيه الأعمى التطيلي، ويبدو أن لمحنة العمى أثر كبير في توهج قدراته وارتفاع مستوى حساسيته للنغم والإيقاع والصور الحسّية: “بي هوى مُضمرُ/ ليت جُهدي وَفْقُهُ كلما يظهر/ ففؤادي...

هذا الملف

نصوص
94
آخر تحديث
أعلى