رضا أحمد

ولدتُ في السابع عشرَ من مارس، لم أخطط مطلقا لهذا؛ أمي لم يكن يعنيها انتظارُ الغرباء ووالدي لم يحتط ليتركني آمنة في سلَّة ظهره. كان الحبُّ هادرًا وقتها، شابًا، قادرًا على العدو أمامنا، ولم يكن شارعُنا ثكنة أسمنتية خالية من سخف الأشجار وانفلات الزهر. سقطتُ من رحم السماء في حجر أمي، ولم تمنحها...
لليلى أن تنظّف ثيابكَ من رماد القتلى، تنزع مخالبكَ وترمي نابكَ في أصيص قرنفل، لها أن تضع حولكَ متاريس عطرها المعدي، أن تمشّط شعرها في الشارع حتى تعرف الجارات أن في بيتها رجلها العائد، أن تربي مفاتنها كلَبُؤات جائعة تتسلّط على غفوتكَ وتعلّق مخاوفها في عنقك، لها أن تقرأ بدايات كلّ ندوبكَ وتضع نقطة...
صدى، صدى، صدى لحظة، تمتع بصوتكَ موج يلي موجًا إلى أن ينساب البحر داخلك كغناء محترق، صفير، صفير، صفير القطار فقط توقف ليتناول فطوره ليس لديك فكرة هذا ليس غيابي إنه فقط جوع المسافة، صمت، صمت، صمت أحضرت لك محبتي وجسدًا يذوب بعد الخامسة في بياض عينيك أحضرت لك ثلاثين عامًا انقضت في الخوف، يا لها من...
أسناني تتكسّر حين أقول ما يؤلمني .... أيها التاريخ آمل أنك بخير؛ أمرر أصابعي فوق جرحك لا نية لي في شفائك لكني اقر بجدية ألمك وهذا لا ينفي أن أحدنا شَاعِر... دائما هناك سؤال يشغلني: ماذا سأضيف للشعر وماذا سيعطيني بالمقابل؟ لا أعني الألقاب التي تصحبنا إلى المقابر وفي قاعات المؤتمرات ولا البريق...
الحب منجل صبور جدًا يقوم بعملنا غير النظيف دون أن يلوث أيدينا بقطرة دماء. أن تعيش هيكلًا عظيمًا لقلب أبيض بساق لينة ورأس هش تحمله الريح في كل اتجاه وتعاني كثيرًا في نظافته؛ لا يعني إنكَ ستفنى هكذا زهرة بقطفها تنتهي وظيفتها في إسعاد المارة ونفث البراءة النادرة في مسام الحياة. زهرة مثلك تصير فيما...
أضعت اسمي عرشي المنتظر ومرض أليف يسير خلفي يعتقد أنني سيدته لكني لا أملك حق إطعامه وتوبيخه، مثل عازف كلارينيت أترك مناوبتي الليلية في جرف الذكريات لطفل صغير يهوى تجميع الجنود البلاستيكية في جحور عميقة وأجلس بامتداد حياتي كشجرة مريضة -نسيت أخذ جرعتها من الكلوروفيل والمسكنات- أدخن بشراهة أحد...
ثلاثون عامًا أو يزيد عن حقوق التجول خارج الوقت وهذا الجسد يعنى بي، يزاول أمراضه بحرص شديد، يتنكر للألم، يزعق في الوسائد الناشفة والمرايا ويعود كل ليلة من الموت يحمل عني اسمي ويتقبل ولائي، يجثو أمام سريري ويصلي للفراغ أمامه الذي جعله يتجدد باستمرار دون أشباه. ها أنا ذا أنفض يديّ من الظلام ليس...
خسرت ثلاثين عامًا في جدولة أخطائي، وظننتها وجوها تبتسم لي الكدمات على جسدي، أطعمت الشوارع أطرافي الباردة وحين أفترقنا كانت أمي تقرض الجارات مشيتي العرجاء وتلقي في الكوابيس أقلامي وملابس عرسي، هنا في عالمي الضئيل سقطت مرساة بين كتفي؛ ثقيلة هي الأيام أن لم تكن تحب البحر كقارب يتلعثم كلما أجبروه...
بي خوف لا أدري كيف أنهي يومي دون أن يندم كلانا؛ أنت تذبحه وتقطع لحمه وتحطم عظامه، وأكتفي بالنظر إلى أصابعك؛ كيف تمررها على صدري كل مرة ولا يتوقف الدم؟ المروحة تدور بين كتفيك، الوقت يتخلى عن جلده الميت؛ يبتسم كرضيع شره ينتظر طعامه واليوم الفائت ملقى في القمامة يئن، وتلومني أنني لا أجيد الطهو ولا...
منذورة للنسيان تصحبك قرابين وسرب ليالي مؤرقة، لا رائحة تغرس بذرتها في لحمك ولا قيصر يتنزه في حديقتك بمجد مفقود، العتمة تتربص بكِ، قشري حياة تالفة عن مرآتك واستدعي أنفاسك من ذاكرة سكين؛ هكذا يصير للزهور دمًا ساخنًا وغرائز منطقية. لأنينك المُسجى جوار أعقاب السجائر رئة مجهدة لا تفتح لسعالك نافذة...
أستعين بظلي في ممارسة الحزن والندم لدي ما يكفي أيضا من الوجوه التراجيدية ولا بأس حين ينتزع الموت الفجائي مني دمعة؛ امرأة مثلي تقاضي أيامها الباردة بكتابة عرائض تلصقها على ستائر الليل وحين ينفد مني الأرق أستسلم للخواء في رأسي وأصاحب مواتي إلى القبر حيث لا حجر سيحمل اسمي ولا ساق وردة تصلح للكتابة...
قال إننا سنصل عما قريب ونسجل أسماءنا جميعا بالضبط كما تحفظها أمهاتنا ويلفظها المجاذيب والصغار، قال إننا إخوة في سداد الدين وفي قراءة الكتاب المقدس وأصدقاء مرادف مغمور بالحب لا يعني مطلقًا بتأويل مرور الوقت وذهب لم نعرف إلى الآن كيف أكله النسيان وتقيأ صناديق ثمينة في قاعة كبار زوار المتحف الجديد.
يمكنني أن أخلي سبيل الشارع وأمرر خطوتي إلى الضفة الأخرى أن انتهي من لثم رمادك على المذبح قبل أن تصعد وتوبخ الآلهة وتخبر رفاق السوء في الجحيم عني، يمكنني إعادة تدوير كذباتي، الاحتفاظ بأسرارك في شرابي الصباحي وتصفح الخرائط نفسها في مكانين وأنت جالس تمشط وجهي عن نجمة ضالة، أنزلق في جزيرتك النائية؛...
لا تعرفين عن الحزن إلا الرائحة التي تسند قلبك كلما حاول الهروب مع رجل ما، لا تعرفين عن الخوف سوى المشي برأس حجري والإزميل بأفكاره الباردة في يد شيخك أو والدك، لا تعرفين عن نفسك غير الوتر الذي يسوق أصابعك إلى الكتابة كقطيع ذئاب يفتش عن الموت بأنياب فلاذية وعاطفة مأخوذة بميراث القمر من الشعر...
قبل أن يودعونا تفاهموا تماما مع الحزن؛ تركوا ملامحنا خارج الذاكرة تحرثها مخالب الوقت فطر أبيض نما شفقة غامضة تخنقها تجاعيد وصدأ أصاب مكابح القلب. أعلم أننا لو اجتمعنا في جنازة تعارف لأفرجت قلوبنا عن أغطيتها وفي فورانها الأبيض فورانها المر صراخ بائت، ورمت نفسها في الطرقات وقالت: أولاد القحاب...

هذا الملف

نصوص
183
آخر تحديث
أعلى