يُعدّ الأديب السكندري شريف محيي الدين إبراهيم واحدًا من أبرز الأصوات السردية العربية المعاصرة في مجال القصة القصيرة، رغم أن اسمه لم يحظَ بعد بالانتشار الذي يستحقه. تميّز أسلوبه بحدة رمزية تمس الجوهر الإنساني، وشاعرية تتدفق في نسيج السرد، وفصحى حية متجددة لا تفقد أناقتها.
أولًا: شواهد نصية من...
في ليلة صيفية خانقة، بعد ندوة خافتة الحضور، كنت أرتّب أوراقي بيدٍ ثقيلة، والقلم يتثاءب بين أصابعي كمن يتهيأ للسقوط، كأن الحبر نفسه يعرف أن السطور الآتية ليست من هذا العالم. غلبني النعاس، فوجدت نفسي أمام قاعة أعرفها، بابها نصف مفتوح، كأنه يشير إليّ بإصبع من نور ويهمس: تعالَ… فقد آن وقت العبور...
لم يكن كريم يمشي إلا والابتسامة تزين شفتيه.
في عمله، يغطي على زملائه عند الخطأ، ويحمل أعباء الغائبين، وهو يضحك.
يضحك في وجوه الناس دائمًا، حتى حين يخذله أقربهم.
يمشي بخفة بين الممرات، يحيي الجميع كأنه لا يعرف الغضب.
كانت ضحكاته تلك تثير حفيظة مدير الشركة، الذي يتهكم عليه قائلاً:
"دائمًا متفائل،...
حين تقرر أن تكتب، عليك أن تدرك أمرًا جوهريًا:
الناس ليسوا عبيدًا لخيالك، ولا جالسين بانتظارك لتُفرغ عليهم مشاعرك وأوهامك.
الناس لهم همومهم، حياتهم، ولا وقت لديهم لبطولاتك الزائفة أو إعجابك المَرَضيّ بذاتك.
أتريد أن تكتب؟
قدّم ما يعنيهم، ما يلامسهم، ما يدفعهم إلى التوقّف لحظةً والتفكير.
اكتب...
في زمنٍ تُصادَر فيه الأفكار قبل أن تُولَد، ويُغتال الفن قبل أن يُفهَم، يخرج علينا من يدعو إلى إغلاق أبواب الجمال، والاستخفاف بالفنون، وطمس الرموز الحضارية التي منحتنا مكانة لم تصنعها السياسة، ولم تُحققها الحروب.
أيُعقَل أن نستخفّ بما جعلنا في طليعة الأمم؟
نُلغي الفن والثقافة إذن ، ونحرم أنفسنا...
صاح أحدهم في فزع:
"القبطان غرق! كل طاقم القيادة ماتوا!"
قالت امرأة عجوز:
"علينا أن نرمي الأثقل."
ردّ آخر:
"بل نرمي من لا نفع فيه."
وصاح شاب صغير:
"الكبار أولى بالموت… لنعطِ الصغار فرصة."
وهكذا، بدأوا يحدّقون في بعضهم البعض،
كلٌّ يرى الآخر عبئًا زائدًا.
إلا أن يوسف، صاح:
"الكل سينجو… لن...
رحم الله محمد خيري حلمي، فقد كانت الحياة قاسية عليه، لكنّه ترك كلمات لا تموت، وذكرى لا تنطفئ.
عرفته إنسانًا طيبًا، بسيطًا في هيئته، لكنه عميق في إنسانيته وإبداعه، خفيف الظل، فطري الموهبة، كأنّ اللغة تسكنه منذ الولادة.
كان فقيرًا في المال، غنيًا في الروح، يعمل في ظروف قاسية، ويواجه واقعًا لا يعرف...
منذ لحظة دخولها، كانت البنت الصغيرة رحمة تصرخ فرحًا، تمسك شيئًا تخبئه داخل سترتها، وعيناها تلمعان بانتصار:
ـ "بابا شوف! لقيته عند ست واقفة لوحدها في آخر الشارع... كانت واقفة كأنها مستنياني. لما شافتني، ابتسمت وقالت: خديه، هو ليكي..."
كان حديثها عفويًا، لكن شيئًا في نبرتها جعل الأب ينتبه، كأنها...
ليست "شارع العزب" روايةً تُقرأ على مهل فحسب، بل هي حجرٌ كريم استُخرج من قلب الذاكرة الجمعية للإسكندرية، ونُحت بنَفَس طويل من التراب والماء والحنين. كتبها شريف محيي الدين إبراهيم في لحظة نادرة، فخرجت كما الجوهرة: غارقة في الضوء، نقيّة، غير مُنمّقة، كأنها لم تُكتب بالحبر، بل نُطقت من وجدانٍ خامٍ،...
أنا عمّ وهبة.
عامل نزح آبار.
اسمي لا يُدوَّن في الأوراق الرسمية، ولا يُذكر في نشرات الأخبار، لكنك إن سألت عني في شارع العزب، في حيّ المندرة، أشاروا إلى أسفل، وقالوا:
"هناك، تحت الأرض، يعمل وهبة."
في كل بيت بئرٌ للصرف الصحي، حُفرت قديمًا قبل دخول المجاري العمومية.
ومع مرور الزمن، تختنق الآبار،...
في ليلة واحدة، سُمعت أسماء ثلاثة:
منصور… الشيخ الذي تحدّث عن المحبة،
يوسف… الفيلسوف الذي سأل عن المعنى،
إلياس… الراهب الذي آمن بالصمت.
لم يجتمعوا في الدنيا، ولم يعرف أحدهم الآخر.
لكنهم عاشوا بين الناس، تكلموا، أحبّوا، وأخطأوا.
لم يكونوا أنبياء، ولا دعاة،
بل كلٌّ منهم سار في طريقه، يفتّش عن نور،...
قلة من الكُتّاب يملكون الجرأة على خوض معركة المعنى، وأقلّ منهم من يخرج منها سالمًا دون أن يفقد حسّ الحكي ومتعة السرد.
أما شريف محيي الدين إبراهيم، فقد كتب نصوصًا فلسفية، رمزية، مثقلة بأعمق الأفكار، لكنها ظلت ممتعة، مشوّقة، آسرة.
هنا تكمن المعادلة الصعبة التي نجح في حلّها، ونجا بها من أنياب...
كرهته كما لم أكره أحدًا في حياتي.
وأنا لا أكره الناس بسهولة!!
كان شيئًا آخر.
كائنًا من زمنٍ آخر.
صامتًا أكثر مما يليق ببشر.
ملامحه جامدة، ونظراته تحمل شيئًا من التحقير الخفي.
لا يبتسم، لا يمزح، لا يعلّق.
يسير بيننا كأننا غير موجودين.
كأننا ظلال، أو هواء... أو لا شيء.
همّام عبد الجليل الباشا...
لم يكن يعلم أن العالم، بكل وسعه، أضيق من أن يحتويه.
ارتجف.
ودّ لو يبكي.
لكن دقّات الساعة القديمة، المعلّقة خلفه على الحائط، أعادته إلى ما يشبه نقطة الصفر.
الساعة، ذات الإطار النحاسي المهترئ، لم تكن تدقّ دائمًا.
كانت تتوقف حين يغضب، وتسرع حين يشتدّ ندمه.
كأنها تعرف أكثر منه.
أُعلن عن وفاته،...
– سأصل إلى هناك، أو إلى ما هو أبعد...
قالها لزوجته، مشيرًا إلى نجم وحيد في السماء.
ضحكت بسخرية، لكنه أضاف، كمن يُنذر:
– من يطلب الضوء... لا ينجو من الاحتراق.
ومن يصعد دون أن يحمل قلبًا خفيفًا، يسقط بثقله.
هو لا يشبه أهل الحي.
يخرج كل صباح ببدلة نظيفة، وحقيبة صغيرة.
لا أحد يعرف أين يعمل، أو متى...