كان الجو خريفيًا، ملبّدًا بغيوم داكنة.
وقفتُ على الرصيف أراقب المارة بذهولٍ شارد، وكأنني أبحث عن وجهٍ منسيّ في الوجوه.
لم أكن أنتظر شيئًا بعينه، لكن الحافلة توقفت فجأة أمامي، كما لو كانت تعرفني.
صعدتُها بخفةٍ لم أعهدها في نفسي. كانت المقاعد نصف ممتلئة، وجوّ الحافلة مشبعًا برائحةٍ دافئة، تشبه...
الجو عاصف، ماطر، والبرق يمزّق السماء كخنجر مجنون.
في الداخل، في الغرفة التي لا نوافذ لها، ولا أبواب، ولا اتجاهات، ولا زمن، وقف الأربعة صفًا أمام "هو".
لم يكن يعرف من أين جاؤوا، لكنه يعرفهم.
يعرفهم كأنه عاش معهم منذ الخلق، أو كأنهم خرجوا من جوفه يوم ارتكب تلك الخطيئة.
عيناه متّسعتان، قلبه يدقّ...
كان هو في المنتصف تمامًا،
يجلس القرفصاء، بين ظلال أربعة، تتقاطع في عينيه.
تكلم الأول، بنبرة هادئة
ما الذي جاء بك إلى هنا؟
صمت، كأن السؤال أغلق أبواب الذاكرة.
قال الثاني، بنبرة تهكمية:
نسي. هو دومًا ينسى.
قال الثالث، وهو يضحك بصوت خافت كصفير ثعبان:
هو لا ينسى... هو يهرب.
رد الأول:
دعوه يتكلم...
كان يحتضر.
تجمّعوا حوله في صمتٍ مضمّخ بالخوف.
الزوجة، الأولاد، الأحفاد... وجوه مألوفة،
لكن عينيه لم تلتقط أحدًا، كأنما كان ينتظر شيئًا آخر.
في اليوم الثالث للمرض، ظهرت.
مشَتْ على أطراف الغيب، لا يُسمع خطوها، ولا تُرى إلا لمن اقترب أجله.
القطة الرمادية.
خرجت من الجرن كمن يعود من منفىٍ بعيد خلف...
حين فتح عينيه، وجد الأرض باردة تحت جسده،
في مكان غريب...
في وسط دائرة من المرايا، كان
لا يدري كيف جاء، ولا متى.
لا يتذكر بابًا دخل منه، ولا يدًا قادته إلى هناك.
المرايا تحيط به من كل الجهات.
... انبثق الضوء فجأة، يغمره بهالة دائرية.
كأن المكان ينبض من حوله.
جلس القرفصاء.
تحطّمت أول مرآة.
خرج...
في بيتٍ مغلق، يسكن رجلٌ لا يعرفه أحد.
حين يُسأل عن اسمه، يبتسم كأنما نسي، ثم يقول: اسألوا الورق.
كتب عن الليل الأبيض، حيث لا ينام أحد،
عن دكانٍ يتكئ على حكمة ميت،
عن شيخٍ في الجبل يُداوي الحروف لا الأجساد،
وكان يُقال: من يُشفى هناك، لا يعود كما كان، فالحروف تترك ندبة على القلب.
عن قلبٍ ورث...
كان هناك....
أبيض كأنه مقطوع من جلد القمر،
عينه في عينيّ.
لم يصرخ، لم يرفرف، فقط كان..
وكنتُ أنا المرتجف بين حلم ويقظة.
لم أفهم، لم أهرب!!
شيء داخلي انكمش، وكأنه لم يكن طائرًا بل علامة.
في عتمة الليل، حيث يهمس السكون بأسراره،
كان وجهه كقلبٍ ناصع البياض، محاطٍ بحلقة سوداء كعين الهاوية،
عظيم...
منذ اللحظة الأولى، وجد عمر نفسه مشدودًا إلى سلمى.
كانت تجلس أمامه في الكافيه الصغير، تنصت إليه بعينين واسعتين، تبتسم في الوقت المناسب، وتُخفض نظرها حين يمتدح ذوقها.
بدت جميلة مثالية، كحلم لا يتكرر.
لكن بعد الزواج، بدأت تتغير شيئًا فشيئًا.
ارتفع صوتها، كثرت أوامرها، وصارت تنتقده في التفاصيل: كيف...
في مدينة لا تنام، أمضي وظلي مُعلّقٌ في مرآة واجهةٍ زجاجية، وعندما التفت لأرى ظلي ، لم يكن هناك...!!
. بحثت عنه في زوايا الإسفلت، في أعين المارة، وفي محطات المترو...
لكنني لم أجد غير ظلال الآخرين!!
شعرت أن شيئًا يتصدّع.
وضعت يدي تحت ذقني.
تأملت وجهي في شاشة سوداء تنعكس فيها عيناي
سألني : من...
حين التحق معتز بالعمل في الشركة، سرعان ما وجد نفسه محطّ عناية فائقة من الأستاذ كريم، المدير العام.
دعمٌ غير محدود، توجيه مباشر، وفتح للأبواب المغلقة أمامه، وهو شاب ما يزال في بداية الطريق.
كان كريم بك يبدو كأبٍ خفي، يغدق عليه من وقته وجهده بسخاء، حتى أثار الأمر تساؤلات الجميع.
وكان يردّد دائمًا...
المطر ينهمر بعنف، والريح تعوي خلف زجاج ...السيارة التي تتهادى على الطريق الغارق، وأنا أمسك الهاتف بيد مرتجفة.
الصوت من الجهة الأخرى كان مبحوحًا، متقطعًا، يرتجف بين شهقة وأنين.
كانت عفاف.
– "ياسر... تعالى حالًا..."
وأغلقت المحمول.
حاولت أن أعيد الاتصال بها، ولكن كان خارج الخدمة.
عفاف زوجة حامد...
اليومُ عاصفٌ ممطر.
الشمس تنسحب في صمت، غارقةً في بحرٍ من ضباب.
عربةُ القطار تموج بالحياة،
الركاب يتوزعون على المقاعد،
الأرضية اللامعة تئنُّ من ثقل النعال والوجوه.
أجلس في آخر العربة.
إلى جواري رجلٌ نحيل ، نظّارته سوداء لا تُخفي نظراته الفضولية التي تتسلل إليّ كل بضع دقائق.
نظراته تُزعجني...
خطا جاسر وسط سوق السمك، وكأنه يجهله، رغم أن أقدامه قد نبتت فيه!!
بدلة لامعة، وساعة مستوردة، وعينان تلمعان كما لو أنهما تقيسان قيمة كل شيء.
منذ غادر السوق، قرر ألا يمدّ يده إلا لاصطياد ما يلمع، لا ما ينبض.
كان سوق الميدان يعجّ بالحياة.
مشترون، رجال ونساء من كافة الطبقات، لا يتوقفون عن الفصال،...
لسان
نتحرق شوقا للقاء بعض....!!
،ولا نلبث أن نلتقي،حتى نشرع في ممارسة عجيبة ، فدونما تحية ترحيب ، أو حتى ابتسامة مجاملة باهتة ،يعجل كل واحد فينا بخروج لسانه للآخر!!
القاعد
كيف تطلب من الآخر، الالتفات لتحيتك؟!
ألم تدرك قط، أنك قاعد فوقه؟!
مجرد رجل...
حين ماتت أمّه،
لم يكن قد بلغ السابعة.
ماتت وهو في حضنها،
توقّف قلبها فجأة.
بكى حتى جفّ الدمع في عينيه،
وظلّ ممسكًا بطرف ثوبها البارد لساعات،
كأنّ تمسّكه بالثوب قد يُعيدها، أو يؤخّر الموت قليلًا...
مروان لم يكن يفهم معنى الموت،
لكنه أدرك شيئًا واحدًا:
أنّه يأتي فقط حين يصمت ذلك الصوت الخافت...