قال لي صديقي عادل ، في مساءٍ رماديّ كقلبينا، ونحن نجلس في مقهى يشبهنا: بسيط، صامت، يعرف كيف يصغي:
"أنت وسيارتك التي تحتضر، وشقتك التي بالكاد تتسع لظلك، وراتبك الذي يتبخر قبل أن يلامس جيبك... لا يحقّ لك أن تحب."
علقت الكلمات في حلقي كغصّة. لم أُجب. لم يكن يخاطبني، بل يكلّم مرآةً قديمة خلف عيني...
في خضم المشهد الأدبي السكندري، حيث تتجاور الأسماء الكبيرة، وتتقاطع التجارب بين الواقعي والتاريخي، وبين الشعبي والرمزي، يبرز شريف محيي الدين إبراهيم بوصفه صوتًا فريدًا، لا يصيح ولا يتباهى، لكنه يكتب كما يُصلي: في صمت، وصدق، ودهشة.
كاتب متعدد وكأنه يتشظى
ما يُميّز شريف حقًا أنه لم يختر دربًا...
كان يجلس في زاويةٍ مظلمة من المقهى، أمام مرآةٍ كبيرة مشروخة، حين اقتربتُ منه.
لم يكن ثمّة سببٌ واضح... فقط شعرتُ أن شيئًا في داخلي يجذبني نحوه، كأنني أعرفه من زمنٍ بعيد.
قال لي بصوتٍ خافت:
– "كلّ ما تُخفيه عن الآخرين، تصرخ به روحك."
جلست أمامه مشدودًا، مأخوذًا بشيءٍ لا أدركه.
قال:
– "حين أنظر...
لم يكن سامر يعرف متى بدأ الأمر تحديدًا، لكنه يتذكّر أول مرة لمعت عيناه في عينيها، وهو يتهجّى قصيدة للمتنبي.
ميس رهف، معلمة اللغة العربية، كانت تُلقي الكلمات كما لو أنها تنبع من مجرى سري، تسقي أرواحًا جافّة وتعيد للغة وهجها الأول.
في تلك اللحظة، شعر أن شيئًا دافئًا انفجر بداخله، كأن قلبه خُلق من...
قرر عبد الحميد البحري أن يتقدّم بطلب عضوية اتحاد كتّاب مصر.
كان قد أصدر مجموعة قصصية لاقت بعض التصفيق وبعض الهزّ بالرأس من رواد ندوة قصر ثقافة مصطفى كامل، فشجّعه هذا على خوض مغامرة الانضمام إلى صفوف "الصفوة".
في إحدى أمسيات الندوة، استجمعت تركيزي، لأسمع قصته الجديدة، لكن عبد الحميد، قبل أن...
عندما دقّوا بابنا عند الفجر، لم يكن في صوتهم ارتباك. قالوا إنهم رأوا أمي سلمى في الحقول عند منتصف الليل، تتمتم بكلام غير مفهوم، وتُذرّ شيئًا في الهواء، ثم تختفي بين أشجار الصفصاف. اتهموها بالسحر. قال أحدهم إنها عقدت لسان طفلٍ ظلّ يبكي ثلاثة أيام دون أن ينطق، وقالت زينب جارتنا إنها شاهدت قطة...
لم يكن قرارًا. كان انكسارًا بطيئًا، كصوتٍ يتلاشى في بئرٍ بلا قاع.
بدأ حين توقّف صوته عن الخروج، وبقي الكلام حبيس صدره، يصرخ داخله، ويخنقه. حين لم يعد يستطيع البكاء، ولا الكتابة، ولا حتى النظر في عيني أحد دون أن ينهار من الداخل.
حين صار الألم أكبر من جسده، والصمت أوسع من غرفته.
كان يخاف من...
في أقصى طرف الشاطئ، عند تلك البقعة التي لا تصل إليها ضوضاء المدينة، كان يقف دائمًا.
الشيخ... رجل يشبه أطياف البحر نفسها.
لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، وكأن وجوده لا يحتاج اسمًا.
كان يشبه الزمن نفسه؛ يمشي ببطء، وكأن كل خطوة منه تحفر ذكرى في الرمل.
ملامحه حادة، صلبة، كأنما نحتها الملح والريح. وجهه...
"بين البحر وذاكرتها، كانت ترسم دوائر، كلما همّت بالخروج،أعادها الموج.نفس الرحيل…
نفس الوجع.
البحر تغيّر.صار أوسع،أبعد،أكثر صمتًا.
هي تكتب.
ترسل تعاويذها للماء.تظنه رسولًا،لكن البحر لا يرد.
هو يبتلع.يصمت.
ينسى.
في مساءٍ خافت،
هبط نورس.نظر طويلاً.ثم رحل.
لكن صوتًا عاد.خطواتٌ تعرفها.يدٌ تلامسها...
يرتدي بدلة رمادية كوجهه، ويحمل حقيبة جلدية كأنها تابوت صغير، يفتحها كل صباح على مكتبه كما يفتح القبر على ساكنه.
الآلة الحاسبة أمامه… يضغط على أزرارها بقوة ، وهي تضغط على قلبه في المقابل، دون أن تصدر صفيرًا أو ألمًا يُرى.
قالوا له: الرقم لا يكذب.
لكنه كذب، حين كتب في تقريره الأخير أن الشركة لم...
أكثر من ثمانين عامًا...
هذا عمرها.
وقفت على ناصية الشارع،
تُمسك حقيبة جلدية سوداء،
ترتدي ملابس قديمة... لكن أنيقة،
وتغطي شعرها بطرحة صغيرة،
شحب لونها من كثرة الغسيل،
وتدلّت أطرافها فوق كتفيها كأنها لا تريد أن تسقط…
ولا أن تُنسى.
نادَت عليّ بصوت خافت:
– من فضلك... أم شيماء؟
ثم أضافت:
– بائعة...
رغم نجاحاته،، وصلابته في المواقف، كانت الحيرة تتسلل إلى أعماقه كسرب خفيّ!!
رجل اعتاد الوقوف في العواصف، تهتزّ أعماقه من رعشة، لا يدري من أين أتت.
يمرّ الزمن، ويغور الألم، ويقيم سؤالٌ صامت على باب قلبه:
لماذا؟
من فوّض أحدهم لانتزاع الطمأنينة من قلبه؟!
كل إجابة تُولد أسئلة جديدة.
كل تجاهل...
كانت الصاعقة تُمزّق السماء، والضوء الخاطف لا يترك إلا ظلالًا مرتجفة.
المطر ينزل كأن السحاب ينزف، والبرد يقرص العظام.
فتح عينيه على صوت الزجاج المحطم وأنفاسه المتقطعة.
السيارة كانت مقلوبة جزئيًا، جسده مبلل بالدم والطين، لكنه لم يشعر بشيء سوى:
ـ نــــور؟!
التفت بفزع. المقعد المجاور فارغ.
باب...
لم تعرف سعدية طعمًا للسعادة، لا في بيتها ولا خارجه. منذ رحيل والدها، الحاج عمر، انكسرت المرآة التي كانت ترى بها الحياة. صار عليها أن تنسى دفاتر المدرسة، وتفتح دفترًا آخر، كتبه القدر بالحبر الأسود. كانت الكبرى، والمُعيلة، والظلّ الذي احتمى به ثلاثة إخوة صغار، وأمّ عاجزة عن السعي، لا تمسك من...
استيقظتُ ذلك الصباح كأنني أعود من غيبوبةٍ طويلة، لا تشبه النوم في شيء.
كان البرد يسري في عروقي كسُمٍّ قديمٍ تأخر مفعوله،
رأيتُ أبي في المنام.
كان واقفًا وسط عتمةٍ لم أرَ مثلها، وقد علا وجهه حزنٌ كثيف، يطلّ بعينيه في صمتٍ لم أعرف له قرارًا.
ثم مدّ يده وربّت على قلبي، لمسة خفيفة، كأنها تمسّ الروح...