في مملكة الحروف، حيث تُعبد الكلمة وتُصلب الفكرة، انقسم الناس إلى قبيلتين:
قبيلة البلاغيين: لا يشغلهم إلا النحو، والإعراب. يعبدون الحرف، ويشنقون من يُخطئ في نصب المفعول به.
وقبيلة التراثيين: ينامون على ركام الكتب القديمة، يتبعون كل ما هو ماضٍ، لا لشيء، إلا لأنه قديم.
وعلى هامش المملكة، حيث...
كان النهار باهتًا...
يمرّ الناس، كأنهم أطياف تعبر الحكايات،
ويجلس هو، كمن يُصلح صدعًا في الوقت بكلمة.
نديم، رجل لا يرفع صوته،
لكن إذا كتب، اهتز شيء لا يُرى.
كأن بين الحبر والروح ممرًا سرّيًا،
لا يعبره إلا من تدرّب على الخسارة.
في البيت، لم يكن الغياب خارج الباب،
بل في العيون، في الأصوات،
في...
في هذا العمر الخريفي، كان جدّي عزب لا يزال يغير على جدّتي ملك، غيرة هادئة، متجهمة، تظهر في نظراته كلما رآها تتحدث مع عم فهمي الجنايني، أو تطلب منه ما لا تستطيع إنجازه من شؤون الفيلا.
كان دائم التذمّر منه:
— بارد... ومالوش لازمة... ويتدخل فيما لا يعنيه.
لكن الحقيقة أن الفيلا واسعة، قديمة الطراز،...
في ليالي الوحدة، حين يختفي الضجيج، يهمس هو لنفسه:
هل أنا المؤلف؟
أم مجرد صدى لصوتٍ آخر لا أعرفه؟
وفي المرآة التي لا تعكس صورته، بل تكسرها آلاف الشظايا، يرى تكسّر ذاته، ويُدرك أن وجوده ليس ثابتًا، بل هو مجموعة من الأصوات والقصص والأشباح التي تتشابك في فضاءٍ لا نهائيٍّ من المعاني.
ربما لم يكن سوى...
عند حافة الغابة السوداء...
في قريةٍ منسية، وُلد "يائيل"، طفلٌ بعينين تلمعان بأسئلةٍ لا تنتهي!
لا يعرف من الدنيا سوى بيتٍ عتيقٍ تسكنه أمّه، "سيرما"،
وهي امرأةٌ لا تُرى في الضوء إلا ظلًا.
"امرأةٌ لا تُغذّي الحكايات إلا بالكذبِ والخداع؛ صنعت لنفسها مجدًا من الزيفِ والأوهام، ونسبت لنفسها تاريخًا لا...
– "أنا أخافه..."
– "تخافين من ابنك، يا نجلاء؟"
قالت بصوت متحشرج: "كلّما كبر، أشعر أنه... سيكسرني، يخونني، يتركني... مثل كلّ الرجال الذين عرفتهم."
منذ أن بلغ سليم الخامسة، لم تعرف نجلاء طمأنينة النوم. كانت تصحو على نظرته الساكنة، في عينيه ظلّ أبيه، تحدّقان فيها كأنهما تفضحان سرًّا دفينًا.
ذات...
كان الجو خريفيًا، ملبّدًا بغيوم داكنة.
وقفتُ على الرصيف أراقب المارة بذهولٍ شارد، وكأنني أبحث عن وجهٍ منسيّ في الوجوه.
لم أكن أنتظر شيئًا بعينه، لكن الحافلة توقفت فجأة أمامي، كما لو كانت تعرفني.
صعدتُها بخفةٍ لم أعهدها في نفسي. كانت المقاعد نصف ممتلئة، وجوّ الحافلة مشبعًا برائحةٍ دافئة، تشبه...
الجو عاصف، ماطر، والبرق يمزّق السماء كخنجر مجنون.
في الداخل، في الغرفة التي لا نوافذ لها، ولا أبواب، ولا اتجاهات، ولا زمن، وقف الأربعة صفًا أمام "هو".
لم يكن يعرف من أين جاؤوا، لكنه يعرفهم.
يعرفهم كأنه عاش معهم منذ الخلق، أو كأنهم خرجوا من جوفه يوم ارتكب تلك الخطيئة.
عيناه متّسعتان، قلبه يدقّ...
كان هو في المنتصف تمامًا،
يجلس القرفصاء، بين ظلال أربعة، تتقاطع في عينيه.
تكلم الأول، بنبرة هادئة
ما الذي جاء بك إلى هنا؟
صمت، كأن السؤال أغلق أبواب الذاكرة.
قال الثاني، بنبرة تهكمية:
نسي. هو دومًا ينسى.
قال الثالث، وهو يضحك بصوت خافت كصفير ثعبان:
هو لا ينسى... هو يهرب.
رد الأول:
دعوه يتكلم...
كان يحتضر.
تجمّعوا حوله في صمتٍ مضمّخ بالخوف.
الزوجة، الأولاد، الأحفاد... وجوه مألوفة،
لكن عينيه لم تلتقط أحدًا، كأنما كان ينتظر شيئًا آخر.
في اليوم الثالث للمرض، ظهرت.
مشَتْ على أطراف الغيب، لا يُسمع خطوها، ولا تُرى إلا لمن اقترب أجله.
القطة الرمادية.
خرجت من الجرن كمن يعود من منفىٍ بعيد خلف...
حين فتح عينيه، وجد الأرض باردة تحت جسده،
في مكان غريب...
في وسط دائرة من المرايا، كان
لا يدري كيف جاء، ولا متى.
لا يتذكر بابًا دخل منه، ولا يدًا قادته إلى هناك.
المرايا تحيط به من كل الجهات.
... انبثق الضوء فجأة، يغمره بهالة دائرية.
كأن المكان ينبض من حوله.
جلس القرفصاء.
تحطّمت أول مرآة.
خرج...
في بيتٍ مغلق، يسكن رجلٌ لا يعرفه أحد.
حين يُسأل عن اسمه، يبتسم كأنما نسي، ثم يقول: اسألوا الورق.
كتب عن الليل الأبيض، حيث لا ينام أحد،
عن دكانٍ يتكئ على حكمة ميت،
عن شيخٍ في الجبل يُداوي الحروف لا الأجساد،
وكان يُقال: من يُشفى هناك، لا يعود كما كان، فالحروف تترك ندبة على القلب.
عن قلبٍ ورث...
كان هناك....
أبيض كأنه مقطوع من جلد القمر،
عينه في عينيّ.
لم يصرخ، لم يرفرف، فقط كان..
وكنتُ أنا المرتجف بين حلم ويقظة.
لم أفهم، لم أهرب!!
شيء داخلي انكمش، وكأنه لم يكن طائرًا بل علامة.
في عتمة الليل، حيث يهمس السكون بأسراره،
كان وجهه كقلبٍ ناصع البياض، محاطٍ بحلقة سوداء كعين الهاوية،
عظيم...
منذ اللحظة الأولى، وجد عمر نفسه مشدودًا إلى سلمى.
كانت تجلس أمامه في الكافيه الصغير، تنصت إليه بعينين واسعتين، تبتسم في الوقت المناسب، وتُخفض نظرها حين يمتدح ذوقها.
بدت جميلة مثالية، كحلم لا يتكرر.
لكن بعد الزواج، بدأت تتغير شيئًا فشيئًا.
ارتفع صوتها، كثرت أوامرها، وصارت تنتقده في التفاصيل: كيف...
في مدينة لا تنام، أمضي وظلي مُعلّقٌ في مرآة واجهةٍ زجاجية، وعندما التفت لأرى ظلي ، لم يكن هناك...!!
. بحثت عنه في زوايا الإسفلت، في أعين المارة، وفي محطات المترو...
لكنني لم أجد غير ظلال الآخرين!!
شعرت أن شيئًا يتصدّع.
وضعت يدي تحت ذقني.
تأملت وجهي في شاشة سوداء تنعكس فيها عيناي
سألني : من...