شريف محيي الدين إبراهيم - المرآة الأخيرة

حين فتح عينيه، وجد الأرض باردة تحت جسده،
في مكان غريب...
في وسط دائرة من المرايا، كان
لا يدري كيف جاء، ولا متى.
لا يتذكر بابًا دخل منه، ولا يدًا قادته إلى هناك.
المرايا تحيط به من كل الجهات.
... انبثق الضوء فجأة، يغمره بهالة دائرية.
كأن المكان ينبض من حوله.
جلس القرفصاء.
تحطّمت أول مرآة.
خرج منها شيخ مهيب، تتدلّى ذقنه البيضاء حتى الأرض، ووجهه محفور بالتجاعيد، صلعته تحفها خصلات شائبة.
خفت الضوء من حول الفتى، وتجمّع كله على الشيخ.

قال الشيخ بصوت كأنّه يأتي من أعماق سحيقة:
ــ هل تتذكرني؟
رفع الفتى رأسه ببطء، وهمس:
ــ لا أدري.
ــ لا تدري ماذا؟
ــ لا أدري إن كنت أتذكرك... أم لا.
ــ ألا تتذكرني في هذا الواقع؟
ــ ما الواقع؟
ــ اللحظة. الزمن. الآن.
انفجرت مرآة ثانية.
خرجت فتاة جميلة، وانسحب الضوء من الشيخ إليها.
اقتربت في هدوء، فنظر الفتى وسأل:
ــ من أنتِ؟
همست: لا شيء.
ــ ماذا تعنين؟
صرخت: أعني أنني لا أُعني شيئًا!
تشظّت مرآة ثالثة.
خرج رجل وسيم، جامد الملامح، قوي الحضور.
انكمش الضوء من الفتاة وتجمّع عليه.
قال بصوت حاسم:
ــ لا تسألني من أكون.
ــ إذًا، ماذا تريد؟
ــ لم أعد أريد شيئًا.
رمق الفتاة طويلًا، ثم قال:
ــ غريب أمركما... ظللتما متحدين سنينًا، والآن تتباعدان كالغرباء.
ــ تقصدني وهذه الفتاة؟
ــ نعم.
عاد الضوء إلى الشيخ، قال ببطء:
ــ نعم... لقد شهدت على تحالفكما... ضدي.
تكسّرت مرآة رابعة.
خرج منها طفل صغير، يرتدي جلبابًا واسعًا تناثرت عليه حروف عربية كأنها تنبض.
يشبه جلبابه القديم، حين كان الحرف يعني له كنزًا، والقراءة طقسًا سريًا بينه وبين أمه.
صاح الفتى:
ــ وأنت؟ من تكون؟
قال الطفل وهو يبتسم:
ــ أنا من أعماقك... حلقة الوصل بينك وبينهم جميعًا.
قال الشيخ:
ــ إن ارتبط هذا الطفل بالفتاة، ارتبطتَ بها... وإن تواصل معنا، صرنا جزءًا منك. بدونه، لا وجود لنا فيك.
ــ وما علاقته بي؟
تقدّم الوسيم بحدة:
ــ كفى! لا تتظاهر بالنسيان. هذا الادعاء لم يعد ينطلي علينا.
ــ ماذا تريدون مني؟
قال الشيخ:
ــ محاكمتك.
ــ على ماذا؟
قالت الفتاة:
ــ على وجودك في حياتنا.
قال الشيخ:
ــ على ترددك، ونسيانك، وتمثيلك للضعف.
قال الوسيم:
ــ على تنازلاتك المتكررة بلا حق.
قال الطفل:
ــ على ظلمك لنفسك.

ساد الصمت. لم تُكسر بعدها مرآة.
ظلّ الفتى واقفًا، في المنتصف، محاطًا بالضوء الأحمر، وحده... دون مرآة أخيرة.
قال بصوت مبحوح:
ــ إن كنتم جميعًا فيّ... فمن يُحاكم مَن؟

تقدّم الشيخ، نظر إليه نظرة حزينة، وقال:
ــ نحاكم ظلالك فينا، حين أنكرتنا... حين بعثرتَ المرايا وهربتَ إلى النسيان.

قال الفتى:
ــ وما الحكم إذن؟
رفعت الفتاة يدها، وقالت:
ــ الحُكم... أن تعيش كل ما هربت منه.
قال الوسيم:
ــ أن تُجبر على تذكُّر كل لحظة أنسيتها... كل خيبة، كل خسارة.
قال الطفل:
ــ أن تنظر في المرآة الأخيرة.

تقدّم الشيخ أكثر، وهمس قرب أذنه:
"إن نسيتَني، نسيتَ الطريق... تذكّر دومًا من أين بدأت."
ثم تلاشى في الظلّ.

اقتربت الفتاة، لمست كتفه، وهمست:
"لا تركض خلف الحب إن لم تحتمل فقده... أحبب، لكن لا تختفِ في من تحب."
ثم ابتلعتها العتمة.

قال الوسيم وهو يدير ظهره:
"لا قوة في الإنكار، بل في الاعتراف بما يُضعفك... واجه ضعفك، ولا تتجمله."
وغاب كضوء ينطفئ فجأة.

ركض الطفل نحوه، وابتسم ببراءة، وقال:
"اقرأ كما كنت تفعل صغيرًا... ففي الحرف نجاتك، وفي الذاكرة بيتك."
ثم اختفى بين الشظايا المضيئة.

ارتجّ المكان... وارتفعت مرآة خامسة، ضخمة، أعظم من كل ما سبق. تُغطّي السماء.
خطا الفتى نحوها بخوف.
رأى وجهه فيها... لكنه لم يرَ نفسه.
رأى الشيخ، ثم الفتاة، ثم الوسيم، ثم الطفل...
ثم رأى آخرًا لم يعرفه، رجلًا مُنهكًا، يتنفّس بثقل، بعينين خائفتين.

قال الفتى:
ــ من هذا؟
قالت المرايا جميعًا بصوت واحد:
ــ هذا أنت... كما صرنا.

مدّ الفتى يده ليلمس صورته.
في اللحظة ذاتها، تشقّقت المرآة الأخيرة... تفجّرت إلى آلاف الشظايا،
لكنها لم تسقط.
علقت كل شظيّة في الهواء، تُظهر وجهًا من وجوهه...
وجهًا نسيه، أو أنكره، أو خافه.

جلس القرفصاء من جديد، في المنتصف، والضوء الأحمر ينسحب بهدوء.
لم يعد أحد حوله... لا شيخ، لا فتاة، لا وسيم، لا طفل.
بقي وحده، مُحاطًا بشظايا نفسه.
خُيّل إليه أنه يسمع صدى خطوات في الخارج، كأن الحياة تمضي على رصيف بعيد لا يعرف إليه طريقًا.
ولم يعد يرى طريقًا للخروج... سوى أن يلمّ نفسه، وجهًا وجهًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى