شريف محيي الدين إبراهيم - ظل رابع...

كان هو في المنتصف تمامًا،
يجلس القرفصاء، بين ظلال أربعة، تتقاطع في عينيه.
تكلم الأول، بنبرة هادئة
ما الذي جاء بك إلى هنا؟
صمت، كأن السؤال أغلق أبواب الذاكرة.
قال الثاني، بنبرة تهكمية:
نسي. هو دومًا ينسى.
قال الثالث، وهو يضحك بصوت خافت كصفير ثعبان:
هو لا ينسى... هو يهرب.
رد الأول:
دعوه يتكلم.

قال:
كنت صغيرًا، لا أذكر من طفولتي سوى يد أمي وهي تمسح رأسي حين أمرض، ووجه أبي غائب دائمًا.
قال الثاني:
كاذب. أنت رأيت أباك!
قال الأول:
ربما في صورة. لكنه لم يعرفه.
قال الثالث، بنبرة مريبة:
وإن لم يعرفه، فقد ورثه.
قال هو بمرارة:
ورثت اسمه فقط... وذنوبه.

قال الأول:
تحدث عن أمك.
ابتسم بخجل، وقال:
كانت فقيرة.
قال الثاني:
ثم ماتت.
رد الأول:
بل قُتلت.
ساد الصمت برهة.
قال الثالث ساخرًا:
قتلها الحزن. قتلها الفقر. قتلها هو!
قال الرابع :
كفى. هو لم يقتلها.
رد الثالث:
لكنه لم ينقذها.
قال:
كنت طفلًا!
رد الأول، بهدوء يخبئ ألمًا قديمًا:
لكنك كبرت... وفعلت الكثير.
قال الثاني:
أكثر مما ينبغي.
ضحك الثالث، وهو يدور حوله:
أحب النساء... كره زوجته... أنكر ابنه... سرق أصدقاءه... خان أخاه.
قال الأول:
هذا كثير.
قال هو، كأن أحدهم ضغط على قلبه:
لم أكن أنوي شيئًا.
قال الرابع:
لكنك فعلت.
رد هو، مستنجدًا بظل قد ينقذه:
الثالث هو من وسوس لي.
قال الثالث ساخرًا:
وسوست؟ بل أنا من أنقذك! لولاي، لبقيت في فقر أمك.
رد الأول:
لكنه أضاع روحه.
قال الرابع:
من يبيع روحه، لا يملكها.

ظهر الرابع، هادئًا، وكأن صوته ينبعث من أعماق الأرض:
لقد وسوست له بما يكفي، أيها الثالث. ابتعد عنه، دعه يتنفس.
تنهد، وقال وهو ينكس رأسه، كأنه يعترف لنفسه:
الحقيقة... أنني كنت أكره زوجتي.
نظر إليه الأول بدهشة :
كيف؟ وقد تزوجتما بعد قصة حب طويلة؟
تدخل الرابع، صوته يموج بالحكمة:
الحب شيء جميل، لكنه قد يتآكل من الداخل.
أضاف الأول:
انتظرته لسنوات، رفضها الجميع، تمسكت به... أليس هذا حبًا حقيقيًا؟
قال الثالث بفتور:
ما لي وهذا الكلام؟
تمتم هو بأسى:
كانت تحبني... بل لا تزال.
قال الأول بلين حزين:
نعم، لا تزال.
تظاهر الثاني بالنوم، وكأنه لا يريد أن يسمع، لا يريد أن يتورط.
استمر الأول في الحكاية، كأنه يقرأ من كتاب قديم:
أحبته، فتمردت على والدها، وتزوجته رغمًا عن الجميع. لكنه غيّر جلده. حبه ذبل، عيناه زاغتا، حتى التقاها... فتاة تصغره بعشرين عامًا. أغرته، وحين حاولتُ التدخل، كان الثالث أسرع، خدرني، وزوجه بها.
احتج الثالث، مدافعًا عن نفسه:
أنا لم أخدر أحدًا! والزواج ليس عيبًا.
سأله الرابع:
وماذا فعلت الزوجة الأولى؟
أجاب هو، كأن الندم يخرج من رئتيه:
غضبت... تركت البيت، وطلبت الطلاق.
هز الأول رأسه بأسى:
وهل طلقتها بهذه البساطة؟
قال الثالث :
الطلاق أيضًا ليس عيبًا.
لكن الأول تابع، كأنه لا يعترف بالمنطق البارد:
ثم، بعد سنوات، اكتشف أن الزوجة الجديدة تخونه.
سأله الرابع:
وماذا فعل؟
أجاب الأول:
قتلها.
ساد صمت ثقيل، ثم قال الأول:
خرج من السجن، فوجد أبناءه من حوله. زوجته الأولى كانت هناك أيضًا... أما هو، فقد عاد للخمر والقمار، كأن شيئًا لم يكن.
اقترب الثالث منه، يهمس في أذنه:
اقتل الأول... تحرر.
رد الرابع بصرامة:
لقد أساء للجميع... أمه، زوجته، أبناؤه.
أضاف الأول:
حتى والده، الذي لم يره قط، لوّث اسمه.
رد هو بانكسار:
أنا لم أعرف أبي.
قال الأول:
لكنك خيّبت أمله.
قال بصوت منكسر:
الظروف... هي من صنعتني.
رد الرابع بحزم:
الظروف لا تصنع الإنسان.
صرخ هو:
بل تصنعه!
قال الأول:
الإنسان هو من يصنع الظروف.
وقف في المنتصف، كأنه غارق في بئر بلا قرار.
نظر إلى الثالث، الذي لم يتوقف عن الوسوسة.
يلوّح بسكين صغيرة،
ناولها له وقال:
خذ هذه... اقتلهما. حرر نفسك.
نظر إلى السكين، تردد، همس:
لا أريد القتل.
قال الثالث:
ألم تقتل من قبل؟
رد:
كانت خائنة...
قهقه الثالث، وقال:
من قال لك إنها كانت خائنة؟ هذا ما خدعت به الجميع... على كل حال، إذا لم تستجب لي فلتستعد... سترى العقاب.
قال هو:
عقابي... وعقابك أيضًا.
رد الثالث بازدراء:
اهتم بنفسك.
صرخ هو:
ابتعد عني!
اقترب الأول:
ألا زلت تحدثه؟
قال الرابع:
ما هو هدفك؟
رد بتردد:
سؤال صعب...
قال الأول ساخرًا:
النساء، الخمر، القمار... هذه أهدافك؟
قال هو:
كنت فقط أريد أن أعيش.
ابتسم الرابع، بسخرية موجعة:
أهنئك على صراحتك.
قال الثالث ساخطًا:
وما فائدة الصراحة الآن؟
قال الأول:
إن كانت حياته من صنع الثالث، فله فيه فضل...
ضحك الثالث بجنون:
أخيرًا! لي فضل!
قال الأول:
ومن قال إن ما فعلته صواب؟
ابتعد "هو" مع الثالث، بينما الأول والرابع تحادثا في زاوية مظلمة.
همس الرابع:
أعتقد أن (هو) بريء... الثالث هو من أغواه.
قال الأول:
لكنه وقع... إذًا هو مذنب.
عاد "هو" و"الثالث".
ناول الثالث السكين من جديد، قال بإلحاح:
اقتلهم...
مدّ يده ببطء.
السكين باردة في كفه.
هوى بها على الأول...
لكنه لم يصب إلا الفراغ.
كأنهم دخان.
اهتزّ الضوء، وارتجّت الأرض، وسمع صريرًا كأنه باب صدئ يُفتح في صدره.
ولما رفع رأسه، رأى أمه.
تمشي نحوه ببطء، تحمل وجهها القديم الذي نسيه، وعينين كأنهما بحر لا قرار له.
جاء بعدها أبوه، بصمت ثقيل.
ثم ظهرت زوجته الأولى، ترتدي فستانًا بسيطًا كان يحبّه.
وبجوارها الزوجة الثانية، نصف وجهها مضاء، ونصفه في ظلال.
ثم تدفقت وجوه الأبناء، في أعمار مختلفة، كأنهم شريط حياة يُعرض بالعكس.
لم يبق إلا صدى خافت، ينبض داخل صدره.
رأى نفسه صغيرًا، يركض في فناء قديم، يسمع ضحكة أمه، صراخ أبيه، أغنية بعيدة من مذياع قديم.
رأى نفسه شابًا.
رأى البيوت التي لم يدخلها، والمصافحات التي أفلتها.
رأى الطرق التي سلكها، والأخرى التي خاف منها.
كل شيء اجتمع.
وجوهه القديمة.
خطاياه.
شعر ببرودة في أصابعه.
السكين سقطت دون أن يشعر.
رفع عينيه.
الثالث كان يبتعد، يتلاشى، يذوب كأنه لم يكن.
أما الرابع، فكان واقفًا بثبات، يمدّ له يدًا حقيقية، مختلفة عن كل الظلال.
همس لنفسه، كمن ينطق بالحقيقة لأول مرة:
الآن فقط... أريد أن أبدأ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى