في بيتٍ مغلق، يسكن رجلٌ لا يعرفه أحد.
حين يُسأل عن اسمه، يبتسم كأنما نسي، ثم يقول: اسألوا الورق.
كتب عن الليل الأبيض، حيث لا ينام أحد،
عن دكانٍ يتكئ على حكمة ميت،
عن شيخٍ في الجبل يُداوي الحروف لا الأجساد،
وكان يُقال: من يُشفى هناك، لا يعود كما كان، فالحروف تترك ندبة على القلب.
عن قلبٍ ورث عذابًا بلا سبب،
وعن ابنٍ بكى أباه، دون أن يعرف لماذا.
في ليلةٍ صامتة، سمع طرقًا خافتًا على الباب.
فتح بحذر، فإذا برجلٍ بمعطفٍ أسود وقبعةٍ بيضاء، في عينيه بريقٌ حاد.
قال دون أن يعرّف نفسه:
جئتُ أقرأ ما كتبت....
هذه... كتبتها وأنت تبكي من الداخل.
ثم التقط نصًا آخر وابتسم:
هنا بدأتَ الصعود... لكنك كنت خائفًا.
قرأ ثالثًا همسًا، ثم قال:
في هذا... قهرتَ موتك.
سأله:
من أنت؟
لم يجب، لكنه قال:
أنت لا تكتب، بل تسأل، ترسم علامة استفهام كبرى...
ولا تبحث عن إجابة، ولا تنتظر من يحلّ اللغز.
على المكتب، مخطوط قديم، لم يكتبه، ولم يره من قبل، لكنه يعرفه.
الصفحات تحمله، لا هو من يحملها.
الكلمات صوته، بدقة وجرأة، وكأن عقلًا خفيًا كتبه عبره... ثم نسي أن يوقّع.
قرأ السطر الأول، فاهتزت الغرفة.
الثاني... اختفى الحائط.
الثالث... سمع بكاء طفلٍ يشبهه في السادسة.
أمسك القلم ليمحو اسمه، فسمع صوت صاحب المعطف الأسود:
لقد دخلتَ النص... ولن تخرج.
ضحك ضحكة مرتابة، وجلس صاحب المعطف.
فتح المخطوط وقرأ.
مع كل فقرة، كان جلده يتمزق ويخرج منه النص.
قال صاحب المعطف:
أنت لست المؤلف... أنت النص نفسه. أنت كتابة... تحلم بأنها كاتب.
أراد محو المخطوط... لكن الكلمات تشبثت كالأظافر.
قال صاحب المعطف، وهو ينهض:
حين تدرك أنك لست من كتب... بل من كُتب، ستولد للمرة الأولى.
وأن يديك مجرد نايٍ تعزف عليه ذاكرة لم تولد بعد، فحينها... تبدأ الحقيقة.
ترك المخطوط مفتوحًا على صفحة بيضاء، وسطها جملة:
والآن... من يكتب من؟
جلس أمام الورقة البيضاء، يشعر بثقل كلمات لم تُكتب.
قال صاحب المعطف:
هذه الكلمات لا تُكتب إلا بقلب محترق، وبروح لا تعرف السكون.
كيف أكتب وقد خذلتني الكلمات؟
الكلمات ليست لك. هي إرثٌ ونار... تولد من الرماد.
الورقة كانت مرآة عميقة، تعكس وجهه المهلهل،
جدار من الأزمان تتماهى فيه الأرواح.
الرجل الغامض، عباءة الليل على كتفيه، وجهه كأنما من نسل الجنيات،
عيناه تلمعان.
في يده خنجر عنترة،
وضعه على الطاولة وقال:
يحمل هذا أسرار الحروف ودماء الكلمات، صراع الإنسان والجن.
ثم أخرج حجرًا أسود لامعًا، من معبد عين الغولة،
حيث تلتقي الأرواح العالقة:
هذا الحجر يحرس الكلمات التي لا تُقال، مرآة للأحلام المسروقة.
الذي يقترب، إما أن يُبدع... أو يُفنى.
اقترب وقال:
الكاتب الحق... عنقاء الليل.
يحترق، ليولد كلماتٍ تحترق في قلب قارئها، فتولد أرواحًا جديدة.
ارتفعت ألسنة لهب رمادية،
نار العرّافات، التي لا تحرق الجسد، بل تحرّر الأرواح.
العنقاء رفرفت بجناحيها المشتعلين.
الحكاية جسرٌ بين العوالم، بين الموت والولادة، بين الحقيقة والأسطورة.
أمسك القلم، وكتب:
أنا الحكاية والراوي، النار والرماد، الظل والضوء.
بيدي خنجر عنترة، وبقلبي نار العنقاء،
لن أكون صفحة منسية،
بل نارًا تشتعل في ظلمة الغياب،
أنا الحكاية التي لا يمحوها الزمن.
حين يُسأل عن اسمه، يبتسم كأنما نسي، ثم يقول: اسألوا الورق.
كتب عن الليل الأبيض، حيث لا ينام أحد،
عن دكانٍ يتكئ على حكمة ميت،
عن شيخٍ في الجبل يُداوي الحروف لا الأجساد،
وكان يُقال: من يُشفى هناك، لا يعود كما كان، فالحروف تترك ندبة على القلب.
عن قلبٍ ورث عذابًا بلا سبب،
وعن ابنٍ بكى أباه، دون أن يعرف لماذا.
في ليلةٍ صامتة، سمع طرقًا خافتًا على الباب.
فتح بحذر، فإذا برجلٍ بمعطفٍ أسود وقبعةٍ بيضاء، في عينيه بريقٌ حاد.
قال دون أن يعرّف نفسه:
جئتُ أقرأ ما كتبت....
هذه... كتبتها وأنت تبكي من الداخل.
ثم التقط نصًا آخر وابتسم:
هنا بدأتَ الصعود... لكنك كنت خائفًا.
قرأ ثالثًا همسًا، ثم قال:
في هذا... قهرتَ موتك.
سأله:
من أنت؟
لم يجب، لكنه قال:
أنت لا تكتب، بل تسأل، ترسم علامة استفهام كبرى...
ولا تبحث عن إجابة، ولا تنتظر من يحلّ اللغز.
على المكتب، مخطوط قديم، لم يكتبه، ولم يره من قبل، لكنه يعرفه.
الصفحات تحمله، لا هو من يحملها.
الكلمات صوته، بدقة وجرأة، وكأن عقلًا خفيًا كتبه عبره... ثم نسي أن يوقّع.
قرأ السطر الأول، فاهتزت الغرفة.
الثاني... اختفى الحائط.
الثالث... سمع بكاء طفلٍ يشبهه في السادسة.
أمسك القلم ليمحو اسمه، فسمع صوت صاحب المعطف الأسود:
لقد دخلتَ النص... ولن تخرج.
ضحك ضحكة مرتابة، وجلس صاحب المعطف.
فتح المخطوط وقرأ.
مع كل فقرة، كان جلده يتمزق ويخرج منه النص.
قال صاحب المعطف:
أنت لست المؤلف... أنت النص نفسه. أنت كتابة... تحلم بأنها كاتب.
أراد محو المخطوط... لكن الكلمات تشبثت كالأظافر.
قال صاحب المعطف، وهو ينهض:
حين تدرك أنك لست من كتب... بل من كُتب، ستولد للمرة الأولى.
وأن يديك مجرد نايٍ تعزف عليه ذاكرة لم تولد بعد، فحينها... تبدأ الحقيقة.
ترك المخطوط مفتوحًا على صفحة بيضاء، وسطها جملة:
والآن... من يكتب من؟
جلس أمام الورقة البيضاء، يشعر بثقل كلمات لم تُكتب.
قال صاحب المعطف:
هذه الكلمات لا تُكتب إلا بقلب محترق، وبروح لا تعرف السكون.
كيف أكتب وقد خذلتني الكلمات؟
الكلمات ليست لك. هي إرثٌ ونار... تولد من الرماد.
الورقة كانت مرآة عميقة، تعكس وجهه المهلهل،
جدار من الأزمان تتماهى فيه الأرواح.
الرجل الغامض، عباءة الليل على كتفيه، وجهه كأنما من نسل الجنيات،
عيناه تلمعان.
في يده خنجر عنترة،
وضعه على الطاولة وقال:
يحمل هذا أسرار الحروف ودماء الكلمات، صراع الإنسان والجن.
ثم أخرج حجرًا أسود لامعًا، من معبد عين الغولة،
حيث تلتقي الأرواح العالقة:
هذا الحجر يحرس الكلمات التي لا تُقال، مرآة للأحلام المسروقة.
الذي يقترب، إما أن يُبدع... أو يُفنى.
اقترب وقال:
الكاتب الحق... عنقاء الليل.
يحترق، ليولد كلماتٍ تحترق في قلب قارئها، فتولد أرواحًا جديدة.
ارتفعت ألسنة لهب رمادية،
نار العرّافات، التي لا تحرق الجسد، بل تحرّر الأرواح.
العنقاء رفرفت بجناحيها المشتعلين.
الحكاية جسرٌ بين العوالم، بين الموت والولادة، بين الحقيقة والأسطورة.
أمسك القلم، وكتب:
أنا الحكاية والراوي، النار والرماد، الظل والضوء.
بيدي خنجر عنترة، وبقلبي نار العنقاء،
لن أكون صفحة منسية،
بل نارًا تشتعل في ظلمة الغياب،
أنا الحكاية التي لا يمحوها الزمن.