شريف محيي الدين إبراهيم - الحافلة...

كان الجو خريفيًا، ملبّدًا بغيوم داكنة.
وقفتُ على الرصيف أراقب المارة بذهولٍ شارد، وكأنني أبحث عن وجهٍ منسيّ في الوجوه.
لم أكن أنتظر شيئًا بعينه، لكن الحافلة توقفت فجأة أمامي، كما لو كانت تعرفني.
صعدتُها بخفةٍ لم أعهدها في نفسي. كانت المقاعد نصف ممتلئة، وجوّ الحافلة مشبعًا برائحةٍ دافئة، تشبه الخشب العتيق حين يختلط بالمطر.

جلستُ قرب النافذة،
جلس بجانبي رجل لم يبدُ غريبًا ، لكنه لم يكن مألوفًا أيضًا.
كان وجهه ساكنًا كقناع، لكن عينيه تتحركان في توتر.
أخرجتُ كتابي، وعدت أقرأ، حتى باغتني صوته:

– لماذا؟

رفعتُ رأسي في دهشة، وضعت الكتاب من يدي، نظرت إليه.
استدار بكليته نحوي،
توجستُ خيفة، وأحسست بدوار خفيف.
همستُ بصعوبة بالغة: لماذا... ماذا؟!

قال وهو يحدق فيّ بثبات: الموضوع ليس مجرد خيالات جذّابة.

ازدرتُ لعابي الجاف، وقلت همسًا: أي موضوع؟ عفوًا... من أنت؟

غرقنا هنيهة في لُجّة من سكونٍ عتيق، وران عليه صمتٌ مريب.
أشعر أنني رأيته من قبل... ولكن، أين؟ متى تسنّى لي ذلك؟

وتبدد صمتنا بتساؤله، هاربًا من سؤالي: لماذا أنت غير مقتنع؟
قلت: فكرة أن يتحدث إنسان عن تجربة لم يخضها مرفوضة... فكيف لإنسان حي أن يتحدث عن تجربة الموت؟!

قال: الحياة قيد... والموت قيد... وكلاهما ملاذٌ للآخر.
في تعجب: تعني أنهما وجهان لعملة واحدة؟
همس: ومن أدراك أن المؤلف يتحدث من فراغ؟
تلفّعتُ بوشاح الحيرة المقرونة بالدهشة.
هل يعني أن المؤلف خاض التجربة؟
كيف علم أنني غير مقتنع بما أقرأ؟
كيف نفذ إلى أعماقي؟
هذا الكائن الغريب... لا بد أنني قد رأيته من قبل. بالتأكيد رأيته، لكن متى وأين؟
ذلك ما يحيرني!
همس: ربما في غابر الزمن السحيق.
صحت: ماذا؟
قال: ربما وقتها كانت تلك العلوم في تقدم وازدهار كبير.
قلت بضيق: هي لا ترقى إلى مصاف العلوم.
قال: أنت متعب؟
قلت: فعلًا.
أردف: ولكنك لست ضعيفًا، أنت تملك في ذاتك قوة جبارة.
قلت: ماذا تعني؟
قال: إذا استسلم الإنسان لماضيه أفنى مستقبله.
استدرت إليه، فاستطرد:
الماضي، بكل عاداته وثقافاته وقيوده وآلامه، يفرضها على الحاضر ولا يتركه حتى يطوّق عنق المستقبل...
وصمت، ثم قال: النكران، يا عزيزي، ليس دائمًا هو الإجابة الصحيحة... ربما هي الإجابة المريحة.
قلت: تتحدث وكأنك مؤلف الكتاب نفسه.
قال في جلال: ربما كنت أكثر من هذا.
ضحكت، قلت في سخرية: أنت إذن مصدر الوحي، أو هو ذاته؟
عبس، تغيرت ملامحه، كتم غضبه،
كان المطر قد بدأ، خفيفًا، كأنه يُنصت معنا، ثم تساقط بغزارة، وضرب البرق وزمجر الرعد.
دارت بي أرضية الحافلة حتى كادت أن تميد، فهويت في مقعدي متداخلًا في بعضي.
قلت له في خوف شديد: من أنت؟
عادت الإضاءة تغمر الحافلة، والموسيقى تصدح، بينما بدا الركاب وكأنهم ينصتون إلينا...
الراكبة العجوز التي كانت تجلس خلفي مباشرة همست:
– لم يعد أحد يسأل هذا السؤال كما يجب: من أنت؟
ثم أغمضت عينيها، كأنها تقول: أعرف الجواب... لكنه ليس لي أن أقوله.
وفي المقعد المقابل، شاب يحمل دفترًا ، قلب صفحاته فجأة، كمن وجد شيئًا.
أخرج قلماً، وبدأ يرسم... لا أدري إن كان يرسمنا، أم يرسم وجوهًا لا تشبه أحدًا، لكنني رأيت على الصفحة عينًا واحدةً تتكرر.

رجل ذو قبعة بنية، جالس قرب الباب، حرك يده فجأة وقال بصوت مبحوح:
– لا أحد يعود كما كان بعد تلك الرحلة.
لم يرد عليه أحد.
حتى السائق لم يلتفت.
نظرتُ إلى المرآة الأمامية للحافلة، فرأيت وجه السائق، ساكنًا، صافيًا كمرآة ماء، بعينين ثابتتين لا ترمش.
كان ينظر نحونا من خلال المرآة، ... وكأن حديثنا ليس غريبًا عليه.
تقاطعت نظراتنا، فابتسم ابتسامة باهتة لم أدرِ إن كانت حزنًا أم سخرية أم موافقة... ثم أعاد نظره للطريق.

قال الراكب: هل تريد معرفة اسمي؟
– بالطبع، أنت لك هوية، وطن، اسم.
– كل هذا لا يهم.
قلت في استياء: الخيال إذن هو الذي يهم؟
قال بدهشة: هل حقًا لا تؤمن بالخيال؟ ألا تؤمن بأن ثمة اتصالًا خفيًّا يحدث بين الأرواح؟ بل... وبين الروح والجسد؟
قلت ساخرًا: وأين يحدث ذلك؟
– هناك... حيث ترقد الروح في عالم السمو والخيال.
ورغم هوة المسافات والفوارق بينهما حتى حد التلاشي، نجدها قريبة من عالم المادة، حيث يقبع الجسد.
– كيف يتم ذلك؟!
– راجع إلى عوامل اتصال خفية بين المادة والخيال.
فالإنسان يجمع في إطار واحد، بين الروح والمادة.
فالواقع نفسه، ليس مجرد مادة خالية من المعنى والخيال.
وهذا أمر منظور للجميع.

أحسست بألم شديد في رأسي.
شعرت بأن الهواء صار أكثر كثافة، كأنني أتنفس داخل كابوس.
تداعت كل المعاني داخلي، وبدا لي أنني عارٍ وسط ركاب الحافلة، متجرد من ملابسي، خاصة أمام صاحبي المريب.
شعرت بالموسيقى تصدح حزينة، عميقة، تغمرني بذكريات متداخلة مشوشة مريبة لماضٍ سحيق...
فجأة، يسود الصمت.
ثم رأيت الركاب وقد أداروا رؤوسهم إلينا، دفعة واحدة، كأن صوتًا غير مسموع ناداهم.
كل منهم بدا للحظةً وكأنه يعرفني من قبل
رجل مسن في آخر الصف تنحنح وقال:
– الصمت ليس نهاية، بل بداية.
فأجابه من الجانب الآخر صبيٌ لم يبلغ العاشرة:
– ولا شيء يبدأ إلا إذا اعترفنا بنهايته أولًا.
قال السائق، بصوت رخيم أجش، دون أن يلتفت: "اقتربنا."
انتفضتُ، فقد ظننته لا يسمع، لا يتكلم... بل لا وجود له إلا كظل لعربة تمضي.
قال الرجل بجانبي: نحن لا نقترب من محطة... بل من لحظة.
قلت: هل نحن... ذاهبون إلى مكان محدد؟
قال: بل إلى الداخل.
– الداخل؟
– حيث تختزن ذاكرتك القديمة، حيث لم تنتهِ الحكايات بل تبدأ.
– ومتى تنتهي الرحلة؟
– حين تُنكر وجودها.
سكن كل شيء.
نظرت من النافذة...
فرأيتني هناك، على الرصيف، أمسك الكتاب ذاته، أفتح الصفحة نفسها... وأنتظر الحافلة من جديد.
وفي مرآة السائق، رأيت ظلي جالسًا في المقعد ذاته... يقرأ.!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى