قال الشيخ مرجان بصوت عاصف ، محذرا: "
الخوف هو أول خطوات الوقوع في الفخ.
همس سيف، وهو يتقدم نحو الشيخ في اضطراب : " لقد جئت إليك لأني ضائع، لا أستطيع فهم ما يحدث ،كل شيء في حياتي أصبح غامضًا كما لو أنني أعيش في حكاية لا نهاية لها."
نظر مرجان إليه بهدوء، كما لو كان يقرأ الأفكار في عقله، ثم قال بصوتٍ عميق: الحقيقة أبعد من ذلك، ما تراه ليس كل شيء، والظلال التي ترافقك ليست سوى رسائل.
لم يكن مرجان كأي رجل آخر، فقد كان يقال إنه من نسل قديم، من سلالة عرفت كيف تتحدث مع الرياح وكيف تنسج من خيوط الليل أفقًا جديدًا.
***
كانت فريدة زوجة سيف تتحرك بخفة داخل البيت، بينما هو يراقبها من طرفي عينيه
مالبثت أن أخبرته أنها تشتهي اللحم المشوي، وهي تعلم أنه كان قد أعطى لمدرس ابنه مالك ،ما تبقى من راتبه، حتى طرق الباب وكان الزائر هو صديقه عماد الذي لم يره منذ فترة طويلة.
أتى لزيارته وهو يحمل معه لفة كبيرة من الكباب الذي اشتهته زوجته...
في اليوم التالي، جاءت وهي منفعلة وأخذت تبكي وهي تردد: "أنا لن أترك حقي يضيع، كيف سمحت لنفسها أن تحادثني بهذه الطريقة المتعجرفة؟!"
طلب منها أن تهدأ، سألها عما يغضبها، وأجابته، بأن مديرتها في العمل تحملها بما لا طاقة لها به، وعندما استعانت بأحد الموظفين من الزملاء، نهرتها بشدة، وأهانتها أمام الجميع، بعد أن صاحت بها: "أنا هنا من أحدد وأوزع العمل، عليك أنت فقط أن تنفذي.
ونسيت أنهما كانتا زميلات في نفس الكلية.
قبل أن تنهي كلامها معه رن هاتف بيتهما، وما أن رفعت سماعة التليفون حتى علمت أن مديرتها قد تم إيقافها عن العمل، وتم تعيينها هي في منصبها.
بدأ يقلق من تصرفاتها وجعل يتساءل في دهشة: كيف تحدث لزوجته مثل هذه الأمور؟
أشياء عجيبة تحدث لها بمجرد أن تطلبها أو فقط تشير إليها...
خاف أن يغضبها أو يثير حفيظتها، فيصيبه أي مكروه. قال له صديقه عماد:
"يبدو أنك تبالغ بعض الشيء، إنها مجرد مصادفات عادية".
واستنكر تفكيره وخوفه، ثم صاح به:
"إذا كان من هم مثلك يفكرون بهذه الطريقة فكيف بالناس البسطاء؟!"
ارتكن قليلاً إلى كلام صديقه.
حتى جاء ابنه مالك يوماً من مدرسته وهو يبكي. وعندما سألته فريدة عما به، أخبرها أن مدرسه قد لطمه على وجهه.
كانت أصابع يديه الخمسة مطبوعة على وجهه، فما كان منها إلا أن صاحت منفعلة:
"إن شاء الله تنكسر أصابعه".
وفي اليوم التالي علم من مالك أن مدرسه قد كسرت أصابعه الخمسة، والأغرب أنه لم يكتشف هذا إلا عندما استيقظ من النوم.
دخل سيف مسرعاً إلى حجرة النوم ليفتش في دولاب ملابسها، وكان رعبه شديداً حين وجد بعض التعاويذ والتمائم الموضوعة في زوايا الدولاب.
جن جنونه فطفق ينظر تحت السرير، وأسفل السجاجيد، وتحت مفرش السفرة، وهاله ما رأي من الأشكال والأحجبة الغريبة مع مادة بيضاء تشبه الملح في جميع أركان البيت.
اجتمع بأفراد عائلتها وطلب منهم أن يوقفوا زوجته عن ممارسة تلك الأفعال المريبة.
غضبت فريدة وجن جنونها، صاحت به:
"كيف تظن بي مثل تلك الظنون؟!"
وقال أبوها:
"هل جننت حتى تتهم ابنتي بهذه التهمة الشنيعة؟!"
صاح في حدة:
، إن ابنتك تمارس أعمال السحر والشعوذة.
لم يستطع أخو فريدة، أن يتمالك نفسه من الغضب فاشتبك مع سيف في عراك عنيف، إلا أن والدة فريدة، وقفت بينهما، وهي تصرخ في هيستيريا، ولم يكن أمام سيف إلا أن يخرج لهم ما وجده في البيت من تمائم وتماثيل.
عندئذ بهت الجميع وأصابتهم رعدة خفيفة.
أبو فريدة أخذ يتمتم بآيات من القرآن الكريم، وجعلت أم فريدة تستعيذ من الشيطان الرجيم، بينما صاح أخو فريدة في غضب:
"ما هذا ؟!
كانت فريدة مذهولة، صامتة، وكأن الطير قد ابتلع لسانها.
قال سيف قبل أن يغادر منزل حماه:
. ابنتكم عندكم
***
بعد أن أنصت الشيخ مرجان طويلا إلى سيف
، طلب لقاء فريدة ،وزوجها ونفر من أهلها، وحين ضيق عليها الخناق اعترفت بأنها فعلاً لجأت لأحد المشايخ وأنه هو من أعطاها تلك الأحجبة والتمائم.
لم يستطع سيف أن يتمالك نفسه، فألقى عليها يمين الطلاق.
انصرفت فريدة إلى بيت والدها منهارة، حزينة، بينما غضب الشيخ مرجان منه .
، أمره أن يواجه الحقيقة.
قال له :أنت في مواجهة أكبر من مجرد خلافات منزلية أو تصرفات زوجية.
،هناك قوى غير مرئية تفرض نفسها عليك
"الذي تظنه طارئًا أو غريبًا، هو حقيقة قديمة سكنت حياتك...
"، فريدة ضحية... القوي التي تتبعها ليست خارجية فقط، بل ثمة ما هو أخطر منها ،و هو القوى الداخلية!!
صمت سيف لبرهة متعجبا ،إلا أنه تساءل في حيرة :ماذا تعني بالقوي الداخلية
قال الشيخ : عليك أن تتحكم بها...
، عليك أن تختار، إما أن تواجه الحقيقة، أو أن تعيش في ظلالها،
وطالبه بأن يرد زوجته ،إلا أنه ظل عابساً غاضباً، ورفض كل محاولات الأهل والجيران للصلح
عاد سيف إلى بيته ، وما أن ذهب للنوم حتى سمع صوت طرقات خفيفة على باب حجرته.
فنهض مفزوعاً ، وما أن استجمع شتات نفسه حتى هم بالتحرك وفتح باب الحجرة، ثم تلفت يمنة ويسرى... لم يجد أحدا!!
توجه إلى حجرة المعيشة وأنفاسه تتلاحق ، وما لبث أن جلس حتى سمع صوت حركة في دورة المياه.
حين استجمع نفسه وذهب إلى مصدر الصوت ، لمح قطة سوداء ، تموء مواءً خفيفاً.
كانت جالسة على حافة النافذة المفتوحة والمطلة على المنور.
حاول الاقتراب من القطة.
أصابته رعشة خفيفة.
تراجع إلى الصالة وهو مضطرب، يلوم نفسه على حالة الهلع التي أصابته بسبب قطة صغيرة
قبل أن يجلس في مقعده التفت فوجد فريدة جالسة أمامه.
صرخ سيف في فرع :
"ما الذي أتى بك الآن، وكيف دخلت؟!"
همست فريدة في هدوء:
هل نسيت أنني أملك نسخة من المفاتيح؟!
تطلع إليها في ريبة ولم ينبس، إلا أن فريدة أردفت:
"لقد ظلمتني، ولن أسامحك طيلة عمري".
أشاح سيف بوجهه، استدار، متجهاً إلى حجرة نومه، صاحت به:
"لا تتركني وتمضي".
همس وهو مولياً إياها ظهره:
"كل ما كان بيننا قد انتهى".
فريدة في حزن:
"هل نسيت مالك ولدك؟!"
أدار سيف وجهه إليها، وهو في حالة من الغضب، إلا أنه فوجئ باختفائها!!
لم يكن ثمة أحد يجلس أمامه سوى تلك القطة السوداء، التي شاهدها منذ قليل في دورة المياه.
جعلت القطة تنظر إليه في ريبة، وهي تموء ببطء.
صاح:
"فريدة... أين ذهبت؟!"
تقدم ناحية القطة محاولاً أن يركلها بقدمه، إلا أنه سقط فجأة على أرضية الصالة.
***
حين استيقظ سيف، وجد نفسه في سريره.
هرع إلى الشيخ مرجان وأخبره بما حدث معه.
قال له مرجان :
"، لعلك الآن تشعر بالذنب تجاه طليقتك".
كان مرجان يرى ما يعجز سيف عن رؤيته ، وكان يدرك أن في كل لحظة تحول في حياة سيف ثمة إشارات لتطورات قادمة.
تطلع الشيخ إلى سيف وقال بلهجة عميقة: "إنك يا سيف تقف عند بابٍ ليس عاديًا....
: "إن الأمور التي تراها قد تكون علامات، ولكن هذا لا يعني أن كل ما تراه هو الحقيقة
. لم يكن سيف يريد أن يصدق، ولكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن هناك شيئًا مريبا يخبئه القدر
ثم أضاف مرجان وهو يرفع يديه كأنه يحاكي حركة الرياح: "لقد تعلمنا من أسلافنا أن النفوس المسكونة بالأسرار تكون مرتبطة بما لا يُرى، وأن من يفتح قلبه ويطهر نفسه، يمكنه أن يرى ما وراء الأفق."
سيف لم يستطع أن يستوعب كل ما قاله مرجان، سأله في حيرة : "لكن كيف يمكنني أن أرى الحقيقة؟
كيف أحرر نفسي من هذه الظلال التي تلاحقني؟"
ابتسم مرجان ابتسامة هادئة، وكأنه يعلم أن سيف لن يفهم الجواب، إلا بعد أن يمر بتجربة لا يمكن وصفها بالكلمات، وقال له: "الظلال ليست دائمًا أعداء، يا سيف. بعض الظلال هي رسلٌ من الماضي، تحمل لك أجوبة قد لا ترغب في سماعها... تعلّم أن تستمع.
شعر سيف بشيء غريب يلمس قلبه... كان كل شيء حوله قد تغير فجأة، وكأن العالم قد تحول إلى حلمٍ ضبابي.
قال مرجان: " زوجتك مظلومة.... أنت سر الظلال وهي ضحية،السر عندك أنت والقوة الداخلية هي قوتك أنت ، زوجتك مجرد تابعة لك ... الآن، اذهب وابحث عن الضوء داخل نفسك.
قوتك عظيمة ولكنك لا تدرك حدودها ،إذا أردت أن تكتشف ما وراء الظلال، عليك أولًا أن تواجه أعماقك وتعرفها."
مخاوفك وظنونك تتشكل كما تشاء، تهزمك إذا استسلمت لها، وتنتصر عليها إذا اعرفت حقيقتها...
إذا أدركت قوتك وعلمت السر الكائن داخلك لن يستطيع أحد أن يقف أمامك ،
أنت من تصنع الظل، وأنت من تسمح للنور بالخروج.
ترك سيف مرجان ، وقد شعر بشيء جديد في أعماقه،
كان الظلام لا يزال يحيط به، لكنه بدأ يدرك أن تلك الظلال تخفي خلفها رسائل كثيرة
، شعر أن الهواء أثقل، والسماء أوطأ، والأصوات من حوله مشوشة كأنها تخرج من بئر سحيق.
***
عاد سيف إلى بيته ، وما إن أغلق الباب خلفه حتى انطفأت الأنوار من تلقاء نفسها.
تقدم مرتجفًا نحو الصالة، وعيناه تتحسسان العتمة، حين لمح شيئًا يتحرك على الجدار.
اقترب أكثر، فرأى — بوضوح مفزع — ظله على الجدار... لكن كان هناك ظل آخر بجانبه.
ظل أنثوي طويل، رأسه مائل كأنما يراقبه في صمت.
تراجع سيف إلى الوراء مذعورًا، فتبعته الظلال، وسمع همسة تشبه صوت فريدة:
"لن تسلَم مني... يا من خنت العهد."
صرخ بأعلى صوته ،و
حين استدار فجأة، وجد فريدة واقفة أمامه،ترتدي ثيابا سوداء غريبة
امتدت يدها إليه ، وقالت:
"تعال...
تجمد سيف مكانه، حاول أن يهرب ، لكن قدميه لم تتحركا، فقط عيناه اتسعتا حين رأى خلف فريدة، عشرات الأشكال الضبابية تظهر، رجال ونساء وأطفال، وجوههم بيضاء بلا ملامح، يحدقون فيه بصمتٍ مطبقٍ خانق.
مدت فريدة يدها أكثر فاستطالت بشكل مرعب ، ، أمسكت به من معصمه.
شعر بأن العتمة نفسها تدخل جلده، تسري في عروقه كسمٍ بطيء.
في اللحظة الأخيرة، همس بصوت مبحوح :
مرجان ...
مرجان...
أنقدني يا مرجان.
الخوف هو أول خطوات الوقوع في الفخ.
همس سيف، وهو يتقدم نحو الشيخ في اضطراب : " لقد جئت إليك لأني ضائع، لا أستطيع فهم ما يحدث ،كل شيء في حياتي أصبح غامضًا كما لو أنني أعيش في حكاية لا نهاية لها."
نظر مرجان إليه بهدوء، كما لو كان يقرأ الأفكار في عقله، ثم قال بصوتٍ عميق: الحقيقة أبعد من ذلك، ما تراه ليس كل شيء، والظلال التي ترافقك ليست سوى رسائل.
لم يكن مرجان كأي رجل آخر، فقد كان يقال إنه من نسل قديم، من سلالة عرفت كيف تتحدث مع الرياح وكيف تنسج من خيوط الليل أفقًا جديدًا.
***
كانت فريدة زوجة سيف تتحرك بخفة داخل البيت، بينما هو يراقبها من طرفي عينيه
مالبثت أن أخبرته أنها تشتهي اللحم المشوي، وهي تعلم أنه كان قد أعطى لمدرس ابنه مالك ،ما تبقى من راتبه، حتى طرق الباب وكان الزائر هو صديقه عماد الذي لم يره منذ فترة طويلة.
أتى لزيارته وهو يحمل معه لفة كبيرة من الكباب الذي اشتهته زوجته...
في اليوم التالي، جاءت وهي منفعلة وأخذت تبكي وهي تردد: "أنا لن أترك حقي يضيع، كيف سمحت لنفسها أن تحادثني بهذه الطريقة المتعجرفة؟!"
طلب منها أن تهدأ، سألها عما يغضبها، وأجابته، بأن مديرتها في العمل تحملها بما لا طاقة لها به، وعندما استعانت بأحد الموظفين من الزملاء، نهرتها بشدة، وأهانتها أمام الجميع، بعد أن صاحت بها: "أنا هنا من أحدد وأوزع العمل، عليك أنت فقط أن تنفذي.
ونسيت أنهما كانتا زميلات في نفس الكلية.
قبل أن تنهي كلامها معه رن هاتف بيتهما، وما أن رفعت سماعة التليفون حتى علمت أن مديرتها قد تم إيقافها عن العمل، وتم تعيينها هي في منصبها.
بدأ يقلق من تصرفاتها وجعل يتساءل في دهشة: كيف تحدث لزوجته مثل هذه الأمور؟
أشياء عجيبة تحدث لها بمجرد أن تطلبها أو فقط تشير إليها...
خاف أن يغضبها أو يثير حفيظتها، فيصيبه أي مكروه. قال له صديقه عماد:
"يبدو أنك تبالغ بعض الشيء، إنها مجرد مصادفات عادية".
واستنكر تفكيره وخوفه، ثم صاح به:
"إذا كان من هم مثلك يفكرون بهذه الطريقة فكيف بالناس البسطاء؟!"
ارتكن قليلاً إلى كلام صديقه.
حتى جاء ابنه مالك يوماً من مدرسته وهو يبكي. وعندما سألته فريدة عما به، أخبرها أن مدرسه قد لطمه على وجهه.
كانت أصابع يديه الخمسة مطبوعة على وجهه، فما كان منها إلا أن صاحت منفعلة:
"إن شاء الله تنكسر أصابعه".
وفي اليوم التالي علم من مالك أن مدرسه قد كسرت أصابعه الخمسة، والأغرب أنه لم يكتشف هذا إلا عندما استيقظ من النوم.
دخل سيف مسرعاً إلى حجرة النوم ليفتش في دولاب ملابسها، وكان رعبه شديداً حين وجد بعض التعاويذ والتمائم الموضوعة في زوايا الدولاب.
جن جنونه فطفق ينظر تحت السرير، وأسفل السجاجيد، وتحت مفرش السفرة، وهاله ما رأي من الأشكال والأحجبة الغريبة مع مادة بيضاء تشبه الملح في جميع أركان البيت.
اجتمع بأفراد عائلتها وطلب منهم أن يوقفوا زوجته عن ممارسة تلك الأفعال المريبة.
غضبت فريدة وجن جنونها، صاحت به:
"كيف تظن بي مثل تلك الظنون؟!"
وقال أبوها:
"هل جننت حتى تتهم ابنتي بهذه التهمة الشنيعة؟!"
صاح في حدة:
، إن ابنتك تمارس أعمال السحر والشعوذة.
لم يستطع أخو فريدة، أن يتمالك نفسه من الغضب فاشتبك مع سيف في عراك عنيف، إلا أن والدة فريدة، وقفت بينهما، وهي تصرخ في هيستيريا، ولم يكن أمام سيف إلا أن يخرج لهم ما وجده في البيت من تمائم وتماثيل.
عندئذ بهت الجميع وأصابتهم رعدة خفيفة.
أبو فريدة أخذ يتمتم بآيات من القرآن الكريم، وجعلت أم فريدة تستعيذ من الشيطان الرجيم، بينما صاح أخو فريدة في غضب:
"ما هذا ؟!
كانت فريدة مذهولة، صامتة، وكأن الطير قد ابتلع لسانها.
قال سيف قبل أن يغادر منزل حماه:
. ابنتكم عندكم
***
بعد أن أنصت الشيخ مرجان طويلا إلى سيف
، طلب لقاء فريدة ،وزوجها ونفر من أهلها، وحين ضيق عليها الخناق اعترفت بأنها فعلاً لجأت لأحد المشايخ وأنه هو من أعطاها تلك الأحجبة والتمائم.
لم يستطع سيف أن يتمالك نفسه، فألقى عليها يمين الطلاق.
انصرفت فريدة إلى بيت والدها منهارة، حزينة، بينما غضب الشيخ مرجان منه .
، أمره أن يواجه الحقيقة.
قال له :أنت في مواجهة أكبر من مجرد خلافات منزلية أو تصرفات زوجية.
،هناك قوى غير مرئية تفرض نفسها عليك
"الذي تظنه طارئًا أو غريبًا، هو حقيقة قديمة سكنت حياتك...
"، فريدة ضحية... القوي التي تتبعها ليست خارجية فقط، بل ثمة ما هو أخطر منها ،و هو القوى الداخلية!!
صمت سيف لبرهة متعجبا ،إلا أنه تساءل في حيرة :ماذا تعني بالقوي الداخلية
قال الشيخ : عليك أن تتحكم بها...
، عليك أن تختار، إما أن تواجه الحقيقة، أو أن تعيش في ظلالها،
وطالبه بأن يرد زوجته ،إلا أنه ظل عابساً غاضباً، ورفض كل محاولات الأهل والجيران للصلح
عاد سيف إلى بيته ، وما أن ذهب للنوم حتى سمع صوت طرقات خفيفة على باب حجرته.
فنهض مفزوعاً ، وما أن استجمع شتات نفسه حتى هم بالتحرك وفتح باب الحجرة، ثم تلفت يمنة ويسرى... لم يجد أحدا!!
توجه إلى حجرة المعيشة وأنفاسه تتلاحق ، وما لبث أن جلس حتى سمع صوت حركة في دورة المياه.
حين استجمع نفسه وذهب إلى مصدر الصوت ، لمح قطة سوداء ، تموء مواءً خفيفاً.
كانت جالسة على حافة النافذة المفتوحة والمطلة على المنور.
حاول الاقتراب من القطة.
أصابته رعشة خفيفة.
تراجع إلى الصالة وهو مضطرب، يلوم نفسه على حالة الهلع التي أصابته بسبب قطة صغيرة
قبل أن يجلس في مقعده التفت فوجد فريدة جالسة أمامه.
صرخ سيف في فرع :
"ما الذي أتى بك الآن، وكيف دخلت؟!"
همست فريدة في هدوء:
هل نسيت أنني أملك نسخة من المفاتيح؟!
تطلع إليها في ريبة ولم ينبس، إلا أن فريدة أردفت:
"لقد ظلمتني، ولن أسامحك طيلة عمري".
أشاح سيف بوجهه، استدار، متجهاً إلى حجرة نومه، صاحت به:
"لا تتركني وتمضي".
همس وهو مولياً إياها ظهره:
"كل ما كان بيننا قد انتهى".
فريدة في حزن:
"هل نسيت مالك ولدك؟!"
أدار سيف وجهه إليها، وهو في حالة من الغضب، إلا أنه فوجئ باختفائها!!
لم يكن ثمة أحد يجلس أمامه سوى تلك القطة السوداء، التي شاهدها منذ قليل في دورة المياه.
جعلت القطة تنظر إليه في ريبة، وهي تموء ببطء.
صاح:
"فريدة... أين ذهبت؟!"
تقدم ناحية القطة محاولاً أن يركلها بقدمه، إلا أنه سقط فجأة على أرضية الصالة.
***
حين استيقظ سيف، وجد نفسه في سريره.
هرع إلى الشيخ مرجان وأخبره بما حدث معه.
قال له مرجان :
"، لعلك الآن تشعر بالذنب تجاه طليقتك".
كان مرجان يرى ما يعجز سيف عن رؤيته ، وكان يدرك أن في كل لحظة تحول في حياة سيف ثمة إشارات لتطورات قادمة.
تطلع الشيخ إلى سيف وقال بلهجة عميقة: "إنك يا سيف تقف عند بابٍ ليس عاديًا....
: "إن الأمور التي تراها قد تكون علامات، ولكن هذا لا يعني أن كل ما تراه هو الحقيقة
. لم يكن سيف يريد أن يصدق، ولكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن هناك شيئًا مريبا يخبئه القدر
ثم أضاف مرجان وهو يرفع يديه كأنه يحاكي حركة الرياح: "لقد تعلمنا من أسلافنا أن النفوس المسكونة بالأسرار تكون مرتبطة بما لا يُرى، وأن من يفتح قلبه ويطهر نفسه، يمكنه أن يرى ما وراء الأفق."
سيف لم يستطع أن يستوعب كل ما قاله مرجان، سأله في حيرة : "لكن كيف يمكنني أن أرى الحقيقة؟
كيف أحرر نفسي من هذه الظلال التي تلاحقني؟"
ابتسم مرجان ابتسامة هادئة، وكأنه يعلم أن سيف لن يفهم الجواب، إلا بعد أن يمر بتجربة لا يمكن وصفها بالكلمات، وقال له: "الظلال ليست دائمًا أعداء، يا سيف. بعض الظلال هي رسلٌ من الماضي، تحمل لك أجوبة قد لا ترغب في سماعها... تعلّم أن تستمع.
شعر سيف بشيء غريب يلمس قلبه... كان كل شيء حوله قد تغير فجأة، وكأن العالم قد تحول إلى حلمٍ ضبابي.
قال مرجان: " زوجتك مظلومة.... أنت سر الظلال وهي ضحية،السر عندك أنت والقوة الداخلية هي قوتك أنت ، زوجتك مجرد تابعة لك ... الآن، اذهب وابحث عن الضوء داخل نفسك.
قوتك عظيمة ولكنك لا تدرك حدودها ،إذا أردت أن تكتشف ما وراء الظلال، عليك أولًا أن تواجه أعماقك وتعرفها."
مخاوفك وظنونك تتشكل كما تشاء، تهزمك إذا استسلمت لها، وتنتصر عليها إذا اعرفت حقيقتها...
إذا أدركت قوتك وعلمت السر الكائن داخلك لن يستطيع أحد أن يقف أمامك ،
أنت من تصنع الظل، وأنت من تسمح للنور بالخروج.
ترك سيف مرجان ، وقد شعر بشيء جديد في أعماقه،
كان الظلام لا يزال يحيط به، لكنه بدأ يدرك أن تلك الظلال تخفي خلفها رسائل كثيرة
، شعر أن الهواء أثقل، والسماء أوطأ، والأصوات من حوله مشوشة كأنها تخرج من بئر سحيق.
***
عاد سيف إلى بيته ، وما إن أغلق الباب خلفه حتى انطفأت الأنوار من تلقاء نفسها.
تقدم مرتجفًا نحو الصالة، وعيناه تتحسسان العتمة، حين لمح شيئًا يتحرك على الجدار.
اقترب أكثر، فرأى — بوضوح مفزع — ظله على الجدار... لكن كان هناك ظل آخر بجانبه.
ظل أنثوي طويل، رأسه مائل كأنما يراقبه في صمت.
تراجع سيف إلى الوراء مذعورًا، فتبعته الظلال، وسمع همسة تشبه صوت فريدة:
"لن تسلَم مني... يا من خنت العهد."
صرخ بأعلى صوته ،و
حين استدار فجأة، وجد فريدة واقفة أمامه،ترتدي ثيابا سوداء غريبة
امتدت يدها إليه ، وقالت:
"تعال...
تجمد سيف مكانه، حاول أن يهرب ، لكن قدميه لم تتحركا، فقط عيناه اتسعتا حين رأى خلف فريدة، عشرات الأشكال الضبابية تظهر، رجال ونساء وأطفال، وجوههم بيضاء بلا ملامح، يحدقون فيه بصمتٍ مطبقٍ خانق.
مدت فريدة يدها أكثر فاستطالت بشكل مرعب ، ، أمسكت به من معصمه.
شعر بأن العتمة نفسها تدخل جلده، تسري في عروقه كسمٍ بطيء.
في اللحظة الأخيرة، همس بصوت مبحوح :
مرجان ...
مرجان...
أنقدني يا مرجان.