حين التحق معتز بالعمل في الشركة، سرعان ما وجد نفسه محطّ عناية فائقة من الأستاذ كريم، المدير العام.
دعمٌ غير محدود، توجيه مباشر، وفتح للأبواب المغلقة أمامه، وهو شاب ما يزال في بداية الطريق.
كان كريم بك يبدو كأبٍ خفي، يغدق عليه من وقته وجهده بسخاء، حتى أثار الأمر تساؤلات الجميع.
وكان يردّد دائمًا:
– "والدك، الأستاذ عزيز... له فضل كبير عليّ."
يبتسم وهو يقولها، لكن شيئًا ما في عينيه كان يناقض ابتسامته.
وحين سأل معتز والده عن كريم، هزّ عزيز رأسه بتعب:
– "لا أتذكره."
– "بيقول إنه كان موظف تحت إدارتك."
– "ممكن. الناس كتير... والشركة كبيرة."
كان عزيز قد تجاوز السبعين، ذاكرته أرهقها حمل الأسماء والوجوه، لكنه ظل محتفظًا بوسامته وهيبته. وكانت ليلى، زوجته، تتهمه دائمًا بأنه لا يكفّ يومًا عن ملاحقة النساء.
لم تكن اتهاماتها محض وهم؛ فقد كان لعزيز تاريخ طويل من الخيانات، أبرزها تلك التي كتمتها طويلاً، لكنّها نهشت قلبها سنينًا.
***
لبنى... الفتاة الجميلة التي عملت بالشركة، ووقعت في حب زميلها كريم، قبل أن يخطفها عزيز لنفسه.
اكتشفت ليلى الخيانة، لكنها لم تفضح عزيز، بل ابتلعت الغضب واحتفظت به كجمرة نار ،في صدرها.
ولم يكن غريبًا، بعد سنوات، أن تفتح بابها ذات مساء لكريم...
كان لقاؤهما الأول باردًا... ثم ما لبث أن تكرّر.
أصبح كريم يبلغها أفعال زوجها مع لبنى، ثم تحوّل إلى عين خفية تنقل لها أسراره
وحين حملت ليلى بعد أشهر، كانت مفاجأة كبيرة!!
***
في الماضي، كان عزيز قوي البأس، نافذ الكلمة، لا يُرد له أمر.
ذات يوم، في اجتماع بالشركة، وقعت عيناه على لبنى، الموظفة الشابة بقسم الحسابات، واقفة بجوار خطيبها كريم، ذلك الموظف المتحمس، ترتدي فستانًا أزرق طويلًا وتبتسم بخجل.
منذ تلك اللحظة، صارت هدفًا.
استغل سلطته، نقلها من الحسابات، وجعلها سكرتيرته الخاصة، ثم أحكم قبضته عليها كما يحكم الصائد حباله.
أغراها بالكلام المعسول، بالمال والمكانة، حتى تورطت.
وحين حملت، تبرّأ منها، وأسكت كل الأصوات.
ماتت لبنى قهرًا... وربما غدرًا.
الجميع كان ضعيفًا أمام جبروت عزيز... إلا معتز، ابنه، كان الوحيد الذي أمامه يضعف.
***
في المساء، جلس معتز إلى جوار والده، وفي عينيه قلق وحيرة:
– "بابا... معقول انت لسه مش فاكر الأستاذ كريم؟!
الراجل ده مريب!
رغم اهتمامه الكبير بيا، أنا حاسس إن فيه حاجة غريبة...
نظراته مش مفهومة!"
نظر عزيز إليه طويلًا ولم يقل شيئًا.
الوجع في عينيه قال كل شيء... ولا شيء.
في داخله، كانت خيوط معقدة من الندم تشتبك مع صور الماضي، وتحديدًا وجه لبنى، التي تركت أثرًا عميقًا في قلبه، لكنه لم يعرف يومًا كيف يواجه نفسه بما اقترفه بحقها.
تذكّر كيف غدر بها، وكيف تسبب في انفصالها عن كريم، الذي أُجبر على الصمت.
***
رغم مرور السنوات وتغيّر الأدوار، لم ينسَ كريم ما حدث، بل ظل الجمر مستعرًا في صدره.
ترقى في السلم الوظيفي، صار يُحسب له ألف حساب، بذكاء وصبر.
راقب عزيز من بعيد، واقترب من ليلى في لحظات حرجة؛
يعرض المساعدة، ينقل لها أسرار زوجها، يمنحها الحنان الذي افتقدته.
ثم حدث ما لم يتوقّعه أحد: ليلى، التي أضناها القهر، ارتبكت مشاعرها.
وذات مساء، همست له:
– "أشعر أنك تعرفني كما لم يعرفني أحد."
كان تلاقيهما مريرًا؛ تلاقي روحين سحقهما رجل واحد.
عندما ولدت ليلى معتز
كان عزيز غارقًا آنذاك في نزواته ومجده، فرح بمجيء معتز، وخاصة وأنه قد جاء بعد طول انتظار.
أحبه عزيز حبًا جارفا، كان يري فيه امتدادا آخر ،ولكن في صورة أخرى طاهرة نظيفة.
أما كريم، فظل يراقب من بعيد، مترددًا بين شكه العميق ويقينه الموجِع، وبين رغبته في الانتقام وحبه الغريب لذلك الشاب النبيل الذي لا يعلم شيئًا.
***
تعرض عزيز لأزمة قلبية حادة، نُقل على إثرها إلى المستشفى.
قال الأطباء: "الأمر في يد الله... لم يعد بوسعنا شيء."
حين علم كريم، ذهب إليه.
جلس بجواره، وفي عينيه شماتة مغمّسة بالمرارة:
– "كنت تعرف، يا أستاذ عزيز، كم أحببتُ لبنى؟"
فتح عزيز عينيه بصعوبة، بالكاد همس:
– "لبنى؟... كانت موظفة... لا أذكرها..."
– "بل تذكر. خدعتَها وخدعتني وخدعت الجميع. كنتَ سيد اللعبة... والآن، أنت رهين الفراش."
صمت كريم، ثم أضاف:
– "أتعرف؟ لوهلة، راودتني فكرة أن معتز... ليس ابنك."
– "ما شاء الله عليه... شاب متربي، أخلاق، جمال، أدب..."
اهتزت عينا عزيز، وارتجف صوته.
نزع قناع التنفس، وكأن شيئًا انفجر في صدره.
تابع كريم بصوت خافت:
– "كنت دايمًا أقول له إنه ابن راجل محترم... لكن الحقيقة، مش دايمًا الراجل بيكون هو الأب."
حدّق عزيز فيه مذهولًا:
– "إنت بتقول إيه؟"
– "بقول اللي كان لازم تعرفه من زمان.
قال ذلك ثم ، انصرف وكأن مهمته قد انتهت،
دخلت ليلى، وجلست في مواجهته.
عيناها واجمتان كأنهما تنعيان كل شيء.
تأملها عزيز مشدوهًا، وقال بصوت مبحوح:
– "عايز أعرف... الحقيقة. معتز؟"
صمتت لحظة، ثم تمتمت بهدوء كمن يُحدّث طيفًا:
– "الحقيقة؟... كتير كنت بسأل نفسي نفس السؤال.
يمكن كنت عارفة، ويمكن... ما كنتش عايزة أعرف."
– "إنتِ... خونتيني؟"
رمقته بعينين زجاجيتين:
– "خيانة؟ يمكن.
ويمكن رد اعتبار...
يمكن كنت بدوّر على حاجة تنقذني
منك، من نفسي، من الهوان، من السنين اللي فاتت."
ذهل عزيز
اتسعت عيناه.
تساقطت الصور في رأسه كأحجار دومينو يدهسها الفراغ.
توالت في ذهنه صور الماضي:
ليلى تبكي كثيرًا، حمل مفاجئ بعد سنوات، اختفاء لبنى، معتز يكبر دون أن يحمل منه شيئًا...
الشك كاد يفتك به.
صرخ:
– "لا... لا!"
بكى لأول مرة.
أضحى لا يعرف: هل معتز ابنه حقًا؟
ولا يعرف: هل ليلى كانت ضحية أم جلادًا؟
بعد أن تمالك نفسه، دفع الخراطيم والأجهزة من حوله، وهمس بصعوبة:
– "معتز... ابن من؟ قولي الحقيقة، أرجوك، بالله عليكِ!"
قالت ليلى في هدوء حاسم:
– "معتز هو ابن ندمك."
ثم نهضت، وخرجت من الغرفة دون أن تلتفت.
ناداها كثيرًا... ولم ترد.
تجمّد الزمن في نظراته، انكمشت الوجوه، وذابت الأصوات.
كانت الحقيقة قاب قوسين... لكنها أفلتت.
بقي وحده، على السرير الأبيض، لا يملك من هذا العالم الكبير ، إلا نبضًا ضعيفًا، وندمًا، وظلّ شابٍ قد يكون منه... أو لا يكون!!
في المساء، جلس معتز إلى جوار عزيز همس في قلق:
– "بابا..."
رفع عزيز يده المرتجفة، لامس وجهه برقة، وكأنه يتحسّس ملامح لم يعد متيقنًا من نسبها.
نظر إليه طويلًا...
ولم يقل شيئًا.
فقط...
فقط كان يبكي.
دعمٌ غير محدود، توجيه مباشر، وفتح للأبواب المغلقة أمامه، وهو شاب ما يزال في بداية الطريق.
كان كريم بك يبدو كأبٍ خفي، يغدق عليه من وقته وجهده بسخاء، حتى أثار الأمر تساؤلات الجميع.
وكان يردّد دائمًا:
– "والدك، الأستاذ عزيز... له فضل كبير عليّ."
يبتسم وهو يقولها، لكن شيئًا ما في عينيه كان يناقض ابتسامته.
وحين سأل معتز والده عن كريم، هزّ عزيز رأسه بتعب:
– "لا أتذكره."
– "بيقول إنه كان موظف تحت إدارتك."
– "ممكن. الناس كتير... والشركة كبيرة."
كان عزيز قد تجاوز السبعين، ذاكرته أرهقها حمل الأسماء والوجوه، لكنه ظل محتفظًا بوسامته وهيبته. وكانت ليلى، زوجته، تتهمه دائمًا بأنه لا يكفّ يومًا عن ملاحقة النساء.
لم تكن اتهاماتها محض وهم؛ فقد كان لعزيز تاريخ طويل من الخيانات، أبرزها تلك التي كتمتها طويلاً، لكنّها نهشت قلبها سنينًا.
***
لبنى... الفتاة الجميلة التي عملت بالشركة، ووقعت في حب زميلها كريم، قبل أن يخطفها عزيز لنفسه.
اكتشفت ليلى الخيانة، لكنها لم تفضح عزيز، بل ابتلعت الغضب واحتفظت به كجمرة نار ،في صدرها.
ولم يكن غريبًا، بعد سنوات، أن تفتح بابها ذات مساء لكريم...
كان لقاؤهما الأول باردًا... ثم ما لبث أن تكرّر.
أصبح كريم يبلغها أفعال زوجها مع لبنى، ثم تحوّل إلى عين خفية تنقل لها أسراره
وحين حملت ليلى بعد أشهر، كانت مفاجأة كبيرة!!
***
في الماضي، كان عزيز قوي البأس، نافذ الكلمة، لا يُرد له أمر.
ذات يوم، في اجتماع بالشركة، وقعت عيناه على لبنى، الموظفة الشابة بقسم الحسابات، واقفة بجوار خطيبها كريم، ذلك الموظف المتحمس، ترتدي فستانًا أزرق طويلًا وتبتسم بخجل.
منذ تلك اللحظة، صارت هدفًا.
استغل سلطته، نقلها من الحسابات، وجعلها سكرتيرته الخاصة، ثم أحكم قبضته عليها كما يحكم الصائد حباله.
أغراها بالكلام المعسول، بالمال والمكانة، حتى تورطت.
وحين حملت، تبرّأ منها، وأسكت كل الأصوات.
ماتت لبنى قهرًا... وربما غدرًا.
الجميع كان ضعيفًا أمام جبروت عزيز... إلا معتز، ابنه، كان الوحيد الذي أمامه يضعف.
***
في المساء، جلس معتز إلى جوار والده، وفي عينيه قلق وحيرة:
– "بابا... معقول انت لسه مش فاكر الأستاذ كريم؟!
الراجل ده مريب!
رغم اهتمامه الكبير بيا، أنا حاسس إن فيه حاجة غريبة...
نظراته مش مفهومة!"
نظر عزيز إليه طويلًا ولم يقل شيئًا.
الوجع في عينيه قال كل شيء... ولا شيء.
في داخله، كانت خيوط معقدة من الندم تشتبك مع صور الماضي، وتحديدًا وجه لبنى، التي تركت أثرًا عميقًا في قلبه، لكنه لم يعرف يومًا كيف يواجه نفسه بما اقترفه بحقها.
تذكّر كيف غدر بها، وكيف تسبب في انفصالها عن كريم، الذي أُجبر على الصمت.
***
رغم مرور السنوات وتغيّر الأدوار، لم ينسَ كريم ما حدث، بل ظل الجمر مستعرًا في صدره.
ترقى في السلم الوظيفي، صار يُحسب له ألف حساب، بذكاء وصبر.
راقب عزيز من بعيد، واقترب من ليلى في لحظات حرجة؛
يعرض المساعدة، ينقل لها أسرار زوجها، يمنحها الحنان الذي افتقدته.
ثم حدث ما لم يتوقّعه أحد: ليلى، التي أضناها القهر، ارتبكت مشاعرها.
وذات مساء، همست له:
– "أشعر أنك تعرفني كما لم يعرفني أحد."
كان تلاقيهما مريرًا؛ تلاقي روحين سحقهما رجل واحد.
عندما ولدت ليلى معتز
كان عزيز غارقًا آنذاك في نزواته ومجده، فرح بمجيء معتز، وخاصة وأنه قد جاء بعد طول انتظار.
أحبه عزيز حبًا جارفا، كان يري فيه امتدادا آخر ،ولكن في صورة أخرى طاهرة نظيفة.
أما كريم، فظل يراقب من بعيد، مترددًا بين شكه العميق ويقينه الموجِع، وبين رغبته في الانتقام وحبه الغريب لذلك الشاب النبيل الذي لا يعلم شيئًا.
***
تعرض عزيز لأزمة قلبية حادة، نُقل على إثرها إلى المستشفى.
قال الأطباء: "الأمر في يد الله... لم يعد بوسعنا شيء."
حين علم كريم، ذهب إليه.
جلس بجواره، وفي عينيه شماتة مغمّسة بالمرارة:
– "كنت تعرف، يا أستاذ عزيز، كم أحببتُ لبنى؟"
فتح عزيز عينيه بصعوبة، بالكاد همس:
– "لبنى؟... كانت موظفة... لا أذكرها..."
– "بل تذكر. خدعتَها وخدعتني وخدعت الجميع. كنتَ سيد اللعبة... والآن، أنت رهين الفراش."
صمت كريم، ثم أضاف:
– "أتعرف؟ لوهلة، راودتني فكرة أن معتز... ليس ابنك."
– "ما شاء الله عليه... شاب متربي، أخلاق، جمال، أدب..."
اهتزت عينا عزيز، وارتجف صوته.
نزع قناع التنفس، وكأن شيئًا انفجر في صدره.
تابع كريم بصوت خافت:
– "كنت دايمًا أقول له إنه ابن راجل محترم... لكن الحقيقة، مش دايمًا الراجل بيكون هو الأب."
حدّق عزيز فيه مذهولًا:
– "إنت بتقول إيه؟"
– "بقول اللي كان لازم تعرفه من زمان.
قال ذلك ثم ، انصرف وكأن مهمته قد انتهت،
دخلت ليلى، وجلست في مواجهته.
عيناها واجمتان كأنهما تنعيان كل شيء.
تأملها عزيز مشدوهًا، وقال بصوت مبحوح:
– "عايز أعرف... الحقيقة. معتز؟"
صمتت لحظة، ثم تمتمت بهدوء كمن يُحدّث طيفًا:
– "الحقيقة؟... كتير كنت بسأل نفسي نفس السؤال.
يمكن كنت عارفة، ويمكن... ما كنتش عايزة أعرف."
– "إنتِ... خونتيني؟"
رمقته بعينين زجاجيتين:
– "خيانة؟ يمكن.
ويمكن رد اعتبار...
يمكن كنت بدوّر على حاجة تنقذني
منك، من نفسي، من الهوان، من السنين اللي فاتت."
ذهل عزيز
اتسعت عيناه.
تساقطت الصور في رأسه كأحجار دومينو يدهسها الفراغ.
توالت في ذهنه صور الماضي:
ليلى تبكي كثيرًا، حمل مفاجئ بعد سنوات، اختفاء لبنى، معتز يكبر دون أن يحمل منه شيئًا...
الشك كاد يفتك به.
صرخ:
– "لا... لا!"
بكى لأول مرة.
أضحى لا يعرف: هل معتز ابنه حقًا؟
ولا يعرف: هل ليلى كانت ضحية أم جلادًا؟
بعد أن تمالك نفسه، دفع الخراطيم والأجهزة من حوله، وهمس بصعوبة:
– "معتز... ابن من؟ قولي الحقيقة، أرجوك، بالله عليكِ!"
قالت ليلى في هدوء حاسم:
– "معتز هو ابن ندمك."
ثم نهضت، وخرجت من الغرفة دون أن تلتفت.
ناداها كثيرًا... ولم ترد.
تجمّد الزمن في نظراته، انكمشت الوجوه، وذابت الأصوات.
كانت الحقيقة قاب قوسين... لكنها أفلتت.
بقي وحده، على السرير الأبيض، لا يملك من هذا العالم الكبير ، إلا نبضًا ضعيفًا، وندمًا، وظلّ شابٍ قد يكون منه... أو لا يكون!!
في المساء، جلس معتز إلى جوار عزيز همس في قلق:
– "بابا..."
رفع عزيز يده المرتجفة، لامس وجهه برقة، وكأنه يتحسّس ملامح لم يعد متيقنًا من نسبها.
نظر إليه طويلًا...
ولم يقل شيئًا.
فقط...
فقط كان يبكي.