شريف محيي الدين إبراهيم - رصاصة حامد...

المطر ينهمر بعنف، والريح تعوي خلف زجاج ...السيارة التي تتهادى على الطريق الغارق، وأنا أمسك الهاتف بيد مرتجفة.
الصوت من الجهة الأخرى كان مبحوحًا، متقطعًا، يرتجف بين شهقة وأنين.
كانت عفاف.
– "ياسر... تعالى حالًا..."
وأغلقت المحمول.
حاولت أن أعيد الاتصال بها، ولكن كان خارج الخدمة.
عفاف زوجة حامد...
حامد صديقي القديم...
ذلك الاسم الذي لم يغب يومًا عن حياتي، حتى وأنا أحاول أن أهرب منه... كان ظلًا طويلًا يخنقني.
منذ الطفولة، كان هو المتميز، المحبوب، الذكي، الصبور، وأنا كنت دومًا العابر في ضوئه.
كنت أبتسم لنجاحه، وأكتم تنهيدة الهزيمة داخلي.
أصفق له، وأعضّ على شفتي من الألم.
الغيرة...
ليست شعورًا عابرًا، بل لعنة متجذّرة في قلبي، كجمر لا ينطفئ.
تقمصت دور الصديق الوفي، لكني كنت ممثلًا بائسًا.
في داخلي، كنت أصرخ: لماذا هو؟
لماذا ليس أنا؟
سنوات الدراسة كلها، كان حامد الأول دائمًا، رغم كل ما كنت أفعله.
في كل مرة، كنت أجد نفسي خلف حامد.
الثاني وهو الأول.
كلما فعلت شيئًا، وجدته أمامي يسبقني بخطوة، حتى قررت أن أركض وراء المال وتركته خلفي.
حامد كان يتحدث عن الأحلام البسيطة، عن حياة لم تلوثها حسابات الخسارة والربح.
دائمًا يحاول أن يشرح لي أن هناك أشياء كثيرة في الحياة أهم من المادة، وأنا كنت أضحك، أستمع إليه فقط من باب المجاملة.
ثم جاءت عفاف...
كأنها الحلم الوحيد الذي حلمته يومًا بإخلاص.
تلك العينان... كنت أظنهما لي.
... تلك الخطوات، تلك البراءة.
كنت أراها لي، لكنني كنت واهمًا.
اختارته.
كما اختار هو حب الناس.
أما أنا... فما زلت ألهث خلف اختياراته.
أدرت ملهى ليليًا.
كنت أجلس في قلب الليل، تحيطني الأضواء والضجيج والنساء والموسيقى.
سيارة فارهة، وفيلا كبيرة، وأملاك وعقارات، وأراضٍ، ورصيد كبير في البنك.
لكنني كنت أنام كل ليلة على وسادة الحقد، وأحلم أن يسقط حامد مرة، ولو لمرة...
فقط مرة، لأسجد في سري شكرًا.

***
حامد...
بعد التخرج، عمل في مؤسسة حكومية كبرى، يُمسك بالأوراق بأصابع متعبة، يراجع طلبات الناس، ويسمع شكاواهم اليومية كأنها صدى لصوته الداخلي.
لا يمدّ يده، لا يعرف طريق الرشوة، لا يُجيد المساومة على الأخلاق.
العالم حوله يتغير. الكل يركض، يلهث.
زملاؤه يشترون السيارات، يغيرون الشقق، يملكون كل شيء.
وهو؟
يعود كل مساء حاملًا كيس خبز وبعض خضروات باهتة، ويقنع ابنه أن الجبن الأبيض ألذ من البيتزا، وأن اللبن الطازج أفضل من الشوكولاتة.
زوجته عفاف تصمت كثيرًا.
لا تلومه، لكنها تنكسر بصمتها.
تنظر إليه أحيانًا تلك النظرة التي تخترق قلبه دون أن تقول شيئًا.
كانت تعرف أنه طيب. وكان هو نفسه يعرف أنه طيب، لكنه بدأ يشك في جدوى الطيبة.
هل للطيبة مكان في هذا الزمن؟
هل يستحق العالم أن نعيش فيه بشرف؟
***
اقترب ياسر من بيت عفاف...
كان قصف الرعد يهز أعماقه، والسيارة تتحرك ببطء تحت سيل المطر المنهمر.
كانت الحواري ضيقة، والمجاري طافحة.
السيارة تتحرك بصعوبة، وأذان الفجر يتردد.
وصلت السيارة إلى بيت عفاف.
وقف ياسر أمام باب المنزل.
كان الباب مواربًا.
دخل وفي عقله ألف احتمال...
وجد حامد واقفًا...
يحمل المسدس كما يحمل الرجل قلبه حين ينكسر.
– "أنتِ! يا عفاف!
كنتِ تخونينني؟
مع ياسر؟ مع صديقي؟!"
صرخته كانت كالرعد، تمزق الجدران.
قالت وهي تبكي:
– "حامد... لا!
أنا فقط كنت أهرب من فقرنا، من وجع ابننا، كنت أبحث عن حياة! هو كان فقط يساعدني!"
صرخ في وجهها:
– "يساعدك؟!
كنتِ تتوددين له! تبتسمين له! ألم أركِ في صور الكاميرات؟ ألم أسمع همساتكم؟"
ثم التفت إليّ:
عيناه مثل فوهتي مسدس، تغليان.
– "وأنت؟ يا ياسر؟
هل كنت تضحك في وجهي كل تلك السنوات؟
كنت تنظر لعفاف على أنها جائزتك، أليس كذلك؟
كنت تنتظر سقوطي، كمن يترقب النسر وهو يهبط لينقضّ."
قلت بصوت مبحوح:
– "حامد... أنا... لم أقصد. أقسم لك. الأمر خرج عن السيطرة. أنا... أنا فقط..."
– "فقط ماذا؟"
ثم انكسرت نبرته، ومال صوته نحو البكاء:
– "أنا من تركتُها تعمل هناك... كنتُ عاجزًا، لا أملك شيئًا... ابني كان على وشك الموت... رضيت بالإهانة لأجل حياة ابني... وأنا أعلم، أعلم أنكم تكذبون... لكنني كنت أضعف من المواجهة."
رفع المسدس...
أولًا نحوها... ثم نحوي...
ثم إلى صدره.
ضغط الزناد.
رنين الطلقة شقّ الليل.
ركضنا به إلى المستشفى.

***
هل انتصرت عليه أخيرًا؟
هل امتلاكي لعفاف كان النصر المنتظر؟
هل سعادتي الآن تعني أنني الأفضل؟
أنا الأغنى، الأقوى، الأكثر حرية...
لكن لماذا إذًا هذا الفراغ؟
لماذا حين أضحك، أبكي داخلي؟
لماذا كل الأضواء لا تكشف شيئًا مني؟
لماذا أشعر أنني أنا من أُصبت بالرصاصة؟
يوم جاءتني عفاف تبكي، قلت لها بتشفٍّ:
– "هذا اختيارك.
– إنه صديقك.
– وماذا بوسعي أن أفعل؟
– لا يوجد في البيت قرش واحد، والولد مريض."
نظرت إليها في خبث:
– "يمكنك أن تساعديه."
– "كيف؟"
– "الملهى يحتاج إلى سكرتيرة ذكية مثلك."
نظرت إليّ في دهشة:
– "مستحيل... أن يوافق حامد على عملي في ملهى ليلي؟"
– "سيكون راتبك عشرة آلاف جنيه شهريًا."
صمتت... ثم وافقت.
قالت إنها ستكتفي بالأعمال الإدارية فقط، لا علاقة لها بالخمر ولا السهر.
لكنني رأيت التحول بعيني.
كل شيء تغير، بشكل أدهشني.
كانت لا تتحدث مع أحد، فقط تتبعني وهي عابسة جادة.
ثم صارت تتحدث مع الجميع ، وسرعان ما غرقت في عوالم لا أستطيع حتى أنا فهمها!!
كنت أظن أنني أستطيع التحكم بها.
كان لدي كل شيء: المال، القدرة على السيطرة على مشاعرها، وحتى على روحها، ولكن في لحظة ما، أدركت أن عفاف قد تحولت إلى شيء آخر، شخص آخر، كائن لا أعرفه.

***

علاء... ابن حامد،
كان عمره خمس سنوات حين بدأ السعال.
ثم الحمى.
طاف به على الأطباء، حمله في حضنه ساعات طويلة في طوابير المستشفيات، بين أناس فقدوا الصبر والأمل.
قال له الطبيب:
– "ابنك محتاج رعاية خاصة، وعلاج طويل. ممكن يكون غالي شوية، بس هيفرق كتير معاه."
رجع إلى البيت، جلس على طرف السرير، وابنه يتنفس بثقل، ودموعه تتساقط بلا صوت.
دخلت عفاف، قالت:
– "في ست محترمة من معارفي بتدير كافيه صغير...
طلبتني قبل كده عشان أساعدها في الإدارة وأضبط لها حساباتها وأنا رفضت.
بس ممكن أروح كام يوم بس..."
كان علاء يتقلب بجانبها.
نظر حامد إليها طويلًا، ثم قال:
– "روحي."
قالها وهو يشعر أن جزءًا منه قد انهزم، وسقط في مكان لا يعرفه.
لكنه كان يرى علاء، ممددًا، شاحبًا، تنقطع أنفاسه.
ورأى الموت واقفًا على طرف السرير.
في اليوم التالي، ارتدت عفاف فستانًا لم يره عليها منذ زواجهما.
تعطرت.
رفعت شعرها.
وقف أمام الباب، وهو يشيّعها بنظرة غريبة... لا هي غضب، ولا هي رضا، بل شيء مهزوم، مُر، كأن الزمن سحق شيئًا في داخله.
كل يوم كانت تعود وفي يدها دواء.
وفي حقيبتها نقود.
وكان علاء يتحسن.
لكنّ حامد... كان يذبل...
وفي يومٍ، دخل البيت فوجدها تبكي.
سألها:
– "مالك؟"
قالت بصوتٍ مكسور:
– "تعبت."
اقترب منها، وجلس بجوارها.
ووضع يده على رأسها.
ثم بكى.
***
حين عرف حامد أن عفاف تعمل عند ياسر،
ذهب إليه غاضبًا، وقال:
– كنت أظنك صديقي.
قال ياسر:
– أنا لم أجبرها.
قال حامد:
– لكنك استغللت ضعفها.
قال ياسر:
– ألم يكن من الأجدر بك أن تعالج ابنك؟
نظر حامد إلى ياسر طويلًا، ثم قال:
– كنت أراك دائمًا فارغًا من الداخل، تبحث عن أي شيء تملأ به خواءك.
ضحك ياسر وقال بسخرية:
– وأنا كنت أراك مثاليًا حتى الغباء.
قال حامد:
– ربما كنت غبيًا... لكنني لم أبع روحي.
صاح ياسر في وجهه:
– كان الأولى أن تواجه زوجتك، وأن تلقي عليها محاضراتك السخيفة عن المبادئ والأخلاق.
قال حامد بغضب:
– هي لن تعمل عندك بعد اليوم.
قال ياسر بهدوء:
– بل ستظل معي، ولن تترك الملهى، وأنت تعلم ذلك جيدًا.
قال حامد:
– أنت تتحداني؟
قال ياسر:
– على الإطلاق... فكر قليلًا يا حامد في الدنيا اللي حواليك... فكر على الأقل في ابنك. خذها نصيحة مني... اعمل نفسك مش عارف.
***
حين رفع حامد المسدس،
أولًا نحو عفاف... ثم نحوي...
تمنيت للحظة أن يطلق الرصاصة عليّ.
لكنه وجّهها إلى صدره.
حملته وخرجت مسرعًا، لا أعرف إلى أين.
كان البرد يلفحني، لكن الرعب كان أعمق، يتسلل في عروقي...
كل خطوة في الشارع كانت تبعدني عن نفسي، عن كل ما كنت أظنه حقيقيًا.

وضعته في السيارة.
ركضنا به إلى المستشفى.
كنت أرتجف، أنظر إلى وجهه الشاحب، وعيناه معلقتان بي... لا بالحقد، بل بالخذلان.
في غرفة الانتظار، كانت عفاف تبكي.

هل انتصرتُ عليه أخيرًا؟
هل امتلاكي لعفاف هو النصر المنتظر؟
هل سعادتي الآن تعني أنني الأفضل؟
أنا الأغنى، الأقوى، الأكثر حرية...

لكن لماذا الفراغ؟
لماذا أضحك، وأبكي داخلي؟
لماذا كل الأضواء لا تكشف شيئًا مني؟
لماذا أشعر أنني أنا من أُصيب بالرصاصة؟
***
كان ياسر، كلما خلا إلى نفسه، يرى أباه وأمه يخرجان من ظلال الذاكرة،
يجلسان في ركن البيت القديم، تتأرجح كلماتهما في أذنه، كأنها قيلت منذ لحظات.
قال الأب، وهو يربّت على كتف حامد:
– ما شاء الله عليك يا بُني... تحفظ لسانك وتصون بيتك، وهذا ما يُرضي الله والناس.
وقالت الأم، وهي تتحاشى عيني ياسر:
– ربّيناهم جميعًا، لكن حامد طالع لعقله، رزّين، بيشرّفنا وسط الناس.

تكررت المقارنات، خفيةً تارة، وصريحةً تارة،
حتى ترسّخت في قلب ياسر كجذر خفي... يؤلم ولا يُنتزع.
لم تكن غيرة من حامد، بل شعورًا بأن أقرب الناس إليه لم يروه كما تمنّى.
كانوا يرون في التزام حامد أدلة المحبة،
أما هو، فكان يُراقَب بعين الشك، كأنهم ينتظرون زلته.
***
في المستشفى، كانت عفاف تتكلم عن حامد، لكنني لم أكن أسمعها.
تحولت كلماتها إلى أصوات غريبة، بلا معنى.
هل هذه هي الحياة التي أردتها؟
امرأة لم أعد أراها كما كانت...
تحولت إلى طيف، إلى لعبة في مهب الريح.

كيف أصبحتُ مجبرًا على التعايش مع هذا الفراغ؟
كيف تحوّل "نصري" على حساب حامد إلى شيء غامض وموجع؟

هل كنت أحبه؟
ربما.
لكنني كنت أحسده أكثر مما أحبّه.
كنت أبتسم لنجاحه، وأكتم تنهيدة هزيمتي داخلي.

الآن، فقط الآن،
اكتشفت السر الذي كنت أخفيه عن نفسي.
صداقة حامد كانت كل شيء.
كنت أستند إليه في كل لحظة ضعف.
هو من جعلني أشعر أنني أقدر على الحياة.

وحين خسرته، ظننت أنني ربحت...
لكن الآن، لا شيء غير الفراغ.

يتوغل في قلبي شعور بالندم...
أدركت أنني خسرت شيئًا أكبر مما تصوّرت.
حامد، كان الوحيد الذي يستحق أن ألتف حوله.
ولكن يبدو أنني قد أدركت هذا بعد فوات الأوان.

هل هذا هو النصر؟
هل كانت عفاف ما كنت أحتاجه فعلًا؟
أم أنني كنت أبحث عن شيء مفقود داخلي؟

الآن فقط، أرى الحقيقة.
حامد... هو من كنت أفتقده دائمًا.

***

قيل إن حامد خرج من المستشفى، ثم اختفى.
قيل إنه شوهد يسير وحده على الشاطئ.
قيل إنه دخل الجامع وبكى طويلًا...
لكن لا أحد يعرف أين هو!!

أما ياسر....
فقد بقي في الملهى، كملكٍ تائه،
الأنوار تدور، الموسيقى لا تتوقف،
والضحكات... تشبه البكاء.

وعفاف....
بحثت طويلًا عن حامد،
ولما فقدت الأمل،
تركت كل شيء، وعادت إلى بيت صغير،
لا يسكنه غير الضوء الخافت والذكرى.
أحيانًا تمرّ قرب الملهى... دون أن تلتفت.
وحين يجيء الليل، كانت تسمع صوته.
لا يوبّخها، لا يعاتبها...
فقط يناديها... ثم يمضي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى