شريف محيي الدين إبراهيم - تحليق...

كنت لا أعرف إلى أين ؟!
الأرض تحت قدمي موحلة، ثقيلة، والسماء فوق رأسي رمادية ملبدة بالغيوم.
كنت أركض، ألهث، أتعثر، كي أواصل السير مع الجميع.
قطيع ضخم من البشر، كلهم يركضون!!
يضغطون على بعضهم بعضًا، كأننا نهرب من وحش غبي.
سقطت على ركبتي...
رفعت عيني فرأيت شيخا كبيرا ،فوق صخرة عالية. ،
أشار نحوي وصاح:
أنت!!
تلفت حولي، ظننت أنه يخاطب غيري.
كانت عيناه مثبتتين عليّ.
صاح بقوة :نعم أنت.
تقدمت نحوه بخطوات مرتجفة، وسمعت صوته يجلجل:
لماذا لا تلتقط أنفاسك؟!
لماذا لا تتوقف قليلا، وتنظر إلى كل ما حولك ؟ ...
إنك تسير مثل أعمى وسط العاصفة،وكأنك تحمل عبئا ثقيلا فوق ظهرك، يحنيك، يمنعك من رفع رأسك لترى السماء."
انكمشت على نفسي
همست :
الحياة صراع، ومطالب، والجوع أقوى من الأحلام.
: قال الشيخ بهدوء
الحياة قد تجعلك
" تتنازل وتقبل أيادي ،وربما أقدام.
وتحت وطأة الحاجة.
قد تهبط درجات في عالم الإنسان،تصاحب الموتورين،و الحمقى، وتخسر نفسك رويدًا رويدًا
لماذا لا تحلق قليلا ؟!
قلت في مرارة :
( أي حكمة في التحليق بينما بطني جائع؟)
، اقتربت مني فجأة امرأة غريبة.
فائقة الجمال، ترتدي ثوبا حريريا يتماوج كالماء،
همست :
"تعال إليّ...
دع عنك الأوهام، عندي لك مأوى دافئ، وأمان لا ينتهي.
ما حاجتك للتحليق بين الغيوم!!
السعادة هنا، قريبة، سهلة المنال؟"
امتدت يدها نحوي، ناعمة، دافئة، كأنها تعدني بالخلاص.
ترددت.
كان صوت القطيع من خلفي يصرخ:
(العجلة، الصراع، المال، القتال، النجاة!)
وصوت المرأة يغري:
(الدعة، الراحة، اللذة، النسيان.)
وصوت الشيخ فوق الصخرة، صارخًا وسط الضوضاء:
"هل جربت يوما أن تحلق مثل نسر أو حتى عصفور صغير؟
أن ترى العالم من علٍ، بين السحاب، بجوار النجوم؟
هل تخلصت يوما من لعنة الجاذبية، وصرت خفيفًا مثل حلم؟"

نهضت ببطء، شعرت بقوة غريبة تنتشر في أطرافي.
لكن قيدي كان ثقيلا.
عطر المرأة يسحبني، كلمات القطيع تمزقني، وصوت الشيخ يرفعني،
أكمل :
"اصنع لنفسك طريقك الخاص، لا تسلم مصيرك للطين.
تخل عن طموحات الشيطان.
اسأل نفسك: هل هذا الطريق الذي تمضي فيه هو ما تصبو إليه؟"

نظرت إلى قدمي، المغروستين في الوحل، وإلى السماء، حيث كانت فجوة صغيرة من نور تلوح بعيدًا...
كانت السماء تناديني...
و الأرض تشدني
والمرأة تبتسم ابتسامة آسرة، تمد يدها أكثر.
والشيخ يصيح :
"أنت في الأصل سيد!
لست جسدًا طينيًا، بل روحًا فيها نفخة من روح الإله!
انهض... قبل أن يفوت الأوان!"
أخذت نفسًا عميقًا...
تقدمت خطوة واحدة نحو الصخرة، حيث الشيخ ينتظرني، بينما خلفي صرخ القطيع غاضبًا، ملوحًا بأيدٍ دامية، والمرأة تغري وتتوعد.
لحظة قصيرة... لكنها كانت معركة عمر.
بين أن أبقى حيث ألفت، أو أن أطير حيث أجهل!!
رفعت رأسي إلى السماء، ومددت جناحيّ المكسورين، واستجمعت آخر ذرة من القوة...
وقفزت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى