رانية مرجية

ثمة كتب نقرأها لأننا نحب أصحابها، وثمة كتب نعود إليها لأن الزمن لم يستطع أن يهزمها. ومن بين هذه الكتب يبرز ديوان «دمي على كفّي» لسميح القاسم، الصادر عام 1967، بوصفه أحد النصوص الشعرية النادرة التي لم تكتفِ بمقاومة واقعها التاريخي، بل نجحت في تجاوز ذلك الواقع لتصبح سؤالًا مفتوحًا أمام كل جيل...
✦ عتبة النص: سؤال العمر بوصفه مدخلًا للبوح “إن سألتني كيف مضيتُ العمر…” يستهلّ الشاعر نصّه بصيغة شرطية تتكرّر بإلحاح، وكأنّه لا يكتب قصيدة بقدر ما يجيب على استجواب داخلي طويل. هذا التكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يكشف عن بنية نفسية قلقة، تعيد طرح السؤال ذاته دون أن تبلغ يقينًا نهائيًا...
حين تقع الجريمة يتجه الاهتمام عادة إلى الفعل نفسه: من ارتكب الجريمة؟ وكيف سيعاقَب؟ غير أن السؤال الأعمق الذي يطرحه الفكر القانوني الحديث هو: ماذا يحدث داخل عقل الإنسان قبل أن تتحول الفكرة إلى فعل؟ فالجريمة ليست مجرد خرق لنص قانوني، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة عملية معقدة من التفاعلات النفسية...
كيف يُرثى رجلٌ كتب الذاكرة قبل أن يحاصرها النسيان؟ كيف يُكتب الوداع لمن جعل الحبر وطنًا آخر لفلسطين؟ يا وليدَ الخالدي، أيها الخارج من القدس مثل ضوءٍ قديم يسكن حجارة المدينة، أيها الذي حمل البلاد لا شعارًا عابرًا بل معرفة، ولا عاطفةً عابرة بل علمًا يقاوم المحو. كنتَ تعرف أن الأرض قد تُحتل، لكن...
ليست كلّ الخسارات متشابهة. بعضها يمرّ كخبرٍ عابر، وبعضها يترك فجوةً في روح الثقافة. ورحيل لطيفة الدليمي من تلك الخسارات التي لا يمكن أن تمرّ بهدوء. لم تكن الدليمي مجرد روائية عراقية لامعة؛ كانت عقلاً استثنائياً في الثقافة العربية، امرأةً آمنت أن الكتابة ليست حرفةً لغوية، بل فعل معرفة،...
في الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، يحتفي العالم بإنجازات النساء ونضالهن الطويل من أجل العدالة والكرامة والمساواة. غير أن للمرأة الفلسطينية حكاية مختلفة؛ حكاية لا تختصرها مناسبة عابرة ولا تحيط بها كلمات قليلة، لأنها جزء أصيل من تاريخ شعبٍ ما زال يكتب يومياته بين الألم والأمل. فالمرأة...
في الشعر الفلسطيني داخل الوطن، تتباين الأصوات بين من يكتب تحت وطأة الحدث، ومن يكتب تحت وطأة الذات. غير أن تجربة ليليان بشارة منصور تنتمي إلى مساحة أعمق، حيث يتحوّل الضغطان معًا إلى نسيج لغوي متماسك. ليست شاعرة انفعال، بل شاعرة تأمّل؛ لا ترفع القصيدة كراية، بل تبنيها كبيت. الذاكرة في نصوصها ليست...
في هذا البلد، نعرف كيف نبني. نرفع الإسمنت بسرعة، نقصّ الأشرطة بمهارة، ونلتقط الصور من الزاوية الصحيحة. لكننا لا نجيد السؤال: ماذا يحدث للإنسان تحت كل هذا البناء؟ أقف أحيانًا أمام مشروع عمراني جديد، وأشعر أننا نبني فوق شيء… لا له. نبني فوق تعب الناس، فوق صمتهم، فوق خوفهم من أن يقولوا: هذا...
لم تكن تأتي إلى المقبرة لأنها لا تعرف أين تذهب، بل لأنها هنا فقط لا تُسأل: لماذا؟ كان صباح السبت قد صار موعدًا ثابتًا منذ غيابه، منذ ذلك اليوم الذي لم يُسمَّ موتًا، بل زُفَّ فيه عريسًا لعيون فلسطين. وقفت أمام الضريح كما تقف أمام فكرة لم تكتمل، لا تبكي، ولا تتظاهر بالقوة. كانت تكتفي بأن تكون...
لا تُختبر القيم الإنسانية في لحظات الانسجام، بل في أزمنة التصدّع، حين تنسحب المجاملات، ويتقدّم الموقف بوصفه الشاهد الأكثر صدقًا على حقيقة الأشخاص. فالزمن، في جوهره، ليس مجرّد إطارٍ للأحداث، بل أداة كشف هادئة، تعمل بصبر، وتمنح كل وجه فرصته الكاملة كي يُفصح عن معدنه الحقيقي. التجارب لا تُعرّي...
لا يأتي رحيل الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح بوصفه خبرًا ثقافيًا عابرًا، بل بوصفه حدثًا يفرض إعادة التفكير في معنى الشعر ودوره داخل سياقٍ يتجاوز الأدب إلى سؤال الوجود ذاته. فبغيابه، لا يخسر المشهد الثقافي صوتًا شعريًا فحسب، بل يفقد أحد أشكال الوعي التي اشتغلت بهدوء، وبصرامة، بعيدًا عن الاستهلاك...
تعبنا من الموت حين صار جزءًا من المشهد لا يفاجئ أحدًا حين صار يمرّ خفيفًا بين خبرين ولا يعتذر تعبنا من شبابٍ كانوا يقفون على حافة الحياة فدُفعوا إلى الغياب من أعمارٍ لم تُمنح الوقت لتخطئ لتتعلّم لتنجو تعبنا من وطنٍ يتقن الصمت ويُجيد العدّ ولا يحفظ أسماء أبنائه الأمهاتُ لم يعدن يبكين صرن...
في زمنٍ باتت فيه الثقافة عرضة للتسليع، وتحوّل الفن في كثير من السياقات إلى وسيلة للظهور السريع، تبرز تجربة أسامة مصري بوصفها نقيضًا هادئًا لهذا المنطق. فهي تجربة لا تُبنى على الادّعاء، ولا تُختصر في منجزات قابلة للإحصاء، بل تتشكّل عبر مسار طويل من الالتزام الإنساني، حيث يصبح الفن نتيجة طبيعية...
في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، لا تبدو الكتابة عنه مجرّد استعادة لزمنٍ مضى، بل محاولة لفهم الحاضر عبر لحظة تاريخية لم تُستنفد بعد. فبعض التجارب لا تفقد معناها لأنها فشلت، بل لأنها ظلّت — على نحوٍ مؤلم — غير مكتملة. من بين تلك اللحظات، تبرز العلاقة بين عبد الناصر والبابا كيرلس السادس، لا بوصفها...
ليست الكتابة في جوهرها العميق، فعلَ تعبيرٍ محايدًا، أو مجرّد تمرينٍ لغويٍّ على البلاغة أو الإفصاح، فثمة كتابة تتجاوز حدود البوح لتغدو مساءلة جذرية توجّه إلى اللغة ذاتها قبل أن تُوجَّه إلى العالم! ماذا تستطيع اللغة أن تقول دون أن تُزيّف؟ وماذا تختار أن تصمت عنه دون أن تتورّط في التواطؤ؟ في هذا...

هذا الملف

نصوص
136
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى